المكتبة والكركبة

عبدالله بن يعلى*

مثقف ومؤلف مشهور. ابتدأ كتابه الأشهر بمقدمة طويلة جداً، يشرح فيها فكرة كتابه النخبوي، ويبين كيف أنه اختزل كتابه من ١٤٠٠ صفحة إلى ٨٠٠ صفحة؛ ليحفظ للقارئ الكريم وقته الثمين، كما أنه يعتذر أشد الاعتذار لوعورة لغة الكتاب وصعوبتها، وعلى القارئ الغلبان -أصلحه الله- أن يُعْمِل عضلات عقله، وأن ينفض الغبار عن ذهنه، ليتسنى له فهم فكرة المؤلف الجوهرية والعبقرية.

وكوني من معشر القراء (الغلابى) فقد قرأت الكتاب حتى وصلت إلى الصفحة رقم ٧٣، فأغلقت الكتاب ووضعته على رف خصصته لكتب (الكركبة) أقصد الكوكبة الثقافية، والتي في الغالب لا أرجع لقراءتها أبداً. إلا أنني بقدرة قادر، قرأته كاملاً في وقت لاحق، وذلك بعد أن أصَرَّ عليَّ أحد الأقارب -من مريدي المؤلف- بقراءة ذلك الفتح الرباني العظيم.

لم أفهم -هداني الله- فكرة المؤلف ونظرياته في كتابه الأشهر، فقابلت قريبي لعله يبين لي شيئاً من فكرة المؤلف المثقف النخبوي. ورغم اجتهاده ومحاولاته وشروحاته، إلا أنه زادني جهلاً على جهلي، فبادرته لتغيير مسار الحديث حتى لا أفقد الثقة رسميَّاً في فهمي (اللي على قدِّي).

يقول أينشتاين: إذا لم تستطع شرح فكرتك لطفل عمره ٦ سنوات؛ فأنت نفسك لم تفهمها بعد. ويقول دافنشي: البساطة منتهى التأنق. ويقول مصطفى محمود: البساطة أعمق من التعقيد. ويبسِّط أوسكار وايلد المسألة لهواة التعقيد بقوله: البساطة هي الشيء الصحيح.

وقديماً سمعت في الراديو برنامج حواري جميل من طراز البرامج التي تعلق رغماً عنك بشَمّاعات الذاكرة. حيث سأل المقدم ضيفه الأديب سؤالاً تقليدياً: ماهي مشكلة القارئ والمثقف في زماننا؟! فردَّ الضيف بجواب عجيب: مشكلة القارئ أنه لا يميز بين البسيط والسطحي، ومشكلة المثقف أنّه لا يميز بين العميق والمعقَّد.

تذكرت هذه الكلمات عندما كنت أتصفح مكتبتي الصغيرة التي أرجو الله أن يكبّرها بالكتب من النوع (البسيط العميق)، وأن يباعد بينها وبين الكتب السطحية والمعقَّدة؛ حيث وقع نظري على كتاب المؤلف المثقف المشهور سالف الذكر. عندها تبسمت ابتسامة خفية وتذكّرت خطة -العبد الفقير لله- للتخلص من الكتب عسيرة الهضم. حيث كان يذهب بها إلى مكتبة بيع الكتب المستعملة، ويعرضها للبيع، فإن تمت البيعة فنعما هي، وإن لم تتم أهداها لصاحب المكتبة خالصةً لوجهه الله، وبالتالي يتخلص من سلعته بإحدى الحسنيين، (ويا مكتبة ما دخلك كركبة)!

*كاتب سعودي

حساب تويتر: @abinyaala

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *