الأكثر مشاهدة

  هدى الشهري خويلد بن خالد بن مخزوم، شاعر مُخضرَم، عاش في الجاهليّة، وأدرك …

أبو ذؤيب الهذلي ولوعة الفقد

منذ شهرين

107

0

 

هدى الشهري

خويلد بن خالد بن مخزوم، شاعر مُخضرَم، عاش في الجاهليّة، وأدرك الإسلام، لم يُعرف عنه الكثير من الأخبار؛ نَظراً لقلّة التحدُّث عنه أوعن آثاره؛ امتلأت حياته بالعديد من الأحداث خلال الجاهليّة، والإسلام؛ إذ تميّزت شخصيّته بالغرابة، والتميُّز، وقد ظهر ذلك بشكل بارز وواضح في شِعره. أسلم وهو كبير في السن وحسُن إسلامُه.

ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الآكَامِ الْهُذَلِيُّ، عَنِ الْهِرْمَاسِ بْنِ صَعْصَعَةَ الْهُذَلِيِّ، عَنْ أَبِيهِ- أَنَّ أَبَا ذُؤَيْبٍ الشَّاعِرَ حَدَّثَهُ قال: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وَسَلَّمَ عَلِيلٌ، فَاسْتَشْعَرْتُ حُزْنًا وَبِتُّ بِأَطْوَلِ لَيْلَةٍ لا يَنْجَابُ دَيْجُورُهَا، وَلا يَطْلُعُ نُورُهَا، فَظَلَلْتُ أُقَاسِي طُولَهَا حَتَّى إِذَا كَانَ قُرْبُ السَّحَرِ أَغْفَيْتُ، فَهَتَفَ بِي هَاتِفٌ، وَهُوَ يَقُولُ:

                       

خَطْبٌ أَجَـلُّ أَنَاخَ بِالإِسْـلامِ                  

  بَيْـنَ الـنَّخِيـلِ وَمَعْـقِــدِ الآطَـامِ

قُبِضَ النَّبِيُّ مُحَمَّدٌ فَعُيُـونُنَـا                    

تَذْرِي الدُّمُوعَ عَلَيْهِ بِالتِّسْجَــامِ


قَالَ أَبُو ذُؤَيْبٍ: فَوَثَبْتُ مِنْ نَوْمِي فَزِعًا، فَنَظَرْتُ إِلَى السَّمَاءِ، فَلَمْ أَرَ إِلا سَعْدَ الذَّابِحَ، فَتَفَاءَلْتُ بِهِ ذَبْحًا يَقَعُ فِي الْعَرَبِ، وَعَلِمْتُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قُبِضَ، وَهُوَ مَيِّتٌ مِنْ عِلَّتِهِ، فَرَكِبْتُ نَاقَتِي وَسِرْتُ. فَلَمَّا أَصْبَحْتُ طَلَبْتُ شَيْئًا أزجر به، فعن شيهم -يعني القنفذ- وقد قبض عَلَى صل -يعني الحية- فهي تلتوي عَلَيْهِ، والشيهم يقضمها حَتَّى أكلها، فزجرت ذلك، فقلت: الشيهم شيء مهم، والتواء الصل التواء الناس عَنِ الحق عَلَى القائم بعد رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم أولت أكل الشيهم إياها غلبه القائم بعده عَلَى الأمر، فحثثت ناقتي، حتى إذا كنت بالغابة فزجرت الطائر، فأخبرني بوفاته، ونعب غراب سانح، فنطق بمثل ذلك، فتعوذت باللَّه من شر مَا عَنْ لي فِي طريقي، وقدمت المدينة ولها ضجيج بالبكاء كضجيج الحاج إذا أهلوا بالإحرام، فقلت: مه، قَالُوا:
قُبض رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فجئت إِلَى المسجد فوجدته خاليًا، فأتيت بيت رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأصبت بابه مرتجًا، وقيل: هُوَ مسجى، وقد خلا به أهله، فقلت: أين الناس؟ فقيل: فِي سقيفة بني ساعدة، صاروا إِلَى الأنصار. فجئت إِلَى السقيفة فأصبت أبا بكر، وعمر، وأبا عبيدة بْن الجراح، وسالمًا، وجماعة من قريش، ورأيت الأنصار فيهم، سعد بْن عبادة بن دليم، وفيهم شعراء، وهم حسان بْن ثابت، وكعب بْن مالك، وملأ منهم، فآويت إِلَى قريش، وتكلمت الأنصار فأطالوا الخطاب، وأكثروا الصواب، وتكلم أَبُو بَكْر فلله دره من رجل لا يطيل الكلام، ويعلم مواضع فصل الخصام، والله لقد تكلم بكلام لا يسمعه سامع إلا انقاد له ومال إليه. ثم تكلم عمر بعده بدون كلامه، ومد يده فبايعه وبايعوه ورجع أَبُو بَكْر ورجعت معه، قَالَ أَبُو ذؤيب: فشهدت الصلاة عَلَى مُحَمَّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وشهدت دفنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم أنشد أَبُو ذؤيب يبكي النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم:

ما رأيت الناس فِي عســلاتـهــم                     

مَـا بيـن مــلـحـــود لــه ومــضـــرحِ

متبـادريـن لشــرجـع بـأكــفــهـــم                

نـص الـرقـاب لـفـقــد أبـيـض أروحِ

فهناك صـرت إِلَى الهـمـوم ومـن يبت              

جارَ الهموم يبيت غيـر مــروحِ

كسفت لمصرعه النجوم وبدرهــا           

وتــزعـزعـت آطـام بطـن الأبــطـحِ
وتـزعزعـت أجبـال يثـرب كـلهـا            

ونـخـيـلـهـا لـحـلول خـطـبٍ مـفــدحِ

ولقـد زجـرت الطيـر قبـل وفـاتـه           

بـمـصـابـه وزجـرت سعــد الأذبــحِ
وزجرت أن نعب المشحج سانحًا
           

مــتــفــائـلًـا فــيــه بــفــأل الأقــبــحِ

بعد وفاة النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، انصرف أبو ذؤيب إلى باديته وأقام بها زمنًا، ثم رجع في أواخر خلافة عمر بن الخطاب إلى المدينة فجعلها سكنًا له ولذويه، وقد استشار الخليفة عمر في أحب الأعمال إلى الله فبين له -في خبر طويل- أن أحبها إليه سبحانه الإيمان ثم الجهاد في سبيله، فشارك في الغزوة التي فُتحِت من خلالها أفريقيا في عهد الخليفة عثمان بن عفّان رضي الله عنه، وبعد فَتحِ مصر، هاجرَ إليها.

عَدَّ ابن سلام أبا ذؤيب الهذلي ثاني الطبقة الثالثة بعد النابغة الجَعْدي، وقبل الشمَّاخ ولبيد؛ وقال فيه: «كان شاعرًا فحلًا، ولا غَمِيْزة فيه، ولا وَهْن». وهو فيما رواه عن أبي عمرو بن العلاء في خبر له عن حسان بن ثابت – وكان حسان التقاه في هذيل، وسمع له رجزًا «أن أشعر الناس حيّاً هذيل، وأشعر هذيل غير مدافع أبو ذؤيب».

صنفه أبو عبيدة معمر بن المثنى بأنه من أشعر العرب، وصنفه أبو زيد القرشي في “جمهرة أشعار العرب” على أنه رأس طبقة أصحاب المراثي، فَصيح، كثير الغريب، متمكن في الشعر مُقَدَّم على جميع شعراء هذيل، فشعره كله على نمط عال في الجودة، وحسن السبك يحمل من الحِكم والتأمل والرصانة ما يحمله من العاطفة المتألمة، وهو فيما رُوي عن أبي عمرو بن العلاء في خبر له عن حسان بن ثابت وكان حسان التقاه في هذيل، وسمع له رجزًا «أن أشعر الناس حيّاً هذيل، وأشعر هذيل غير مدافع أبو ذؤيب».

وقد قيل لعمرو بن معاذ التميمي -وكان بصيرًا بالشِّعر- من أشعر الناس؟ قال أوس، قيل: ثم من؟ قال أبو ذؤيب.

ومما أورده الثعالبي، قول خلف الأحمر: بنو هذيل من أشعر قبائل العرب، وأشعرهم أبو ذؤيب، وأمير شعره وغرة كلامه قصيدته التي أولها: أمن المنون وريبه تتوجع.

وبالفعل فأول ما يتبادر إلى أذهاننا عند السماع عن الشاعر هو قصيدته (العينية) والتي نظمها في رثاء أولاده الخمسة، الذين ماتوا جراء إصابتهم بطاعون،”عمواس” والذي مات على إثره الكثير الكثير فأي خطب هذا!، وأي موقف! إنها محنة تتفجر معها الطاقات الانفعالية، وتجود قرائح الشعراء بالنفيس، لا سيما إذا كان الشاعر نفسه هو صاحب المصيبة، وهذه القصيدة تستمد قوتها وجمالها من كونها تعبّر عن موقف جلل؛ يقول في مطلعها:

                         أَمِنَ المَنُونِ ورَيْبِها تَتَوَجَّـعُ                  والدَّهْرُ ليسَ بِمُعْتِبٍ مَنْ يَجْزَعُ

لم يفتتح الشاعر قصيدته بالمطلع التقليدي؛ بل بمناجاة ذاتية دامعة، فيها تساؤل (أمن المنون وريبها تتوجع؟) فهذا هو تساؤل الحائر العاجز عن الجواب، والذي لا يريد لتساؤله من أحد أي جواب، إن عينه لتدمع.. وإن قلبه ليخشع.. وإنه على فراق فلذات أكباده لمحزون.
لكنه يدرك جيدًا أن(الدهر) لا يُعتب الجازعين، وقد علَّق الجاحظ على قول أبي ذؤيب: ”والدهر ليس بمعتب من يجزع”،  بقوله: هذا أشعر وأحكم نصف بيت قالته العرب، ولذلك وجدت هذه القصيدة طريقها عند اللغويين.

                         

قالتْ أُمَيْمَةُ ما لِجِسْمِكَ شاحِباً              

مُنْـذُ ابْتُذِلْـتَ ومثلُ مـالِكَ يَنْـفَـعُ

أَمْ ما لِجَنْبِكَ لا يُلائِمُ مضْجَعـاًِ              

لًاَّ أَقَضَّ عَليــكَ ذَاكَ المضْجَـعُ

فهنا يدور الحوار بينه وبين زوجته عن سبب شحوبه، وقلة راحته ونومه، فيجيبها بأبيات رائعة حيث يقول:

                          فأَجَبْتُهـا  أَمَّـا لـجِسْمـي أَنَّـــهُ               أَوْدَى بَنِيَّ منَ البلادِ فَوَدَّعُـوا

                          أَوْدَى بَنِيَّ و أَعْقَبونِـي غُصَّةً               بَعْـدَ الرُّقَـادِ وعَبْـرَةً لا تُقْـلِـعُ

ولعل ما تتميز به قصيدته العينية البناء الفني الجميل، فالشاعر في هذه القصيدة لا يذكر رثاءه لأبنائه فقط، وإنما يتحدث عن موضوع أشمل يواجه الإنسان، وهو الموت والفراق وحديثه هنا ليس حديث الفيلسوف، وإنما هو حديث الإنسان المتألم الذي يعبر بكل شفافية عن آلامنا جميعًا، فقصيدته هذه نتاج معاناة وتجربة إنسانية، ومن هنا جاءت الصور الجميلة، والتعبير الصادق الذي يفسر الحياة، في نغم مؤثر.

حتى يصل إلى قوله:

                          وإِذَا الـمَنِيَّةُ أَنْشَــبَتْ أَظفارَهــــا            أََلْفَيْتَ كـلَّ تَمِيمـةٍ لا تَنْفَـعُ

ففي البيت السابق قدم لنا الشاعر حِكَما ليست في ضروب عدة في الحياة؛ كما هو شأن الحكم في معلقة زهير؛ بل هي حكم الموقف، موقف الموت، والتي تدل على قوة إيمانه، ومن تلك الحكم: المنية وحش مفترس هائج! لا تجدي معه الرُّقى! وهذه حكمة فيها تَعقُّل وتَجَلُّد، ومحاولة للرضا بما كان.
والحكمة هي خلاصة التجارب الإنسانية، تعطي المعنى في دقة وإيجاز، لكن الشاعر في محنته الأليمة لا يكتفي بكلام موجز، وليس من الخير له ولا للعمل الفني أن يوجز.

ويتابع الشاعر بيان حاله بعدهم، بمثل قوله:

                          فَالعَينُ بَعدَهُـمُ كَأَنَّ حِداقَهـا                    سُمِلَت بشَوكٍ فَهِيَ عورٌ تَدمَعُ

                          حَتّى كَأَنّي لِلحَوادِثِ مَروَةٌ                    بِصَفا المُشَرَّقِ كُـلَّ يَومٍ تُقرَعُ     

ففي البيتين صور جميلة؛ فعَينا الشاعر بعد فقد أولاده لم تكفّا عن البكاء حتى كأن بكاءهما الشديد ناتج عن سملهما بالشوك، ونلاحظ هنا مدى الدقة في اختيار الألفاظ؛ فالسمل عن عمد، و(الشوك) اسم جنس، يحمل معنى الكثرة؛ وكأن شوكة واحدة لا تكفي!
وحسُنَ الإيغال في قوله (فهي عورٌ تَدْمَعُ) لبيان أثر السمل، ولهذا فقد غدا الشاعر من ذله وانكساره كحجر في الأرض يقرعه الرائحون والغادون بأقدامهم، إنها حقا صورة عجيبة، فيها تناسق تام مع المعنى المراد.

ذكر ابن قتيبة في كتابه (الشعر والشعراء) البيت الذي يقول فيه الشاعر:

                           والنفس راغبةٌ إذا رغَّبتها                   وإذا تُردُّ إلى قليلٍ تقنعُ

ضمن قسم (ما حسن لفظه وجاد معناه) وقال: هذا أبدع بيت قالته العرب.

وعلى الرغم من طول القصيدة فنرى أنها ذات وحدة موضوعية متماسكة، ومعان عميقة، وصور بديعة سَرَت في نفوسنا بانسيابية، وقد كان الشاعر موفقًا في نظمه القصيدة على بحر الكامل الهدار والذي ترك تأثيره الداعم للمعاني.
كما كانت القافية بروي العين المضمومة كأنها صوت البكاء، فهي عينٌ باكية!

والملفت في “عينية” الشاعر هو التّحوّل من التّعبير الخاصّ إلى التّعبير العامّ عن ألم الإنسان وأسى البشريّة حين تغشاها الجوائح، وتنتابها الكوارث، فيغدو الفقد واحدًا، والألم واحدًا، والإنسان واحدًا. ولذلك، اشتهرت هذه المرثية واحتلت مكانة عظيمة في الأدب العربيّ، لتستوقف النقاد، وتستميل المستشرقين الذين سعوا لترجمتها، لما فيها من تصوير بليغ يرقى إلى التّجربة الإنسانيّة الواحدة، حتّى أخذ النّقّاد القدماء يدوّنونها في كتبهم، ومضى الرّواة ينشدونها ويعزّون بها كلّ مفجوع، فضلًا عن أنّ بعض الأبيات قد نالت حظّها من التّلحين والغناء في صدر الدّولة العبّاسيّة.

وقد أورد العباسي في كتابه “معاهد التنصيص” قصة الخليفة المنصور مع هذه القصيدة، فيقول: لما مات جعفر ابن أبي جعفر المنصور، مشى أبوه في جنازته، من المدينة الى مقابر قريش، ومضى معه الناس أجمعون حتى دفنه، ثم انصرف الى قصره، وأقبل على الربيع حاجبه.. فقال: يا ربيع انظر من أهلي من ينشدني “أمن المنون وريبها تتوجع؟” حتى أتسلى بها عن مصيبتي. فقال الربيع: فخرجت الى بني هاشم وهم أجمعهم حضور، فسألتهم عنها، فلم يكن فيهم أحد يحفظها، فرجعت اليه فأخبرته.. فقال: “والله لمصيبتي في أهل بيتي أكبر، أفلا يكون فيهم أحد يحفظ هذه الدرر، إن والله لقلة رغبتهم في الأدب أعظم وأشد عليّ من مصيبتي في ابني، ثم قال: “انظر هل في القوّاد والعوّام من الجند من يعرفها فإني أحب أن أسمعها من إنسان ينشدها، قال الربيع: فخرجت الى الجيش واعترضت الناس أصيح فيهم، فلم أجد أحدًا يحفظها إلا شيخًا مؤدبًا قد انصرف من تأديبه، فسألته: هل تحفظ شيئًا من الشعر؟ فقال: “نعم.. شعر أبي ذؤيب!” فقلت: إذن أنشدني.. فابتدأ ينشد القصيدة العينية التي يبغيها المنصور.. فقلت له: أنت بغيتي! ثم أوصلته إلى المنصور.. فاستنشده إياها”، وحين قال: والدَّهرُ ليسَ بمعتب مَنْ يجزعُ، قال : صدق والله، فأنشدني هذا البيت مائة مرة لتردد هذا المصراع علي، فأنشده، ثم مر فيها فلما انتهى إلى قوله: والدهرُ لا يبقى على حدثانِهِ.. إلخ، فقال المنصور: سلا أبو ذؤيب عند هذا القول، ثم أمر الشيخ بالانصراف.

وهذه القصيدة وغيرها من شعر الشاعر كانت موضع اهتمام الكثير من العلماء ومؤرخي الأدب فاستدلوا بها وبغيرها في الكثير من المواضع، ومنهم ابن منظور في”لسان العرب” فقد أورد خمسمائة وثلاثين بيتًا، والزبيدي في”تاج العروس” أورد ثمانية وسبعين بيتًا، وابن سيده في” المحكم” استشهد بتسعة وعشرين بيتًا، وياقوت الحموي في”معجم البلدان” قرابة خمسة عشر بيتًا.

كما توجد له الكثير من المقطوعات في “خزانة الأدب” للبغدادي، وفي “الأغاني” للأصفهاني، وفي “جمهرة اللغة” لابن دريد.  

يمتلك أبو ذؤيب قدرة عجيبة وبديعة في فن الرثاء، وأكثر شعره فيه، وفي الوصف لاسيما وصف النَّحْل والعسل، ثم السحاب والبرق والحمار الوحشي، وكان مما تميز به وصفه اهتمامه بإبراز الألوان، والعناية بالصوت ليعطي الصورة جمالها الخاص، وهنا يصف المطر بقوله:

                          أرقت له ذات العِشاء كأنه                    مخاريق يُدعى وسطهنَّ خريجُ

                          تُـكَـركِـرُهُ نَـجـدِيَّـةٌ وَتَـمُدُّهُ                     يَـمـانِـيَـةٌ فَـوقَ الـبِحـارِ مَـعـوجُ

وقوله يصف الحمار الوحشي:

                          مستقبل الريح تجري فوق منسجه          إذا يراح اقشعـر الكشـح و الصفـد
                          يرمـي الغيـوب بعـينيـه ومطـرفـه          مغض كما كسف المستأخذ الرمد

وله أشعار في المدح والفخر، والهجاء والعتاب، ولعل ملاحاته مع ابن أخته خالد بن زهير أشبه بالنقائض، ومن جميل مدحه قوله في عبدالله بن الزبير رضي الله عنه:

                     

وصاحب صدق كسيد الضّراء                 

ينهض فى الغزو نهضا نجيحا

وشيـك الفصـول بطـىّ القـفـو                

إلا مـشــاحـا بـه أو مـشــيـحـا

وقد هجا فقال:

                        أَلا هَل أَتى أُمَّ الحُوَيرِثِ مُرسَلٌ                نَعَم خالِدٌ إِن لَم تَعُقهُ العَوائِقُ

                        يُرى ناصِحًا فيما بَدا وَإِذا خَلا                فَذلِكَ سِكّينُ عَلى الحَلقِ حاذِقُ

ومن جميل فخره قوله:

                        مَطَاعِيمُ لِلضَّيْفِ حِينَ الشِّتَـا                   ءِ شُـمُّ الْأُنُـوفِ كَثِيـرُو الْفَجَـرْ

وقوله:

                        لَأُنْبِئْتِ أَنَّا نَجْتَدِي الْحَمْدَ إِنَّمَا                  تَكَلَّفُهُ مِنَ النُّفُوسِ خِيَارُهَـا

وسأختم مقالي بالحديث عن شعر الغزل عند أبي ذؤيب، فقد كانت أشعاره الغزليّة تنضح صدقًا وعذوبة ورقّة، كقوله في مطلع قصيدة تُروى له:

                          يَا بَيْتَ دَهْمَاءَ الَّذِي أَتَجَنَّبُ                    ذَهَبَ الشَّبَابُ وَحُبُّهَا لَا يَذْهَبُ

                          مالي أَحِنُّ إِذا جِمالُكِ قُرِّبَتْ                  وَأَصُدُّ عَنكِ وَأَنتِ مِنّي أَقرَبُ

                          لِلَّهِ دَرُّكِ هَــل لَـدَيكِ مُـعَـوَّلٌ                  لِمُكَلَّفٍ أَم هَل لِـوُدِّكِ مَطـلَـبُ            

وقد أفاضت الباحثة الألمانيّة ريناته يعقوبي في دراسة الأبعاد التّجديديّة في أشعاره، فأثبتت أنّ أبا ذؤيب الهذليّ هو أوّل من طوّر ونمّى فنّ الغزل الذي سطع نجمه في العصر الأمويّ وما بعده. فالشّاعر ينأى كثيرًا عن المعاني التّقليديّة المعهودة، ويتلمّس نهجًا جديدًا في التعبير عن عواطفه ولواعجه، وفي تصوير شخصيّة المحبوبة، يدفعه التّفاؤل والأمل المتوقّد للقائها.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود