الإنتاج الأدبي.. بين التهويل والتهميش

 

إعداد محمد مهدلي

لكل كاتب نتاجه الذي يعرف به، بين جمهوره، محبوه، وأصدقاؤه. وهنا فرقد كعادتها، تطرق المناطق التي تأخر عنها زوارها، تتساءل وتبحث عن الذي يرغبه الكاتب من جمهوره، وقرائه، وتحقق في مصير النتاج الأدبي الذي تاه في عوالم النسيان، والتهميش، بسبب اختيارات القراء، لشيء معين من إنتاج الكاتب دون غيره.
وتبحث في ما إذا كانت هذه عادة حسنة، أو سيئة، على الكاتب، أفكاره، ومساره الكِتابيّ، مع عدد من أهل الفكر والرأي، والأدب.

التنقيب عامل تسويقي لمصلحة الكاتب

ويفتتح هذا التحقيق الشاعر والأديب السوري، ياسر الأطرش. بقوله:
شعراء الواحدة، مصطلح نقدي قديم أطلقه ابن سلام الجمحي في كتابه طبقات فحول الشعراء، ولم يقصد بهم من أنتجوا قصيدة واحدة وإنما من اشتهروا بقصيدة واحدة، وضم إلى هذا المصطلح بعض شعراء المعلقات.. وما زال الأمر على هذا النحو منذ الجاهلية حتى الآن، وأراه منطقياً ومرضياً للشاعر، فخلود قصيدة واحدة يعني خلود شاعرها، وهو المسعى النهائي لأي صاحب تجربة إبداعية فيما أظن.. أما عن بقية نتاجه، فإن الجمهور العادي سيكتفي غالباً بالنص المشهور، بينما يذهب المتخصصون والمهتمون إلى مستويات أعمق، بالتنقيب في نتاج هذا الشاعر واستخراج نصوص وإشهارها، وهذا يُعدُّ عامل تسويق غير محسوب، فالقصيدة المشهورة تنعكس إيجابياً على الشاعر ومجمل نتاجه، وإن تشاءمنا وقلنا إنها تضر بباقي نتاجه، فيكفيه عبور الأمكنة والأزمنة بقصيدة خالدة.. وكم من شاعر خلد ببيت واحد أو شطر بيت!.

التوازن في تلقي الأدب موضوعية واجبة

ويضيف الناقد الأدبي، الفلسطيني، الدكتور: حسين المناصرة. بقوله:
تعد إشكالية “الإنتاج الأدبي بين التهويل والتهميش” ظاهرة قرائية أو نقدية أو إعلامية أو ثقافية..إلخ، غير صحية في مستوى ما يمكن أن نطلق عليه مصطلح “عنف التلقي” تهويلاً أو تهميشًا؛ فالتهويل ثقافة عصابية، تعني الإعلاء من شأن الكتابة، استحقت ذلك أم لم تستحقه، وأحيانًا يكون هذا التهويل أو التهميش من منطلقات”شللية” أو شخصانية!! لهذا لا بدّ من التوازن في تلقي النصوص الأدبية، أو الإنتاج الأدبي عمومًا؛ كون هذا التوازن يعني الموضوعية دون التجرد كليًا من الانطباعية أو الذوقية.
ويكمل المناصرة: لعلّ انخفاض سطح التهويل والتهميش في سياق التوازن الجمالي/ المعرفي، يجعل أمر التلقي طبيعيًا جدًا؛ لأن مستويات إبداع النصوص ليست في مستوى واحد قوةً أو ضعفًا، فقصائد المتنبي المشهورة – على سبيل المثال- قليلة جدًا في التلقي قياسًا إلى كثرة قصائده المهمشة بطريقة أو بأخرى، وتلقي رواية “موسم الهجرة إلى الشمال” للطيب صالح، قد همش إنتاجه الإبداعي الروائي وغير الروائي الآخر. إذن، نحن أمام ثقافة تلقي أو قراءة محكومة بمعايير جمالية، وأخرى معرفية، لا بدّ من مراعاتها في تلقي النصوص الأدبية، التي هي في كل الأحوال ليست نموذجًا مثاليًا، كما أنها ليست كتابة صفرية تخلو من جمال ما.
في ضوء ذلك، أعتقد أن الكتاب أو المبدعين، في حال النظر إليهم على أنهم متلقون لنصوصهم، ربما هم الأقل إعجابًا أو تعظيمًا لها، بل في بعض الأحيان هم الأكثر كرهًا لها؛ لأنهم يدركون ما فيها من نقص، ويتصورون لو أن كتابتهم كانت مختلفة عما كتبوا، لربما كانت أفضل مما هي عليه… ولعل المبدأ المهم هو أن المبدع الحقيقي لا يفضل أساليب التعظيم مهما كانت درجة مصداقيتها…لأن الكمال لا يتحقق في أية كتابة.
أما احتفاء القراء أو تعظيمهم لأحد نصوص الكاتب، وإهمالهم بقية نصوصه؛ فلا أظن أنه يؤدي إلى أن يكره الكاتب هذا النص، وإن كان هذا واردًا أو ممكن الحدوث، خاصة إذا كان هذا الاحتفاء لأسباب غير فنية أو جمالية عمومًا. كأن تكون هذه الأسباب ناتجة عن جرأة في كسر التابو، أو المقدس في الثقافة المجتمعية السائدة.
وفي إجابته على سؤالنا: “هل تعظيم القارئ لنص معين، يجعل منه مملاً لكاتبه؛ لأنه يقتل حق بقية نصوصه”؟!
يقول المناصرة: تبدو الإجابة ذات أبعاد ذاتية؛ فلا بد من إجراء استبانة تعرفنا نظرة الكتاب إلى نصوصهم المشهورة إن بدت مكروهة أو مملة ردةَ فعلٍ تجاه نصوصهم الأخرى غير المشهورة أو المهمشة. وفي سياق أفق التوقع، أظن أن الكتابة عمومًا اليوم، لم تعد تحظى بمقروئية اجتماعية حقيقية، فالقراء العاديون يقرؤون العوالم الافتراضية في وسائل التواصل الاجتماعي، ولعلهم يقرؤون ما قلّ من النصوص الأدبية. أما القراءة الثقافية والنقدية فلا يكاد يشتهر من النصوص الأدبية أكثر مما يفوز بالجوائز المحلية والإقليمية والعالمية، ما عدا ذلك بضاعتنا بيننا الأدباء والنقاد. ويبدو أنّ هناك قناعة لدى كثيرين أنّ النصوص التي لا تقرأ كثيرًا هي النصوص الأدبية الجيدة، وأنّ ما ينتشر من نصوص لعله أجود السيئ؛ بدون أن نعمم ؛ فهناك – بكل تأكيد – نصوص مميزة حظيت بمقروئية عليا.
وفي الجانب الآخر: ماذا يتوجب على الكاتب كي يحمي نصوصه من التهميش أو التشويه؟! فأعتقد أن صلة الكاتب بنصه، ينبغي لها أن تكون مقطوعة أو شبه مقطوعة، عندما يصبح النص منشورًا، وبين أيدي القراء؛ لأن هذا النص المنشور غدا ملكًا للقارئ ، وهو صاحب الكلمة الأولى في التعبير عن هذا النص، سواء أكانت هذه الكلمة موضوعية أو غير موضوعية ؛ كأن تكون هناك حالة عداء بين الكاتب وبعض القراء؛ فيتخذ هؤلاء الكتابة وسيلة إلى غاية في نفوسهم.
على أية حال، تعد القطيعة بين الكاتب ونصه بعد نشره ضرورية جدًا، ولا يصح للكاتب أن يدافع أو يثير إشكاليات بشأن نصه؛ فالمعنى صار في بطن القارئ، ولم يعد في بطن الشاعر كما كان تصور القدماء. بإمكان القارئ أن ينتج من النص رؤى وجماليات لم تخطر في ذهن الكاتب. لذلك لا يوجد أي سلاح في يد الكاتب للترويج لنصوصه ، أو إجبار القراء على قراءتها. وما يلجأ إليه بعض الكتاب من إثارة بعض الإشكاليات الفنية ترويجًا لنصوصهم، فهو أمر لم ينطلِ على القراء، ومن ثم سيخمد كل شيء بعد الزوبعة!! لكن من حق النص على كاتبه ألا ينشره إلا وهو في أحسن أحواله، خاصة ما يتعلق بسلامة اللغة مفردات وتراكيب وترقيم ..إلخ.

اختلاف الآراء تشجع المبدع

أما الأديب والشاعر السعودي: إبرهيم عمر الصعابي
فيرى أنه: على المبدع أن يعلم يقينا أن رأي المتلقي في نصّه يتشكل في اتجاهات عدة بين معجب به متوقف عنده، وبين من يمرّ عليه ويرى أنه أقل من أن يُسمّى نصّا إبداعيّا، والذي أراه أن المبدع الحقيقي الواثق من قدراته وأدواته يدفعه الرأيان لكتابة الأجمل، دون أن يتأثر بمادح أو قادح.
ويضيف الصعابي: ليس على الكاتب أعني المبدع، أن يلجأ للصناعة لكتابة ما يطلبه القراء، وليس عليه أن يهتم بمن يهمّش النصّ أو يشوهه؛ بل يؤمن أن النصّ الذي يهمشه قارئ يعظمه آخر؛ لأن المبدع الحقيقي هو من يكتب للكتابة نفسها .. للإبداع نفسه، وينأى بنفسه ونصوصه عن كلّ مُبْتَذَل، ويجعل هدفه الخروج بنصّ يليق بإيمانه بالعملية الإبداعية ويحترم فيه قارئه، كما يؤمن بأن الآراء تتباين وتختلف حول نصّه دون أن يهزّ ذلك من ثقته بأدواته وقدراته الإبداعية.

منهجية النقد تحمي النصوص من الذاتية

وهنا يتحدث الإعلامي، والأديب العراقي: سعد الساعدي. في ذات السياق، ويقول:
لنؤسس مثابة انطلاق أولاً لتحديد مفهوم أكثر اتساعاً لمحور الحديث عن النتاج الأدبي بين التهويل والتهميش، بتساؤلات بسيطة محددة: كيف تنشأ الرغبة بذلك، ولماذا، وهل هي مجرد فرض، أم حقيقة واقعة؟
من هنا ينبثق اتجاهان في الغالب يسعيان للتهويل، أو التهميش. واحد منهما ليس للكاتب أي دور فيه، لأنه يخضع لمطرقة وسندان النقد؛ إنْ كان الناقد يسعى بموضوعية لكشف حقائق النص، وتجلياته الظاهرية، وبواطنه الداخلية خلال تحليل مضمونه أو مضامينه المتناثرة، بين ثنايا النص فإنه يكون قد أدى رسالته كناقد تجديدي يسعى لإضافة إبداع جديد عبر تحليل النص، وهذا لا يُخشى منه مطلقاً، وتضمنته نظريتنا النقدية الجديدة “التحليل والارتقاء مدرسة النقد التجديدية” لعله يأتي تفصيلها أكثر بمناسبة أخرى.
أمّا الاتجاه الثاني هو المعاكس للاتجاه الأول المتمسك بكل شيء اسمه قديم بائس لا يطمح بجديد، ولا يسعى للتجديد، وهو من يهوّل أو يهمش حسب الحالة المزاجية، ودرجة القرب والبعد من الكاتب بغض النظر عن نوعية وجودة النص، وأكثر من قتل الإبداع والمبدعين هم أصحاب هذا التوجّه.
مع كل ذلك ليس للقارئ دور مهم إلاّ إذا عرفنا من هو هذا القارئ؛ هل القارئ العام متوسط أو غزير الثقافة، أم القارئ النخبوي؟ هنا أيضا سنصطدم بمجموعة من نوعية النخبة؛ فمنهم المهتم والمتابع للأٔدب بشكل عملي موضوعي علمي ينطق بالحق دائماً، ومنهم المراقب فقط ولا يعنيه إلاّ ما يبحث عنه، ومنهم المتعالي المغرور الذي لا يقبل بكتابة الملائكة لو أذن لهم الله تعالى بذلك على سبيل الفرض لا الواقع. وهؤلاء إما يعظّمون كتابات من يستهوون، أو يمزقونها شرَّ تمزيق، يضاف لذلك بعض المحسوبين على كاتب النص كقرّاء، وفي حقيقتهم ليسوا غير أدوات إعلانية، أو دعائية تحاول استمالة أكثر عدد ممكن إليهم والى النص الذي كُتب، أو بالأخرى إلى الكاتب صديقهم، وهذا هو التهويل الذي يتمناه بعض الكتاب، وبالعكس سيكون النص محبوباً لديه وليس مملاً لو حُذفت قائمة أولائك مع بقية الكتّاب.
ويضيف الساعدي: وإذا عكسنا الحالة بفرض عدم وجود شيء من كل ما ذكرناه، فليس من المعقول وجود حرج أو ريبة ممكنة من قتل بقية نصوص الكاتب بسبب ذلك النص المحبوب المطلوب جماهيرياً قراءته مثلاً، كما في قصائد بعض الشعراء التي تبقى هي العلامة الفارقة للشاعر ينتشر عبرها، ومن ثمَّ تبقى دليلَ مستقبلِ أشعاره وليس العكس، وكذلك للقاص والروائي والناقد، وكاتب المقالات وهكذا.
ولكي نربط أطراف الموضوع ببعضه ضمن دلالة محورية بعيداً عن السفسطة النقدية التي تواجه الكاتب، أي كاتبِ نصٍّ كان، سواء كان مبتدئاً موهوباً يجب احتضانه والارتقاء به طالما هو مع مجموعة إنتاجية مبدعة ضمن مسيرة البشرية الثقافية، أو هو من المخضرمين المبدعين الذين ليس لهم أي دور في تسويق نتاجاتهم الإبداعية طالما لا يوجد ناقد منصف، أو مؤسسة راعية للإبداع، وبذا فإن حماية نتاجه (الكاتب) من التهميش أو الارتقاء به؛ ليس له اليد الطولى فيه، اللهم إلاّ في حالة الهجومات الشرسة المقصودة عليه وعلى كتاباته إذا انبرى ودافع عنها هنا وهناك، وبعضهم لا يسعفه الحظ، ولا حتى الظروف جميعها، فيبقى مقصيّاً مهمشاً، وأول أسباب ذلك هو الناقد غير المنصف.
وهنا ينوه الساعدي أنه: من ذلك تجدر الإشارة لشيء في غاية الأهمية، وهو الدور الخطير الذي يلعبه الناقد في موت النص، أو إحيائه وصاحبه، والذي لابدَّ منه، مع ما في كلماتي من قسوة ربما، أقول:
يجب أن نتصف جميعاً كقراء ونقاد بالتحلي برساليّة منهجية تكاد تصل للعصمة من الخطأٔ إذا وقع بين أيدينا نصٌّ ما لكاتب وإن كنّا نختلف معه بكل شيء، كونه مجيد مبدع، وأن لا نبخسه حقّه طالما اتّضح لنا جهده بكل إخلاص، واعتقد ليس من الصعوبة ذلك إذا خلعنا جلباب الأنانية والنرجسية ونظرنا بروحية الأب المحب أبناءه، وهذا ما يجب أن يكون عليه الناقد التجديدي بعيداً عن نوعية الأسماء والأجناس، والمناطقية وغيرها من معكرات صفو النتاج الثقافي الإنساني عموماً أسوة ببقية بني البشر، ولا نبقى مقلّدين لقشورهم فقط بلا معرفة ماهيّة أسلوبيتهم الكاشفة نقداً وكتابة، تحليلاً ودعماً لتطور الفكر والمعرفة.

للقراء حرية الرأي وللشعراء هوية النقد

وهنا تتحدث الشاعرة والأديبة؛ المصرية هبة الفقي: على أن القارئ سيظل مشاركا أساسيا في الحياة الإبداعية، ومحورا هاما لا تكتمل بدونه دائرة الثقافة والشعر.
وتضيف: على الرغم من ذلك ومع كل التقدير لآراء القراء، أرى أن الشاعر عليه أن يكون الناقد الأول لنصه، والمرآة الحقيقة لإبداعه. يرى نصه بعين ناقدة، دون تعظيم أو تقليل، ويتخذ من هذه الخطوة بنية أساسية للارتقاء والنضج.
وعلى الجانب الآخر يستمع لآراء القراء والنقاد ويهتم بها دون أن تؤثر على نظرته للنص أو لذاته إلا بشكل إيجابي مفيد للشعر وللشاعر.
‏فلا يجعله المدح يغتر بذاته وإبداعه، ولا يجعله القدح يشعر بالفشل واليأس؛ عليه أن يبني منهما سلما للنجاح وخطوة جديدة للتميز.
‏وتكمل الفقي: الشاعر في كل الحالات لا يملك التقليل من رؤية القراء، فلهم ما يشاءون من حب أو تعظيم للنص، وله ما يشاء من حق الاعتزاز بكل ما يكتبه.
وترى: أن حالة التهميش التي قد تجدها بعض النصوص، على الشاعر أن يحاول دائما تقديمها بطرق شتى، ولفئات مختلفة؛ فقد يجد نصٌ استحسانا في مكان ما، ولا يجده في آخر، وهذا لا يجعل الشاعر يمل من نصه أو ييأس من نجاحه، فالذائقة ستظل محورا متغيرا من شخص لآخر ومن زمن لآخر، لذلك فالشاعر الذي يبحث عن الاستمرارية والارتقاء، عليه أن يكون ناقد نصه الأول والحقيقي والصادق.

اشكالية النقد في قطبي التعظيم والتهميش

ويقول الأديب، الدكتور: حمد السويلم. رئيس نادي القصيم الأدبي. أنه: يجب أن ندرك بأن المبدع و المتلقي شريكان في العمل الأدبي؛ حيث يبدأ المبدع بأن يقذف بالنص في عالم الوجود، فيصبح مشاعا للقراء الذين سيمنحون النص اكتماله إن كان جديرا بالخلود الأدبي، أو يكشفون ضعفه وعواره ليلوذ بعالم النسيان، و من هنا فلا يحق للمبدع أن يكون حارسا لنصه، و أن يملي على القراء ما يريد أن يقال حول النص. القارئ له كامل الحرية في الحكم على النص، لكنه أيضا مطالب بأن يكون موضوعيا في أحكامه. الناقد الذي يعي مسؤوليته، ويخلص لرسالته و تخصصه لن يمنح عملا أدبيا قيمة لا يستحقها. لذلك فإن الناقد الحقيقي هو الناقد الموضوعي الذي يتعامل مع النصوص بمعايير علمية منصفة.
‏ويضيف السويلم: ولا مشاحة في تقدير عمل أدبي تقديرا واضحا إذا كان هذا العمل الأدبي يستحق هذا التقدير، ومسألة التفاوت بين الأعمال الأدبية مسألة واردة، فقد ينشئ الكاتب نصا أدبيا يبدع فيه و يسخر من أجله كل إمكاناته، لأنه هو العمل الذي يمثله و يعكس تجربته في الحياة. أما الأعمال الأخرى فإنها تأتي لتأكيد حضور هذا المبدع في الحياة الأدبية و خضم الحراك الثقافي. بحيث يكون العمل الجيد يمثل متن الإبداع و روح التجربة لدى المبدع.
أما الأعمال الأخرى فهي بمثابة الهامش الذي يغطي جوانب لم يغطها المتن، و المبدع الواعي سيترك للناقد حرية التقدير، و لن ينزعج من تهميش بعض الأعمال التي يرى أنها لا تستحق كبير اهتمام. و يفترض أن المبدع لا يخشى النقد أو يتحاشاه، فالنقد هو الذي يقدم العمل الأدبي إلى القراء، فالنقد تابع للإبداع، و أي عمل أدبي جيد فإنه سيتجاوز النقد الذي يستهدف إسقاطه. هناك فريق من النقاد في القرنين الرابع والخامس الهجريين عملوا على إسقاط أبي الطيب المتنبي و الكشف عن مساوئه، كما يزعمون، لكن هذا النوع من النقد يكاد أن يمحى من ذاكرة الناس، و بقي أبو الطيب المتنبي شامخا، وظل شعره ملء السمع.
‏ويرى أن: هناك إشكالية قد يقع فيها النقاد الذين يغامرون في تطبيق مناهج نقدية على نصوص لا تتناسب مع روح هذه المناهج، و هذا الإجراء ربما يشوه النص و يخضعه لإكراهات لا تتناسب مع طبيعته. الشيء المؤسف في واقعنا الأدبي أن كثيرا من القراء استسهل الممارسة النقدية. و حتى يستميل القارئ أخذ يقسو على المبدع، فبدأ لا يحتكم إلى معايير ثابتة في جوهر النص، و إنما ينظر إلى ما يريده الجمهور أو المتلقون، وهذا خذلان للنص الجميل من جهة، و نكران للأحكام و الأعراف التي تواضع عليها النقاد من جهة أخرى. فعلى الناقد أن ينظر في توافق الإبداع مع معايير النقد قبل النظر إلى أهواء الجمهور. و بذلك يقف النقد مع القيمة الجمالية، و يمارس وظيفته بموضوعية، و يكون وسيطاً نزيهاً بين المبدع و المتلقي.
و ثمة إشكالية نقدية نعيشها في واقعنا الأدبي، و قد لمستها في متابعتي النقدية، وهي ليست تعظيم بعض الأعمال، و تهميش أعمال أخرى تتوافر فيها مقومات الإبداع. هذه الإشكالية تتمثل في المبالغة بتقدير بعض المبدعين، و تهميش آخرين يمتلكون إمكانات إبداعية عالية. وأضرب مثالا برواية عنوانها ” صبرا ” كتبها عنزي من المنطقة الشمالية. هذا الكاتب يمتلك إمكانات روائية جيدة، لكنه لم يحظ في رأيي بمكانته اللائقة، بينما بالغنا بتقدير كتاب مواهبهم عادية في نظري.

شعاع الإبداع لا يغيب

وهنا يضيف القاص والأديب السوداني: صديق الحلو. بقوله: لا التهويل يرفع نصا أدبيا ضعيفا، ولا التهميش يقلل من متانة نص قد يأتي أوان تقييمه. النص يفرض نفسه، كما انك لا تستطيع تغطية عين الشمس؛ يمكن أن يطل شعاع الإبداع وبريقه كلما أتيحت له الفرصة.
ويتابع الحلو: تعظيم القارئ لنص يكون عن حب ومعرفة، وبالتالي مطلوب وليس ظاهرة سلبية. بالعكس سيجعل من النص مشوقا لكثرة الإقبال عليه. بقية النصوص للكاتب غالبا ما تكون تنويعة للنص الأول، أو تكملة له مما نعرفه بمشروع الكاتب، ونهجه الذي يسير عليه. الملل يأتي من التكرار وعدم الفنية والجمالية وانعدام عنصر التشويق. أقول لك مثلا أخي محمد مهدلي، لقد قرأت أنا موسم الهجرة إلى الشمال لكاتبنا العالمي الطيب صالح أكثر من 200مرة، وفي كل مرة أجد فيها شيئا مختلفا. (أظنك تتفق معي فيما ذهبت إليه).
ويكمل: علي الكاتب أن ينتج وينجز ليتجاوز ما كتبه إن كان قويا أو ضعيفا، ويقرأ النماذج الممتازة حتى ينشط الذائقة المعرفية والإبداعية لديه. ليس هناك تهميش وإنما إذا تناول إنتاجه النقاد بين الفينة والأخرى يعتبر ذلك إحياء للنص. كنا ونحن شباب قبل 40 سنة أو تزيد ونحن في أول طريق الإبداع والمعرفة، لدينا أصدقاء في الصحف والإذاعة والتلفزيون، كنا نحثهم أن يعملوا معنا حوارا أو لقاء، للحديث عن فكرة أو كتاب حتى نكون في دائرة الضوء. الآن قل هذا الشغف إن كان لديك نص واحد قوي يغطي علي بقية النصوص الأقل قيمة منه، ولكن أن تحط نصب عينيك وضع إضافة على مستوى الكون، وإلا يكون ذلك إزعاجا منك في غير محله.

احترام الذائقة تثبت الإبداع

ويرى الدكتور: إبراهيم بن عبد الله بن غانم السماعيل. أستاذ البلاغة والنقد- جامعة الإمام – الرياض. بقوله: عني شخصيًّا أحبُّ القارئ الذي يثني على ما أكتبه ويحترمني في ذلك، لأنني قد احترمته بكل حرف كتبته له، فتعظيمه لأي نص لي شعرًا أو نثرًا لا يصيبني بالملل؛ بحجة أنه يقتل بقية نصوصي، إضافة إلى إيماني باختلاف أذواق المتلقين، فلكلٍ ميوله، واهتماماته. ذلك أن من المتلقين من تأسره البلاغة والحديث فيها من خلال كتاباتي، سواء منها ما يتعلق بالبلاغة القرآنية، أو البلاغة النبوية، أو البلاغة النثرية والشعرية، يدخل في ذلك البلاغة بمفهومها العام، والبلاغة الجديدة من حِجَاج، وإمتاع، وإقناع، حسب وظائف البلاغة المشهور من لدن أرسطو، إلى يومنا هذا.
ويكمل السماعيل: ومن المتلقين من يحب كتاباتي النقدية، سواء منها ما كان مقالات، أو بحوثًا محكَّمة في ندوات ومؤتمرات، أو صحف مجلات. فتجده يطرب للنقد قديمِه وحديثِه. ومن المتلقين من أراه حاضرًا لدى إبراهيم حال كوني مبدعًا نصًّا شعريًّا أو سيرة ذاتية، أو غيرية، أكثر من حضوره لدى كتاباتي الأكاديمية.
وأنا فخور بكل مشارك لي في قراءاته، أيًّا كانت كتاباتي في كنهها، ورسالتها. غير أني أحب بمزيد من التقدير والمحبة من يحب أغلى حروفي.

وهنا يشير السماعيل لكتابه: (أمي نورة). ذلك أنه كتبه بمداد قلبه، لا بحبر قلمه (على حد تعبيره).
إهداء لأمه رحمها الله.
ويختم السماعيل قوله: وفي الجملة فالذي أعتقده أن الكاتب الذي يحترم عقول المتلقين وفهمهم وذائقتهم، هو الكاتب الذي يحافظ على نتاجه الأدبي من التهميش أو التشويه، ذلك أنه هل جزاء الاحترام إلا الاحترام.

التوسع في النشر يدعم الابداع

ويقول الشاعر والأديب السعودي حاتم الجديبا: يلحظ الكاتبُ أنَّ نصًّا معيَّنًا -أو مجموعة نصوصٍ- من نصوصه، تجد لها مكانةً وتعظيمًا وشهرةً لدى القارئ، ويصبح هذا النصُّ أيقونةً لهذا الكاتب، وتُشير إليه، وحينئذٍ قد يشعر الكاتبُ -أحيانًا- أنَّ هذا النصَّ قد يحجب الضوء عن بقيَّة نصوصه وإنتاجه، وقد يحدث ذلك الأمرُ واقعيًّا كما نلحظه في الساحة الثقافية لبعض الكُتَّابِ والكاتبات فيها، مِمَّا قد يُسَبِّبُ بعض الضيق لكاتبه؛ لأنه يحصره في إطارٍ محدَّدٍ، ويُشْعِرُهُ بالقلق من عدم الالتفات إلى أعماله الكتابيَّة الأخرى والتي قد تفوق هذا النصَّ فَنًّا وإبداعًا.
ويرى أنه: في هذه الحالة ينبغي على الكاتب أن يَطْرُقَ مواضيع وأفكار أخرى في كتاباته، تختلف عن فكرة النصِّ المشتهر، وأن يَعْمَدَ إلى نشر أعماله الأخرى بشكل أكبر، وفي محيط أوسع؛ للخروج من دائرة ووهج ذلك النصِّ الذي قد يصبح قيدًا له من دون أن يشعر بذلك.

اهتمام الكاتب بانتاجه هزيمة للتهميش

وترى الكاتبة، والأديبة السورية: عبير الماغوط. أنه: ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻳﻜﻮﻥ ﺍﻟﻜﺎﺗﺐ ﻣﻦ ﺍﻟﺮﻣﻮﺯ ﺍﻟﻌﺎﻟﻴﺔ ﻓﻲ ﺍﻷﺩﺏ، ﻭﻳﻜﻮﻥ ﻟﻪ ﻣﺨﺮﺟﺎﺕ ﻓﻜﺮﻳﺔ ﻓﻲ ﺟﻤﻴﻊ ﺿﺮﻭﺏ ﺍﻷﺩﺏ ﻭﺍﻟﻤﺆﻟﻔﺎﺕ ﺍﻹﺑﺪﺍﻋﻴﺔ، ﻗﺪ ﺗﺘﻌﺮﺽ ﺑﻌﺾ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﺆﻟﻔﺎﺕ ﻟﻠﺘﻬﻤﻴﺶ ﺍﻟﻤﻘﺼﻮﺩ، ﺃﻭ ﻏﻴﺮ ﺍﻟﻤﻘﺼﻮﺩ ﻓﺘﺘﺤﻮﻝ ﺑﻮﺻﻠﺔ الاﻫﺘﻤﺎﻡ ﺇﻟﻰ ﺑﻌﺾ ﻧﺼﻮﺻﻪ، ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺮﺿﻰ ﻋﻨﻬﺎ ﺑﻌﺾ ﺍﻟﻨﻔﻮﺱ ﺍﻟﻤﻬﻴﻤﻨﺔ ﻋﻠﻰ ﻣﺠﺘﻤﻌﻪ ﺩﻳﻨﻴﺎ،ﺃﻭ ﺳﻴﺎﺳﻴﺎ،ﺃﻭ ﻋﺮقيا. ﻭﻳﺘﻢ ﺍﻟﺘﻌﺘﻴﻢ ﻋﻠﻰ ﺑﻌﺾ ﺍﻟﻨﺼﻮﺹ ﺍﻷﺧﺮﻯ ﻭﻳﺴﺎﻫﻢ الأديب ﻓﻲ ﺣﺎﻟﺔ ﺗﻬﻤﻴﺶ ﺑﻌﺾ ﻧﺼﻮﺻﻪ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻳﺮﻛﺾ ﻭﺭﺍﺀ ﻧﺼﻮﺻﻪ ﺍﻷﻛﺜﺮ ﺇﺷﺎﻋﺔ ﻭﺫﻛﺮﺍ، ﻭﻳﺘﻨﺎﺳﻰ ﺷﻴﺌﺎ ﻓﺸﻴﺌﺎ ﺍﻟﻤﺮﺍﺩ ﺗﻬﻤﻴﺸﻬﺎ ﻭﻗﺪ ﻳﻜﻮﻥ ﺫﻟﻚ ﺧﻮﻓﺎ ﻣﻦ ﺇﺯﺍﺣﺔ الأضواء ﻋﻨﻪ، ﻭﻟﻜﻲ ﻳﺤﺎﻓﻆ ﺍﻟﻜﺎﺗﺐ ﻋﻠﻰ ﻧﺘﺎﺟﻪ ﺍﻷﺩﺑﻲ ﻣﻦ ﺍﻟﺘﻬﻤﻴﺶ، ﻋﻠﻴﻪ الاهتمام ﺑﺠﻤﻴﻊ ﻧﺼﻮﺻﻪ ﺧﺎﺻﺔ ﺍﻟﻤﺮﺍﺩ ﺗﻬﻤﻴﺸﻬﺎ ﺑﺈﻋﺎﺩﺓ ﺗﺴﻠﻴﻂ الأضواء ﻋﻠﻴﻬﺎ ﻓﻲ ﻣﺤﺎﻓﻠﻪ ﻭﻣﻨﺘﺪﻳﺎﺗﻪ ﻭﻟﻘﺎﺀﺍﺗﻪ، ﻭﺃﻥ ﻳﺒﻘﻲ ﺃﺩﺑﻪ ﻣﺤﺘﻔﻈﺎ باستقلاليته؛ ﻻﻳﺬﻭﺏ ﻓﻲ ﺭﻏﺒﺔ ﺍﻟﻤﻐﺮﺿﻴﻦ ﻓﻴﺒﺪﺩ ﺍلأديب ﺑﺬﻟﻚ ﺍﻟﻬﻮﺍﻣﺶ ﺑﺎﻗﺘﺤﺎﻡ ﻏﻤﺎﺭﻫﺎ ﻭﺗﺴﻠﻴﻂ ﺍﻟﺤﻜﺎﻳﺎﺕ ﻭﺍﻟﻜﻠﻤﺎﺕ ﻋﻠﻰ ﻋﻮﺍﻟﻤﻬﺎ.

الملل من الروتين الشعري دافع للتجديد

ويختم هذا التحقيق الشاعر اليمني: أحمد الصيعري. الذي يبدأ بقوله: من مبدأ أن الناس مختلفون، فإن كل ما سأقوله هنا هو نابع من تجربتي الشخصية، وربما يشترك معي في رؤيتي ما يقل أو يكثر من الناس.
ثم يضيف: أما عن تعظيم القارئ للنص وأثر ذلك على رؤية الشاعر لنصه فهذا يعتمد على نوع القارئ ونظرة الشاعر للقارئ، فربما تعظيم قارئٍ عظيمٍ في نظر الشاعر يعادل تعظيم مئة من عامة الناس. والشاعر يعلم قصيدته ويعلم خوافيها، وظواهرها، ويعلم حَسَنها وسيئها، فعندما يعظم قارئٌ معيين بيتاً من أبيات القصيدة يمكن للشاعر أن يدرك مستوى هذا القارئ في قدرته لفهم وسبر أغوار نصه الشعري.
‏ويكمل الصيعري: قد يُصدم الشاعر بتعظيم عدد كبير من الناس لنص لم يكن في حسبانه أنه سيأخذ كل ذلك الزخم، وربما سأل نفسه في تعجبٍ ناقدٍ للقُرّاء .. وماذا عن نصوصي الأخرى التي تفوق هذا على كل المستويات ؟!
‏لكن هنالك عوامل قد لا تطرأ على بال الشاعر، تجعل من النص ينتشر ويُحتفى به, فمثلا توقيت عرضه للنص، فالتوقيت قد يكون حاسما في إمكانية انتشاره لاسيما في مواقع التواصل. ومن العوامل إعجاب شخص مشهور بالنص وهذا قد يجلب العشرات من المعجبين بعده، وكان يمكن أن لا يقول فلن يقولوا.
‏أما أن تعظيم القارئ لنصٍ يجعله مملا لصاحبه؛ فأنا أستبعد هذا إلا في سياق الأمسيات وأن يُطلب نص بعينه في كل أمسية فهنا ربما يمل من إلقائه للنص لا من النص, هكذا أتصور، الذي يجعل الكاتب يمل من نصه هو أن تصبح أفكار نصه مستهلكة من الشعراء الآخرين أو منه هو, ولكن الملل مهم جدًا للشاعر والشاعر الذي لا يمل لن يشعر بالروتين الشعري الذي يعيش فيه ولن يجد دافعاً للتجديد.
وعن سؤالنا: بخصوص ما الذي على الكاتب فعله لحماية بقية نتاجه من التهميش والتشويه ؟
‏يجيب الصيعري: أما عن التهميش فأقول لا يمكنه فعل شيء، هو عليه أن يكتب ويدع الشعر يأخذ مجراه. أما التشويه فهناك نوعان كما يبدو لي .. هناك تشويه معنى القصيدة من خلال تفسير القارئ، وهناك تشويه لفظ القصيدة من خلال نقلها والتصرف فيها؛ وكل هذا خارج سيطرة الشاعر.

ختاما:  عبر تساؤلات لا تنتهي، بل تتوالد مع كل إجابة، هنا فرقد .. حاولت مقاربة الرأي والرأي، مقاربة الفكر والفكر، في محاولة منها لإشباع المجهول بالمعلوم، وإغناء السؤال بالجواب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *