قراءة في “فنجان ابن ووهان” للشاعر حسن الزهراني (1_2)


د. مصطفى الضبع*

لأن الشعر دون غيره من فنون الإبداع أكثر قدرة على الإمساك باللحظة العابرة، فإنه أكثر استعدادا لاصطيادها مهما كانت ظروفها، ومهما تعاظمت آثارها، وفي ظل الأزمة العالمية الأخيرة، نشطت الأقلام لمجابهة المحنة ومحاولة التعبير عنها أو محاولة التأسي من آثارها، والخروج من آثار الحجر المنزلي الذي لم يكن قبوله ترفا أو الصبر عليه اختيارا، وعلى الرغم من هذه الخاصية فإن الظروف – ربما النفسية – حالت دون تفعيل خاصية الاستجابة الشعرية، ولم ينطلق الشعر كعادته في ظروف لها طابعها الدرامي حد المأساوية.
وفي ظل الخوف الكامن في النفوس لم يقف الشعر صامتا، نعم قليلة هي النصوص الشعرية التي طرحت نفسها بقوة، ومن هذه النصوص قصيدة الشاعر حسن الزهراني المعنونة ” فنجان ابن ووهان” التي تعبر عن نموذجها الشعري.
في لحظات الضيق يتسع أفق الخيال بحثا عن مخرج وتشتعل الذاكرة بحثا عن ملجأ أو بحثا عن ثغرة أكثر اطمئنانا، وهو ما يمثل خيطا يتجلى في تجليات التناص / التناصات والاستدعاءات التي اجتمعت في جسد القصيدة.
تستهل القصيدة بضمير المخاطب العابر للزمن والجامع بين شخصين في زمنين متباعدين (صوت الشاعر ممثلا للذات) والمعري بوصفه عابرا للزمن، مستقطبا من قبل الشاعر ومستعارا من زمنه لأداء وظيفته الجمالية في سياق النص، والشاعر حين يستعيره يضعه في مجاله الحيوي عبر استعارة مجموعة من العناصر المساهمة في تشكيل صورة المستعار: عريب – شارية – القهوة الشاذلية.
“أنا و (المعرّي)
على (مكتبي) بعد منتصف (الحظر)
في نشوةٍ وسرورْ،
بيننا (الشاذلية) بالهيل والزنجبيل المُصفى تفورْ.
ونحن نُلحّن بيتين من شعرنا العذب
قال المعري:
هُما لي..
وقلت أنا:
لا .. و لا..
بل لِيَهْ ..”
ظهور المعري مقصود جماليا كما هو مقصود موضوعيا ودلاليا، والشاعر يوظف شخصية المعري عبر ثلاثة عناصر كائنة في شخصيته:
1- كف البصر في مناسبته لحالة العماء التي يعيشها العالم، أو التي يجد الإنسان نفسه أسيرا لها.
2- فلسفة المعري، في مناسبتها لهدوء اللحظة تجاوزا لصخب كان من الممكن أن تكونه الأزمة أو يفرض نفسه على الأزمة.
3- نموذج المعري رهين المحبسين، في مناسبتها للحجر ومشابهته لها.
وجميعها تؤهل للتواصل بين الزمنين، وتعمل على تحقيق دائرة تضم الطرفين، منتجة استعارة تقيمها الشخصية الاستعارية التي اعتمدها الشاعر نظاما شعريا أو أساسا لنظام القصيدة في أسلوبها المؤسس على الجملة الأولى “أنا والمعري” من حيث هي الاختطافة الأولى التي يعتمدها الشاعر لاختطاف متلقيه مدخله إلى طقس النص ومخرجه من مناخ الحجر ومجال الأزمة.
فعل الحركة وفاعليتها
القصيدة محاولة للخروج من الأزمة نفسيا، وتعبيرعن حالة الحجرالتي عاناها الجميع والشاعر لا يعبر عن ذاته بقدر تعبيره عن الأزمة في عمومها والبشر في كافة، وقد فرضت المحاولة نفسها على الطقس العام للقصيدة، حيث الخروج يتطلب حركة والحركة تنتج الحيوية والحيوية في حد ذاتها طريقة ناجعة لتجاوز أزمة الحجر وضيق مجاله.
وقد اتخذت الحركة أشكالا عدة عملت على تشكيل جمالياتها:
– الانتقال عبر الزمن.
– استقطاب شخصية المعري.
تعدد الأفعال في القصيدة، وخاصة أفعال الحركة. تطغى الأسماء على المقطع الأول وفي المقابل يأتي المقطع الثاني جامعا بين نوعين من الأفعال: الأفعال الفردية (تشير إلى فعل فردي إلى حين) حيث يتدرج الفعل في دلالته على فاعله من المفرد إلى الجمع: تداعب – تدندن – تشير ، يأتي الفعل علامة على اتصال ناشئ أو عملية اتصال تكاد تتشكل بين اثنين، والثنائية أولى خطوات الطريق للجمع، وممهد لحضور الجماعة وهو ما يتحقق عبر الأفعال المتوالية: اختلفنا – اتّفقنا – قمنا- نُغنّي :
“وكانت (عَرِيبُ) تُداعبُ أوتار عودٍ قديمٍ.
تُدندن حِينًا
وحينًا
تُشير إلى ( شَارِيةْ ).
*
اختلفنا على اللّحنِ
ثم اتّفقنا
وقمنا نُغنّي جميعاً بأصواتنا الفَاهِيةْ:
(غيرُ مُجدٍ في عُزلتي وانطوائي
جَمعُ صَحبٍ ولا زيارة نادي
أقلقتنا هذي (الكرونا) فبِتنا
بين (كمّامةٍ) وغسل أيادي)
ويأتي الصوت الجماعي تعبيرا عن أزمة استعاروا لها صوت المعري في بيته الشهير:
غَيْرُ مُجْدٍ في مِلّتي واعْتِقادي نَوْحُ باكٍ ولا تَرَنّمُ شادِ
مستثمر ا القول السابق في إحداث انتهاكات على الأصل لصالح التعبير عن اللحظة الراهنة كشفا عن حالة الانتهاك للإنسانية كلها على يد الكورونا التي ضربت كل خطوط التواصل الإنساني، وأنهكت كل البشر، وأجهضت أحلامهم، كما يستثمر الشاعر طاقة التناص في التعبير عن أزمته بما يحققه من أساس لبلاغة اتصاله بمتلق يبدأ معه من منطقة محددة (بيت المعري) ، ويتحرك نحو رسالة نصية يتغياها الشاعر ، حيث يضع متلقيه في مساحة تعارف بينهما (قول المعري) وبعد أن يؤهل متلقيه يباغته بمقولته المغايرة وإن جاءت على الوزن نفسه :
أقلقتنا هذي (الكرونا) فبِتنا
بين (كمّامةٍ) وغسل أيادي)
بعدها يلجأ الشاعر إلى مد خيوط التواصل مع الآخر جاعلا من الاستهلال السابق تمهيدا سرديا يؤهل متلقيه لسؤال: وماذا بعد؟، فاتحا له طريقا مغايرا لاكتشاف الصراع الذي استهل به القصيدة، صراع على امتلاك الكلمة، امتلاك الصوت القادر على حسم أمر الصراع، من يقول ومن يمتلك القول، الصوت القديم أم الصوت الحديث؟، وكأن الشاعر أراد حسم الأمر من خارج الصراع ففتح المجال للترقب الذي يشير له طرق الباب بوصفه صوتا مغايرا للصراع الذي كان من الممكن أن يطول، وأيضا استمرارا للصوت الجماعي، حيث الالتفات أولا والأذهان المتشاركة في الحيرة أو التي تجمعها الحيرة بالأساس، يضاف إلى ذلك أن يناء الفعل للمجهول أضاف قدرا من الغموض في دلالته على جهل الجماعة بالطارق المفاجئ، مؤكدا على جماعية الجهل أو المشاركة فيه والوقوع في أسره، وهو تترجمه تعبيرات الشاعر التي يعتمدها محملة بميراثها الدلالي (دلالة الطرق في المعنى القرآني مثلا):
“طُرقَ البابُ.
عَمّ هدوءٌ رهيبْ…
التفتنا وفي صمت أذهاننا حيرةٌ
وسؤالٌ
تلاه سؤالٌ
تلاه سؤالْ .!
من سيأتي بلا موعدٍ آخر الليل؟!
ماذا يريد؟!
بل وكيف أتانا من الشُّرفة العاليةْ ؟!..”
وإذا كان توالي الأسئلة دالا على الحيرة والجهل وغيرها مما يكون مطروحا على الوعي فإن السؤال يتطلب إجابة ممن يكون مؤهلا لها، الشاعر أو من يمثله في القصيدة بوصفه صوت الوعي:
“قلت في دهشةٍ: من .. ؟!
فأهوى عليّ المعري برأس العصا
شَجّ رأسي وقال:
افتحي الباب يا جاريةْ !! .
قلت : لا..
إن فتحنا هلكنا
وكانت نهايتنا القاسيةْ”
ويكاد المشهد ينغلق على الدهشة أولا وعلى المباغتة المحيرة ثانيا مانحا المشهد قدرا من التشوق، وممهدا لأسئلة أخرى يطرحها النص كما سيؤول إليه الأمر لاحقا، وهو ما يعيد المتلقي إلى نقطة البدء عبر السؤال المتكرر وماذا بعد ؟ ذلك السؤال الذي يطرحه الشعر وتتولى معطيات السرد الرد عليه أو محاولة العمل على تقديم مجموعة من العلامات النصية التي تتدخل في إنتاج التأويل، وكما استقر النص على حضور الصوت الجماعي، يأتي المشهد السابق منتهيا بالصوت الصارم ” نهايتنا القاسية”، وخلافا لفعل الكينونة الأول “كانت عريب تداعب”، يأتي الفعل الثاني في نهاية المقطع بصيغة التمام مؤكدا على قوة النهاية القاسية.

*أستاذ البلاغة والنقد – جامعة الإمام عبد الرحمن بن فيصل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *