ثنائية الرجل/ المرأة: قراءة في أحاسيس جبران القصصية


ثنائية الرجل/المرأة

     قراءة في أحاسيس جبران القصصية

 

  د. يوسف حسن العارف*

(1)… بين يدي مجموعة قصصية للأديب القاص محمد عبدالله جبران بعنوان: ” أحاسيس لا تموت “، وأمام عمل كهذا يتساءل الناقد ما الذي يحول عنواناً داخلياً من بين ستة عشر عنواناً – إلى عتبة رامزة ودالة على المجموعة كلها؟!

هنا تبدأ لعبة التلقي، والحيل النقدية، لتثوير الذهنية النقدية والحصول على الإجابات الإقناعية، بدءاً بمراودة القصة التي تحمل هذا العنوان “أحاسيسٌ لا تموت” وتفتيق أيقوناتها النصية ومراميها الخطابية، وفضاءاتها الفنية والجمالية.

يجيء ترتيب هذه القصة في الرقم الحادي عشر، وعلى الصفحات 80-82، حيث نجد العنوان في صفحة واحدة مستقلة، وتبقى صفحتين للقصة نفسها. وتتنامى القصة ضمن سياقات اجتماعية تبلور العلاقة الزوجية بين رجل وأنثى، الرجل له قيمه وعاداته الاجتماعية الموغلة في “الذكرنة”!! والقوامة!! والفوقية على المرأة بحكم سلطة المجتمع “التي تقف حارسة لحقوقه… كما جاء في القصة على لسان راويها العليم والمرأة وإرادتها التغييرية للحصول على حقوقها والخروج على النسق الاجتماعي المتعارف عليه.

هنا يتضح حدث القصة وهو الصراع الاجتماعي بين الرجل والمرأة ضمن منظومة الزواج الشرعي. لكن يغيب المكان والزمان وهما من مكونات القصة وسماتها الرئيسة ويتقاسم البطولة كل من الرجل والمرأة بدون مسميات، وتهيمن اللغة التقريرية فيتراءى للناقد أجناساً أدبية تقترب من القصة ولكنها ليست كذلك مثل المقالة، أو التقرير، أو الخبر الصحافي!!

يبدو (الراوي العليم) (المؤلف) هو المتحدث الخارجي. ويقل الحوار والديالوج، وتظهر اللغة الوصفية كجمالية فنية مائزة في هذه القصة:

“كانت تراقب في صمت خربشات لسانه.. كانت تراقبه وتنظر إلى رذاذ لعابه المتطاير من فمه المفتوح بابتسامة ساخرة ومستفزة…” ص 82.

وبذلك تكون القصة وعتبتها العنوانية ممثلة جداً لجميع قصص المجموعة ومنها تتشظى دلالات ورموز وإحالات تهيمن على المشهد القصصي في كامل المجموعة، وهذا ما جعل المؤلف بعلم ووعي أدبي أو بدون ذلك الوعي يختار هذا العنوان دالاً و رامزاً وعتبة أولى للمجموعة كلها وهي تستحق ذلك فعلاً!!

*     *     *

(2) تبدو ثنائية (الرجل/ المرأة) قاسماً مشتركاً في كل القصص المبثوثة في هذه المجموعة القصصية لأديبنا الشاب محمد عبدالله جبران القرشي المعروف مختصراً بـ: محمد جبران!! فمنذ (أول) قصة الموسومة بـ الرسام: نجد الثنائية في أبطال القصة: الرجل/ الرسام/ الجار الجديد. المرأة/ لمياء/ الساكنة وحدها في شقة بجوار الرجل!!

وفي القصة (الثامنة) سؤال، نجد هذه الثنائية رغم أنها من النوع القصير جداً (ق.ق.ج):

وقفت أمام المرآة تبكي…

رأته واقفاً خلفها..

أدهشها حضوره المفاجئ..

وفي القصة السادسة والأخيرة (مراحل) تتأكد هذه الثنائية الرجل/ المرأة، ومن خلال الصراع بين الزوج/ كبير السن والزوجة/ الشابة التي خرجت من بيته وركبت سيارة مع رجل آخر!!

وفيما بين هذه القصص الثلاث تتتالى هذه الثنائية ليتأكد لنا، أن هم القاص/ الأديب/ المؤلف هو تقصي الفضاءات العلائقية بين الرجل والمرأة في كينونتهما الاجتماعية سواء السوية: زوج وزوجة، أو غير السوية :رجل وامرأة وخيانة!! ويجمع ذلك كله مفاهيم الذكورة والأنوثة.

ومع هذه الثنائية تتنامى المشاعر والأحاسيس التي تقود العلاقات بين أبطال القصص فتبدو دلالة العنوان (أحاسيس لا تموت). فالأحاسيس هي المشاعر والمدارك مثل مشاعر الفقد واللَّذة والحاجات البيولوجية في حياة كل من الرجل والمرأة، وبين هذه الأحاسيس والمشاعر والحاجات تتشكل الأحداث والموضوعات التي يعالجها المؤلف/ القاص، ولعل واحدة منها تكفي كنموذج:

ففي قصة (الخطيئة ص ص 32-38) يتنامى الدث عبر عنوانها اللافت والدال على الجنس المحرم/ الخيانة الأنثوية، وقيمة التطهر من هذه الخطيئة عند شجرة الوأد العملاقة!!

وفي قصة (طريق مظلم ص ص 92-101) تبدو الخيانة من الرجل/ البطل الذي طارد الفتاة الصغيرة واقتحم عليها دارها ليمارس الرذيلة.. ويتضح في نهاية القصة أنه إمام المسجد!!

وهكذا كانت ثنائية الرجل/ المرأة، الذكر/ الأنثى هي قوام البطولة في أغلب قصص المجموعة. وكانت الأحداث والموضوعات تتراوح بين دلالات الخيانة والرذيلة والشهوانية التي لم يسلم منها أحد البطلين!!

*     *     *

(3) وفي هذه المجموعة يقف الناقد متعجباً من قلة الأسماء التعريفية بشخوص القصة. فعبر (ستة عشر قصة كانت البطولة من نصيب الرجل والمرأة بدون مسميات وإنما عبر أوصاف وسمات.

يتأكد ذلك في قصة (السجين ص ص 44-51) مثلاً:

* عجوز تتوكأ على عصاها..

* يستبد الغزاة الأغراب..

* نظرت في وجه الحارس الجالس..

* ابني مسجون في القلعة..

* فتح الجني الباب..

* رأت ابنها.

كما يتأكد عبر قصة (أقدام حافية ص ص 58-64) فبطلي القصة رجل وزوجته أيضاً بلا أسماء تعريفية:

كانا يتجولان بالسيارة الفاخرة..

“هي تستمع إليه في صمت وهو يمطرها بحديثه..

أمسك بيد زوجته ونظر إليها بعينين دامعتين..

ورغم هذه التقنية الجديدة والفريدة في الكتابة القصصية إلا أن الأبطال يتحدثون عن شخوص آخرين في القصة فيذكرون أسماءهم وإذا تحدث (الراوي العليم) فإنه يشير إلى أسماء بعينها نجد مثلاً (لمياء، وهند) في قصة (الرسام) ونجد (ثريا) في قصة (السجين) ونجد (سعيد) في قصة (رجل القش)، ونجد (رضا) في قصة (طريق مظلم).

*     *     *

(4) وأخيراً فإن هذه المجموعة القصصية تمتاز بلغة واصفة بليغة، وخطاب بياني واضح، والوصف أحد سمات القصة وفضاءاتها الشكلية وأحد مميزاتها وجاذبيتها للمقروئية والاصطفاء.

والوصف هنا هو التصوير للأشياء بلغة وحروف تقرب المثال حتى لكأنك تتهجاه أو تلمسه وهنا سر الإبداع في العمل الأدبي، فبقدر ما يتقن القاص فن الوصف في أحداث وشخوص ومسارات القصة كلما وصلت إلى ذهن المتلقي والناقد والقارئ المنتظر.

تبدو جماليات الوصف في هذه المجموعة في كثير من التداعيات السردية، والخطابات التحاورية، فمثلاً قوله في قصة (الرسام): “بنبرة مهزوزة وشفتين ترتجفان قالت: كيف أشرح لك هذا؟! كانت غارقة في خجلها مازالت مضطربة ومشوشة ومتعبة، كانت تنظر إليها بعينين دامعتين ملتمسة شفقتها ومساعدتها لتخليصها من قلقها المستعر…” ص14.

وفي قصة (الخطيئة): كانت في غاية البهجة وهي تهدهده وتراقب شفتيه المرتعشتين تتشبثان بحلمة ثديها،، مالت برأسها وحادثته بلطف، ولامست بيدها أصابعه الرقيقة ورفعتها إلى فمها ولثمتها، ثم عادت به...” ص 34-35.

وفي قصة (مراحل): “لعن ضعفه ولعن النساء، استجمع قواه مرة أخرى وزحف على يديه وركبتيه، كان رأسه منكساً إلى الأرض وهو يزحف، مشى في محيط من الصمت لا يقطعه إلا صوت ركبتيه الزاحفتين وهما تكنسان أرض البيت...” ص109.

ولعل أبرز مثال على جمال اللغة والوصف والروح الإبداعية تتمثل في قصة (مدينة النور ص ص 40-41) ففيها لغة شاهقة وناضجة تقترب من الشعر وتضاهيه، تسبح في لغة هادئة وأوصاف ناعمة كالحرير يقول المؤلف:

كانت أفواهنا جياعاً ولكن بيوتنا مشرعة للغرباء والريح والمطر.

قلت : سلخنا أثوابنا المشبعة برائحة الأمهات، ووضعناها تحت عتبات الأبواب القديمة، وهربنا بأجساد عارية إلى مدن البحر. قال: وتركتم المطر! قلت له: وهل تريدنا أن نعود للوراء نرعى البقر؟ نحن هنا في بلاد النور والسهر.. لا نشتهي المطر!” ص 41.

وعند هذا الجمال اللغوي والتكثيف الشعري تقف المقاربة النقدية لنصل إلى الختام ومع ملحوظات يسيرة لا تقلل من جماليات المجموعة القصصية وتداعياتها الاجتماعية!!

*     *     *

(5) وبين هذا وذاك تتنامى الأحاسيس التي شكلت الذاكرة القصصية في هذه المجموعة التي صدرت في طبعتها الثانية عام 1441هـ/2019م، وهي التي بين أيدينا – علماً أنها صدرت قبل ذلك وفي نفس العام من دار نشر أخرى في طبعتها الأولى وهنا مثار تساؤل : لماذا أقدم على هذا التكرار- والتي بدأها بإهداء رامز ومعبر متواشج مع العنوان ودلالاته: “إلى من يملكون قلوباً نقية ومشاعر صادقة” ص5 وثناها برؤية تبشيرية/ تحفيزية/ لقارئ متمرس في فن الكتابة الخطابية والمقالية والأدبية، وهو الصديق الجميل الدكتور عدنان المهنا. ولكنه آثر الحوم حول الحمى ولم يحفر عميقاً في كنه المجموعة ومخبوءاتها فجاءت قراءة شمولية، وعبر لغة شاعرية لا يتقنها إلا الدكتور عدنان المهنا حفظه الله.

ولم يكتف المبدع/ المؤلف/ محمد جبران بالقصة القصيرة فقط بل جمَّل المجموعة بمحاولات تجريبية لما يسمى بـ (ق.ق.ج) وأبدع فيها ممارسةً وفكرةً ولغة مكثفة وموجزة وفيها كل تقنيات الـ (ق.ق.ج)، وهي تحت العناوين: صحوة ص 39، مدينة النور ص 41، خداع ص 55، سؤال ص 67، الأخطر ص 77، لغز ص 89، تماثل ص 105.

بقي أن أقول: لو عرضت هذه المجموعة القصصية على مصحح لغوي ومراجع نحوي لتفادينا بعض الأخطاء النحوية مثل:

ص 82 وأنهن اليوم لن يمكنونهم من أنفسهم = لن يمكنوهم..

ص 82 ولن يعطونهم = ولن يعطوهم أي فرصة.

ص 110 تعالي لا تذهبين معه = لا تذهبي معه.

ولعلِّي أخيراً كناقد وقارئ أعرب عن إعجابي الشديد بقصة (أقدام حافية ص ص 58-64) فهي قصة إنسانية بامتياز تعالج أوضاعاً اجتماعية

؛تعانيها بعض مجتمعاتنا بروح أدبية وإبداعية!! وقصة (طريق مظلم ص ص 92-101) وفيها إسقاطاتها على فئة من المجتمع نحسبهم بعيدين عن الأخطاء ومبرئين من الآثام، فتثق فيهم وهم غير ذلك!!

ومعجب (أيضاً) بمعالجات المبدع/ القاص محمد جبران لمسألة (الإيروتيكية) في القصص التي تتناول الخيانات الزوجية والعلاقات الرومانسية، والفضاءات الوجدانية/ العاطفية والمشاعر الأنثوية، فلا يقلق القارئ ويصدمه بعبارات تخدش أو صور تثير، ولا هو يبخل عليه بمشاهد لغوية وأحاسيس ورغبات أنثوية وممارسات عاطفية وشهوات ذكورية يستنبتها من الواقع المجتمعي وعبر جماليات تصويرية، لا إسفاف فيها ولا إثارة، وهذا هو الجمال والإبداع الذي يجعلني أؤكد ما قاله الدكتور عدنان المهنا في تقديمه الباذخ: إن القاص محمد جبران “قاص وكاتب يطرز قميصه بغصن الزيتون”!!. والحمد لله رب العالمين.

 

*أديب وناقد سعودي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *