الأكثر مشاهدة

 شموع الحميد* من منا لم يرسم في مخيلته منزل الأحلام أو يسعى لامتلاكه، ولكن في سن …

النافذة المعجزة

منذ 3 أشهر

107

1

 شموع الحميد*

من منا لم يرسم في مخيلته منزل الأحلام أو يسعى لامتلاكه، ولكن في سنواتنا الأخيرة لم يكن امتلاك المنزل أمرًا سهلًا؛ لأن الأمر لم يقتصر على المال فقط؛ بل لموقعه ومراعاة المناخ وذائقة واحتياجات الشخص ومن سوف يسكن معه، ابتداء من أساس المنزل وتكوينه الداخلي انتقالا لمتاع البيت، وصولًا للشكل الخارجي والباحة.

فلم يكن هذا النهج للمباني أمرًا جديدًا أو غريبًا ليناقشه الإنسان أو لصعوبة تنفيذه، فلم يتراخ المعماريون بشأن هذا الأمر على نطاق العالم.

كانت العمارة الحجازية أفضل الفنون المعمارية في التاريخ الإسلامي؛ لوجود ميناء جدة الذي يعتبر وصلة بين القارات الثلاث، فمن أبرز التصاميم الجمالية والعملية التي أضافت أثرًا كبيرًا في إثراء العمارة التقليدية الحجازية “الرواشين”، فهي من أهم السمات المعمارية البارزة في الأحياء القديمة ببعض المدن الحجازية؛ جدة، مكة المكرمة، المدينة المنورة، الطائف، الوجه، وتعتبر منظومة كاملة للإرث الحضاري بالمملكة العربية السعودية والوطن العربي، فقد امتزجت بكثير من الثقافات العربية والعثمانية الفارسية؛ ما زادها رونقًا وملامح تراثية فريدة.

فالرواشين وحدات تصميمة بارزة، تشكل نوافذ مصنوعة من الخشب الفاخر، تكرر في واجهات المباني سواء كانت ثنائية الأبعاد أو كانت عبارة عن بلكونة مغلقة، حيث تعد صناعتها من الحرف التي أجادها أهل الحجاز وتوارثوها من أجدادهم في أواخر القرن السادس الهجري منذ العصر العباسي، وصولًا للعصر العثماني، حيث كانت في أوج ازدهارها إلى يومنا هذا، فتميزت الرواشين الحجازية عن مثيلاتها في العالم العربي أنها أكثر ارتفاعًا وأكبر حجمًا، وذلك على حسب المدينة والحي والبلدة، كما أنها تعبر عن المستوى الاقتصادي لصاحب البيت حيث كانوا قديمًا يتفاخرون، ويدفعون بسخاء للحصول على الحليات المعمارية وتكون بأنواع عدة، فالنوع الأول هو الروشان السفلي يتواجد بالدور الأرضي ويكون بارزًا عن مستوى الجدار فيكون مزودًا بقضبان حديدية للحماية من اقتحام المنزل، أما النوع الثاني الروشان المنفصل يغطي كل غرفة على حدة، النوع الثالث الروشان المتصل يمتد من الطابق الأرضي للأدوار العليا رأسيًّا فيكون على شكل شرائح خشبية مقوسة أو تمتد أفقيًّا في شكل وحدة مصمتة فتكاد أن تغطي المنزل بأكمله لتكرر الوحدات، النوع الرابع والأخير وهو الروشان المركب وهو الذي يكون عليه المشربية، فلم تبن الرواشين لشكلها الجمالي فقط؛ بل لتخفيف الحمل عن المبنى ذاته؛ حيث كانت أحجار البناء المستخدمة في بناء البيت الحجازي عادة ما يكون الحجر المنقبي، فتكون المباني ذات فتحات واسعه لتبنى الرواشين باستخدام الأخشاب المستوردة من الخارج كالهند، وإندونيسيا، ماليزيا؛ لأنها بلدان تمتاز بالرطوبة والحرارة، فأخشابها قادرة على تحمل الأجواء شديدة الحرارة، كما أنها كانت تأتي جاهزة ومبنية ذات نقوش من الهند وساحل أفريقيا الشرقي، ولكن كما ذكرنا سابقا أن أهالي الحجاز أبدعوا في صناعة الرواشين فكانوا يجلبون خشب الدوم الذي ينمو في الأودية القريبة من الطائف، وبعد ذلك يبدأ عمل النجارين بأخذ المسافات وبنائها ثم يكمل الدقاق العمل الذي يميز كل قطعة عن الأخرى بالنقوش، كما كانت تنحصر ألوان الرواشين باللون الطبيعي للخشب، أي اللون البني الفاتح أو الغامق لكن بعض العوائل قاموا بطلاء هذه الأخشاب باللونين الأخضر والأزرق، تبعًا لذائقة العائلة ولم تكن دلالة على أي شيء، كما أنها تعمل على تخفيف درجات الحرارة؛ لتحكمها في دخول أشعة الشمس الساقطة على المبنى ومنع دخول الأشعة المباشر؛ كما تسمح بدخول الإضاءة بقدر كافٍ، إضافة إلى وجود حركة الهواء داخل المنزل كما تمنع الأتربة من الدخول بعد اصتدامها بالرواشين؛ لأنها تقلل من الرياح لوجود الفتحات الصغيرة بين أجزاء الخشب أو خلال الفتحات الصغيرة في الأشكال الهندسية المفرغة؛ كما تحقق الخصوصية لسكان المبنى والسماح لهم بالنظر إلى الخارج، ولا تسمح للمارة برؤية ما بداخل المنزل، فيشعر الساكن أنه غير منفصل عن الخارج لا بالعزلة، فجمعت بين القيم الجمالية والاجتماعية مع وظيفتها.

فلم يقتصر الأمر على المعماريين لأخذ الرواشين كأيقونة بالفن المعماري، بل وصل الأمر لفناني الرسم واحتواء رسوماتهم بكثير من أشكال الرواشين؛ لأنها تعكس حضاراتهم وتراثاهم، كما أن كل فنان أضاف لها جمالية بمنظوره كالألوان الزاهية أو طريقة الرسم أو عمل مصغرات لها، وأقيمت لها معارض بجميع أنحاء البلدان العربية كرمز تراثي ميز العمارة العربية أو الحجازية بالتحديد، فأكثر الفنانين أبدعوا في تجسيدها؛ من أجل إبراز جمالها والتعبير عن ارتباطهم بها فرسموها بدقة واستخدموا الكثير من الخامات لإبراز مدى دقة تصاميمها بشكل مثالي يدعو لتأمل هذا الفن. 

للفنان التشكيلي حسين دقاس

للفنانة التشكيلية هند القثامي

للفنان التشكيلي ماهر العولقي

للفنان التشكيلي عبدالله الرشيد

*كاتبة من السعودية

التعليقات

  1. يقول سلوى الانصاري:

    مقال جميل بورك المداد يا مبدعة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود