الطائف … قطعةٌ منَ الشّام!

شهد سعيد عسيري

المُبالغاتُ التّاريخيّة، لطالمَا كَانت كثيرةً عندَ العجمِ والعرب، ومعَ طولِ العهد، وكثرةِ القصّاصين، تتغيرُ وتتبدلُ هذهِ الأساطير، فحينًا تكونُ في عوالمِ الجان، وحينًا تكونُ محفوفةً بما لا يستَسيغُه الإنسان، ورغمَ ذلك، هي موجودةٌ كثيرة، مُحرّفةٌ متغيرة.

أسطورتُنا أسطورةٌ غابرة عتيقة، عن أرضٍ شذا نفحها، وهوىٰ ثمرُ ترفها، وضُربَت أسوارُ الحِمى، فالتفَّ النّبتُ حولها، وتدلَّىٰ العِنبُ وتَدانىٰ، وأزهرَ الرُّمانُ ونمَا. 

في جوّها النّورُ مُتلألئ مُنبسط، يُعكسُ بريقُ الأضواءِ فيُكوِّنُ قوسًا من رشاشٍ أبلج، وبينَ البساتين وكثيرِ الألوانِ والنّبات نُغريٌّ تغريدُه يُطرب، ونسيمٌ رقيقٌ يُداعبُ المُهج، وسنًا باللبابِ امتزج، رياضٌ اِخضرّت وأينعت، وبرذاذِ الهَتونِ انتعشت، أسفرَ الغمامُ فبدتِ السَّماء، وأطلَّت الشمسُ فبرزَ الضّياء، وقُصَّت القصص عن بلدةٍ بهيّة، في الجزيرةِ العربية. 

الطّائفُ قطعةٌ من الشّام، قيل أنها رفعتْها الملائكةُ فوقَ أجنحتِها العظِيمة، فطافَت بها سبعًا حولَ الكعبةِ الشّريفة، وحطّت بها قريبَ بَكة، أرضٌ مُستطابةٌ فوق أرضٍ طيّبة، فبذا حُمّلت بركةً غامرة، وأثمرَت خيرًا غفيرًا. 

تنبتُ في تربتها ثِمارٌ وارِفة، عنبٌ، تينٌ، توتٌ، خوخٌ، مُشمشٌ، كمثرىٰ، تفّاحٌ، ورُمّان، ونمت حسناءُ الطّائفِ فألبسَت التّرابَ لونًا متوردًا، كما تَوردَت من الخجلِ الخدودُ، فذاعَ عبقُها نفحًا، وامتدّت رائحتها بسطًا. 

صورةٌ فاتنةٌ، قالها ابن زاكور في ديوانه الرّوضِ الأريض، وقد عاشَ في فاسٍ العريقةِ في المغربِ العربيّ، قال هذه الأبيات وكأنه يصف الطّائفَ لا الأندلُس، فيها من روحِ الطّائفِ، ونَضرةِ نَبتِها الوَارِف: 

“مُـدَّ للسّـلـوانِ أَشْـرَاك الـنَّـظَـرْ     

في ابتهاجِ الروضِ مِنْ وَجْدِ المَطَـرْ

وتـلـقَّ الأنـسَ عـن آسِ الرُّبىٰ       

وَارْوِ طَـيَّ الـنُّـورِ عـن نـشـرِ السَّحَرْ

وارتـشـفَ ثـغـرُ أقـاحٍ باسِمًـا          

واصـطَـبِحْ بالـطَّـلِّ من كأسِ الزَّهَرْ

والْتَثِمْ وَجْهَ المُنَى مُسْتَبْشِرًا         

حـيـثُ رامَ الـغُـصْنُ تَـقْـبـيـلَ الـنَّـهَرْ

وجَـلاَ الـوَرْدُ خُـدوداً أُشْـرِبَتْ          

حُـمْـرَةَ الـعِـقْيانِ مِـنْ فَـرْطِ الـخفَرْ

وانْـبـرىٰ النّسرينُ يُهْدي ذَهَبًا          

فـي صِــحَــافٍ مُـفـرَغـاتٍ مـنْ دُرَرْ” 

ملحمةٌ خلّابةٌ جميلة، طُرّزت لأجلِ مدينةٍ مُختلفة، تميّزت وسطَ جزيرةِ مُغبرّة، وتألقت كما تألقتِ الشّامُ المليحة، وأثمرت بثمرٍ كثمرِها، فالنّفحاتُ الباردةُ مشتركة، والغيثُ العذبُ مُقتسِمٌ بينهُما. 

مزجُ الحقيقةِ بالأساطيرِالعجيبة، أخرجَت لنا قصّةً بديعة، بيد أن الحقيقة أحقّ من الخُرافة بالذّكر، يقول أبو طالب بن عبد المُطّلب: لقد بنينا طائفًا حصينًا! هذه علّةُ تسميّةِ الطائفِ بذا الاسم، الطّائف في الجاهلية مدينةٌ قد رُصّ الحجرُ حولها رصًا، حتى صار حصنًا منيعًا، ومع مرور الزمان، وكثير الكلام، وصلتنا هذه الأسطُورةِ الطّريفة عن أفواهِ آل ثقيفٍ الكِرام، لرغبتهم برفع شأن الطّائف فوق رِفعةِ شأنها، وقد كان.

رسم الكثيرون عن جمالها انتقيت لكم من مشاهد الجمال فيها:

اللوحة التشكيلية نوف الغالبي:

اللوحة التشكيلية وفاء الطويرقي:

اللوحة التشكيلية للفنان: علي النجمي

اللوحات الرقمية التشكيلية سلوى علي التى تخيّلت ذلك الطائف عالم يسبح في فضاء الإبداع والجمال..

مصدر الأبيات: ديوان الرّوض الأريض، صفحة 69

31 thoughts on “الطائف … قطعةٌ منَ الشّام!

  1. كاتبتنا المبدعة شهد تحية إجلال وإكبار لقلمك السيّال. راقت لي المقال بعباراتها الدقيقة وصورها الجميلة، ومما زاد جمالها ووضوح معانيها اللوحات المختارة… شكرا لهذ الجمال ولهذا النثر التشكيلي المميز… وفقك الباري ودمتي قلما نابضا بالجمال في باحة الإبداع فرقد .

  2. يا جججمال المقالة ماشاء الله ابهرتينا باسلوبك الشيق ، ججداً جميلة كلماتك نفع الله بك الإسلام يا شهد🧚🏻🤍.

  3. يعجزُ المتكلمُ عن التكلمِ ،،،،، ما دام فينا متكلمٌ مثلكِ.
    شهْدٌتكتبُ عن عروسِ المصائفِ،،،بقلمِ نحْوٍيسيلُ منهُ شهْدُ شهدِ.

  4. مبهرٌ حرفك يا شهد ، لا حرمنا من حلاوة بلاغتك في وصفٍ ساحرٍ كهذا ،قد استمتعت كثيرًا بهذه المقالة وودت أنها لم تنتهي .

  5. الكاتبة المبدعة شهد….
    تحية عاطرة لك من أرض الشام العريقة
    استمري وفقك الله 👍
    نتطلع للمزيد منك أيتها الوردة الطائيفية الشاذية
    وانتحاء جميل من مجلتنا المبدعة (فرقد) لمنحى الأسلوب الأدبي الصِرف نود دعمه والاستمرار عليه إذ يضمن لقارئكم المتعة والفائدة

  6. لو كان ابن زاكور حيا لناله شرف تضمينك أبياته لنصك
    بارك الله مدادك يا جميلة عالم الأدب ❤️

  7. تعجز العبارات والكلمات عن وصف جمال وأناقة اسلوب الكاتبه بارك الله فيكِ وابعد الله عنكِ اعيُن الحاسدين.❤

  8. تعجز العبارات والكلمات عن وصف جمال وأناقة اسلوب الكاتبه بارك الله فيكِ وابعد الله عنكِ اعيُن الحاسدين .❤

  9. ماشاء الله تبارك الله.. مقال أكثر من رائع وتعبير جميل .. اتمنى لك المزيد من التقدم وأن تبحري في عالم الأدب .. وفقك الله

  10. ما شاء الله مقالة رائعة جعلنا نزداد حبًا لمدينة عروس المصائف حقيقة أنا من عشاق الطائف ومن سكانها ويكفي قربها من المسجد الحرام
    الطائف المدينة المتواضعة البهية

  11. مقالة رائعة وبديعة، واستثمار للاسلوب الأدبي بطريقة مذهلة، نتمنى أن تكون قادم المقالات بهذا الأسلوب الممتع.

  12. مقالة جميل ماشاء الله، نفع الله بها أمة الإسلام والمسلمين، وسددّ قلمها مقالة جميلة وجدًّا ومن أجمل ماقرأت اللهم بارك.
    فعلًا كاتبة متألقة❣

  13. لا صوّح الله منبتك، ولا أنضبَ الله منبعك شهد الحبيبة ♥️
    وُفق قلمُك ذو الصِبغة العبّاسية، زادكِ الله بيانًا وحكمة..
    أنتِ إضافةٌ فريدة تُهنأ عليها مجلة فرقد الإبداعية! ✨

  14. لا صوّح الله منبتك، ولا أنضب الله منبعَك شهد الحبيبة ♥️
    وُفق قلمك ذو الصِبغة العباسيّة، وزادكِ الله بيانًا وحكمةً، أنتِ إضافةٌ فريدة تُهنأ عليها مجلة فرقد الإبداعية! 🥰

  15. سلمت يمنيك…
    كهذا هي الشهد لا تنتج إلا شهدا
    بوركت يا ابنة القرآن ..بوركت يا محبة الأدب…
    احمدي الله ، وواصلي بحرف بهي … موفقة ابنتي الحبيبة …

  16. ابحرت مع القراءة تبارك الله اذا كان الكاتب مُبدع وما يكتب عنه يستحق 👌❤️❤️❤️❤️❤️

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *