تقنية الواقع المعزز

د. جهاد فيصل العمري*

تطور تقنية المعلومات وعلوم وهندسة الحاسب لا يقتصر على تطور المعدات من أجهزة الحاسب والأجهزة الذكية وملحقاتها فقط ولا يقتصر أيضاً على تطور البرامج والتطبيقات التي تمكننا من الاستفادة من تلك الأجهزة عندما تقوم باستقبال وفرز ومعالجة البيانات وتحولها لمعلومات داعمة لقرارتنا اليومية المختلفة و ليس فقط على شبكات الإنترنت وتقنيات التصفح التي ربطت اجهزتنا وبرامجها ببعضها وسهلت الاتصال بينهم، بل تتجاوزها إلى القدرة على دمج كل تلك التقنيات ببيئة مستخدمها وواقعه بما يسمى بالواقع المعزز والواقع الافتراضي وإنترنت الأشياء. في هذه المقالة سيتم أخذ جولة سريعة عن تقنية الواقع المعزز، تعريفه وتاريخ تطوره والقضايا الصحية والاجتماعية المصاحبة لاستخدامه.

في الواقع المعزز (باللغة الإنجليزية Augmented Reality) يتم إسقاط تفاصيل البيئة الحقيقية حول المستخدم على البيئة الافتراضية ببرنامج  الحاسب، غالبا بواسطة كاميرا جهازه بينما في الواقع الافتراضي (باللغة الإنجليزية Virtual Reality)  يتم محاكاة صورة أو بيئة ثلاثية الأبعاد والتفاعل معها بطريقة تبدو حقيقية أو مادية بواسطة معدات إلكترونية خاصة ، مثل خوذة مع شاشة بداخلها أو قفازات مزودة بأجهزة استشعار. ، تشترك تقنيتي الواقع المعزز والواقع الافتراضي بمواصفتين ، الأولى توفير التفاعل الأني (المباشر) على سبيل المثال تغيير البيئة الحقيقة ينعكس على الواقع الافتراضي مباشرةً، والثانية توفير رؤية دقيقة ثلاثية الأبعاد تتشكل من بُعد (السماكة أو الارتفاع) إضافة إلى بُعدي الطول والعرض، كما أن للواقع المعزز صفة مميزة إضافية وهي دمج الواقعان الحقيقي (حول المستخدم) والافتراضي (بجهاز المستخدم).

حالياً الواقع الافتراضي شائعًا بشكل حصري في مجالات الترفيه مثل ألعاب الفيديو والأفلام بتقنية ثلاثي الأبعاد والتدريب باستخدام نظام محاكات الواقع في الطيران والهندسة والطب على سبيل المثال يتعلم الطلاب في مستشفى كليفلاند التابع لجامعة (Case Western Reserve University)  على علم التشريح باستخدام أجهزة الواقع المعزز لفحص جسم الإنسان بتنسيق تفاعلي ثلاثي الأبعاد، بينما يُستخدم الواقع المعزز على نطاق أوسع يشمل إضافة للترفيه والتدريب والتعليم تشغيل وسائل المواصلات مثل ما تقوم به شركة تسلا للسيارات الكهربائية (Tesla Motors, Inc) بسياراتها ذاتية القيادة والتي ربطت فيها البيئة حول السيارة ببرنامج القيادة الذاتية لتصبح السيارة قادرة على التفاعل مع المحيط الخارجي عند حركتها وتتجنب الاصطدام بالأجسام الثابتة والمتحركة حولها، كما أن الواقع المعزز يستخدم أيضاً ببعض الإجراءات الطبية لمساعدة المسعف والطبيب بالتقاط صورة (أو فيديو) للمريض ومقارنتها مع قاعدة البيانات ببرامج حاسب معدة للتشخيص، كما انها تستخدم في بعض تطبيقات التواصل الاجتماعي (مثل سنابشات) وفي الهندسية و البيع بالتجزئة و التصميم والنمذجة و الأعمال اللوجستية وصناعة السياحة حيث يتم فيها اسقاط بيئة المستخدم على برامج مخصصة تمكنها من دمج صور واقعية حول المستخدم مع البرامج المعدة مسبقاً لتحليل تلك الصور وتقديم معلومات تدعم القرارات اليومية في الشراء والتصميم والدراسة والسفر والتشخيص. 

مثل كثير من الاختراعات والأفكار التقنية الجديدة يمكن ان نرجع أول إشارة لفكرة الواقع المعزز لأحد الروايات الشهيرة والتي صدرت عام 1900 ميلادي بعنوان ساحر أوز العجيب  (باللغة الإنجليزية The Wonderful Wizard of Oz)، وصف الكاتب (L. Frank Baum)  والرسام  (W. W. Denslow) نظارة أحد أبطال القصة بأنها تمكن مستخدمها رؤية صور مركبة على جباه من تراهم. منذ ذلك الوقت ولأكثر من نصف قرن لم يسجل أثر لفكرة –تقنية- دمج رؤية الواقع مع الخيال، حتى جاء عام 1968 ميلادي حيث اخترع البروفيسور (Ivan Sutherlead) وتلميذه  (Bob Sprout) بجامعه هارفرد أول خوذة رأس للعرض (باللغة الإنجليزية Helmet – Mounted Display)، ساهمت هذه التقنية لاحقا في تسهيل صناعة أجهزة الواقع الخيالي والواقع المعزز، بعد ذلك بأكثر من عشرين عام وتحديداً في عام 1990 ميلادي قام الباحث (Tom Caudell) وزميله (David Mizell ) والعاملين بشركة بوينج (Boeing) لصناعة الطائرات ومركبات الفضاء بتصميم نظارة ذات عدسات خاصة لمساعدة العاملين بالمصنع تركيب القطع المعقدة بتمكين رؤية القطع عبر العدسة الشفافة و رؤية التصميم عبر شاشة عاكسة علي نفس عدسة النظارة بنفس الوقت، رغم فشل هذا التصميم في مساعدة العمال إنجاز عملهم بالطريقة المأمولة إلا انها كانت خطوة متقدمة في تقنية الواقع المعزز بنيت عليها التطويرات الجديدة كما انه كان أول تاريخ يسجل فيه تسمية هذه التقنية بالواقع المعزز والمعتمدة حتى الأن. بعد ذلك وبين عامي 1992 و 1998 ميلادي طورت وكالة ناسا الفضائية عبر الباحث (Louis Rosenberg) تقنيات تدمج تقنيتي الواقع الافتراضي و الواقع المعزز في الطائرة الفضائية (NASA’s x-33 Spacecraft).  في عام 2000 ميلادي طور (Bruce Thomas)  اول لعبة فيديو تسمى (ARQuake) تدخل فيها تقنية الواقع المعزز عبر لعبة (قتال شوارع) مكونة من نظارة خاصة مرتبطة بجهاز حاسب محمول على ظهر الاعب ومبرمج لدمج الصور الحقيقة حول الاعب مع بيئة اللعبة عبر تلك النظارة. في عام 2008 ميلادي اُستخدمت تقنية الواقع المعزز بدعاية إحدى سيارات شركة (BMW) والتي تمكن تصوير السيارة بالإعلان الورقي عبر كاميرا جهاز الحاسب (Webcam)  ورؤية شكل السيارة بتقنية ثلاثي الابعاد على موقع الشركة. بين عامي 2010 و2012 طور الباحثون  (Evan Spiegel, Bobby Murphy, and Reggie Brown) بجامعة ستانفورد تطبيق تحت اسم بيكيبو (Picaboo) والذي تغير لأسباب قانونية متعلقة بحقوق الملكية إلى سنابشات (Snapchat) يعتمد هذا التطبيق على تقنية دمج الصور والفيديوهات الشخصية مع بيئة خيالية كرتونية، أصبح التطبيق لاحقاً في عام 2015  أحد أهم تطبيقات التواصل الاجتماعي، توالت جهود تطوير تقنية الواقع المعزز لتشمل تطوير العاب الفيديو مثل لعبة بوكيمون جو (Pokémon GO) الشهيرة منذ عام 2016 ميلادي ، وفي عام 2017 صدرت لعبة الرعب (Jigsaw) المستوحاة من الفيلم السنيمائي الشهير بنفس الاسم كما طورت شركة جوجل، بعد سنوات من التجارب، نظارة جوجل (Google Glass) خفيفة الوزن والقادرة على توفير رؤية تدمج الواقع حول المستخدم بكل ما توفره بيئة جوجل الافتراضية من صفحات البحث والفيديوهات والملفات المختلفة، في نقلة تقنية يعتقد المهتمين بتقنية الأعمال أنها قد تسيطر على بيئة العمل خلال الأعوام القادمة حيث تمكن الموظفين بالعمل عبر تلك النظارات كبديل عن الأجهزة الذكية الأخرى وباستخدام طرف العين!.

درس العديد من الباحثين في علوم الاجتماع والنفس والحاسب والصحة العامة ومنهم الباحث في البرمجيات (Adriana Blum) والباحثة في أخلاقيات التقنية (Fiona J McEvoy) التحديات الأخلاقية للواقع الافتراضي والمعزز، من هذه التحديات القضايا المتعلقة بتقنية تمييز الوجوه وتحديد الهوية والبيئة للمستخدمين وإتاحتها للبرامج الأخرى عبر شبكة الإنترنت دون موافقة أو حتي علم المستخدمين والتي قد تقوض خصوصيتهم وأمنهم وتعرضهم للاستهداف من قيل برامج التجسس عبر الإنترنت وتعرضهم لعمليات التلاعب بهويتهم وارتكاب الجرائم في حقهم.  كما أن دمج البيئة الخارجية حول المستخدم ببرامج الواقع المعزز ينتهك المساحات العامة والخاصة مثل الملاعب والحدائق و المنازل والمكاتب ويدمجها ضمن بيئة افتراضية قد لا تتناسب مع خصوصية المكان، على سبيل المثال قد يتم تصوير حرب شوارع أو شخصيات بلباس أو تصرفات غير محتشمة او غير مقبولة  وكأنها موجودة داخل حديقة عامة او بمنزل او مكتب خاص مما يقلل من شأن تلك الأماكن ويشوه واقعها الحقيقي في أذهان الأخرين. كما ان هناك إشكاليات عقلية واجتماعية قد تنتج لهذا الواقع الجديد فيشعر بعض المستخدمين بقوة أو نشوة غير حقيقة مما يسبب أو يزيد من الانفصال عن الواقع الحقيقي. أخيراً ولأن الأنظمة التي تستخدم الواقع المعزز مازالت تعاني من عدم وجود سياسات واضحة للتعامل مع كمية وشكل البيانات التي يتم تجميعها غبر تلك التقنيات وتحديد من هو المالك والمتحكم في تلك البيانات، فمن الواجب وضع التشريعات والسياسات التي تنظم استخدام هذه التقنية.

كاتب سعودي*

حساب تويتر: GH574_1

 

One thought on “تقنية الواقع المعزز

  1. رااائع ما قدمته يا سيدي… اتفق وبشدة… بالفعل العالم المتقدم أصبح يختزل في فضائه السري ققصصنا الكارتونية كمستودع أفكار إبداعية لصناعة من أخطر وأهم الصناعات صناعة الأفلام… هذا تمت ما يحدث معنا خصوصا مع صورنا وقصصنا اليومية عبر Bitmoji films and stories فبالتالي لا حاجة لكتّاب قصص على ٢٠٣٠…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *