التهاني الإلكترونية

 سعد عبدالله الغريبي*

رأينا من كتابنا في الأيام التي تلت عيد الفطر الماضي من ينحي باللائمة على (كورونا) وما سببته لنا من حجر صحي أفقدنا نكهة العيد، وحرمنا مما كنا اعتدنا عليه في أيام العيد المباركة في سنوات مضت؛ بدءا من الخروج لصلاة العيد بكافة أفراد الأسرة صغارا وكبارا، ثم زيارة كبيرِي العائلة من آباء وأمهات، وأعمام وعمات، وأخوال وخالات، ومن يندرج في حكمهم من كبار السن وكبيراته، ثم زيارات لأقاربنا وأصدقائنا وجيراننا لا تنتهي إلا بانتهاء أيام العيد!

ولعلنا ونحن نلقي باللائمة على كورونا نسينا أو تناسينا بأننا منذ سنوات عديدة لم نعد نحفل بما سبق ذكره من طقوس العيد، وأنها لم تعد سوى ذكريات جميلة معللين انسلاخنا منها بصروف الزمان التي أبعدت المسافات، وزادت من أعباء الحياة حتى انشغلنا عن أقرب الأقرباء وأوفى الأصدقاء.

وكنا في السنوات الماضيات قد ركنا إلى ما أهدته لنا التقنية الحديثة من وسائل للتهنئة في مختلف المناسبات، لا تكلفنا جهدا بدنيا ولا كدا ذهنيا ولا عبئا ماليا، فاعتمدناها وسيلة جاهزة لتهنئة من نعرف ومن لا نعرف، فلم نفرق بين قريب وبعيد، ولا بين زميل وصديق، ولا بين جار جنب وعابر سبيل.

كنا اتخذناها وسيلة للتهنئة بديلة عن المعايدات المباشرة واللقاءات الحميمية والاتصالات الهاتفية، مع أنه كان في وسعنا ألا نلجأ لها إلا للضرورة عندما يعز اللقاء ويصعب الاتصال. لكننا هذا العام مضطرون، فهذا العام استثنائي، إذ لا مجال للزيارات واللقاءات. وأمام هذا الواقع الاستثنائي أصبحت التهاني الإلكترونية بين الأحبة اضطرارا لا اختيارا.

والسؤال الذي يفرض نفسه: هل حاولنا أن نضفي على تهانينا الإلكترونية شيئا من دفء أفئدتنا؟ لا أظن.

ما أتوقعه أننا سنذهب إلى قسم البطاقات الجاهزة في مخزن صور العم (جوجل)، وقد يجتهد بعضنا في إيجاد البطاقات ذات العبارات الأنيقة والشكل المزركش الجذاب، ثم نعمد إلى دليل الهاتف الملحق بجوالنا، ونعد من خلال تطبيق (الواتس أب) رسالة جماعية للمسجلين فيه؛ رسالة نمطية واحدة تذهب للأب وللابن وللأم وللزوجة وللمدير وللزميل وللبقال والحلاق والسباك، ونظن بعد هذا أننا قد أدينا ما علينا من واجب التهنئة والتبريكات والدعوات بعيد سعيد!

 بل إن كثيرا ممن يشتركون في مجموعات، أو لهم صفحات على (تويتر) أو (الفيسبوك) قد يكتفون برسالة باهتة ينشرونها لعموم متابعيهم من أصدقاء ومعارف وغير معارف، ويظنون بذلك أنهم قد أدوا واجبهم كاملا.

لقد كثرت معارفنا وزادت علاقاتنا، وتشتت في الوقت نفسه شملنا، وأصبح من غير الممكن تهنئة كل من نعرفهم ونحتفظ بأرقام هواتفهم دون اللجوء إلى الرسائل الإلكترونية. لكن هل نرسل لهم جميعا صيغة واحدة؟ وهل نعجز أن نصوغ عبارات من تأليفنا تناسب كل فئة، وتعبر عما نشعر به وليس ما يشعر به مصمم بطاقات جوجل؟

وإذا كان من يرى البطاقات (الجوجلية) أكثر أناقة وأرق عبارة، فليعلم أن لكل مقام مقال، ولكلٍّ ما يناسبه منها، فعلينا أن نحسن الاختيار ولنتذكر أن اختيار المرء جزء من عقله!

تذكروا ما تلقيتموه من قبل من بطاقات تهنئة، وستجدون قدرا غير يسير منها رسائل مكررة فقدت طعمها ونكهتها من كثرة تداولها، وكثيرا منها رسائل كنا بعثناها لأصدقائنا وأقاربنا ما لبثت أن عادت إلينا بنصها!.. بل إن بعض الرسائل التي تلقيناها جاءت مذيلة باسم منشئها الأول، لأن كل الذين أعادوا إرسالها لم يقرؤوها ولم يتنبهوا لحذف اسم المرسل الأول ووضع أسمائهم بدلا منه!.

وأخيرا لا تنس -أيها القارئ الكريم -أن الرسائل النصية و(الواتسية) وبطاقات التهنئة هي لمن لا تتجاوز علاقتك بهم مجرد معرفة عابرة، أما الأقارب الحميمون، والأصدقاء المقربون، ومن تربطنا بهم علاقة وثيقة؛ فالأولى مهاتفتهم مكالمة مرئية أو مسموعة؛ لا سيما وقد شط المزار -وإن كانوا في الجوار -وأجبرتنا ظروف الحجر على الابتعاد.

بارك الله في عيدكم ولم شملكم بأهلكم وأحبابكم وكل عام وأنتم بخير!!

*كاتب سعودي

samghsa11@gmail.com

One thought on “التهاني الإلكترونية

  1. قلما نجد مثل هذه الصراحة اليوم من كاتب
    ربما الأكثرية تسير مع السيل كيفما سار
    بورك يراعك ياصديقي ولعلنا نعود لسالف عهدنا ببساطته وطيبته ودفئه
    كل عام وانت متألق ابا عبدالله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *