ديناصور الصحراء

 

ديناصور الصحراء

قصة للأطفال + ٩ سنوات
تأليف: فاطمة يعقوب خوجة

قصتي الآن في حديث الزمان، وليست كان يا ما كان.
هنا أعيش مع أمّي، وأبي، وجدّي، وجدّتي.
أنا (حَسّول) الضبُّ الذي مُنع الخروج من جُحره؛ خَشية أن تَطاله رصاصةٌ طائشة، أو يدٌ خانقة، أو غازٌ كريه الرائحة.
*
أخبَروني أنّ لي عددًا كبيرًا من الإخوة والأخوات، لم أرَ أحدًا منهم منذ وُلدت!
كلّهم خرجوا وما عادوا!
قائمة ممنوعاتي طويلة، تزيد يوما بعد يوم!
قبل أن أسأل والديّ لماذا؟ يأتيني الجواب: من أجل سلامتك.
*
سأخبِرُكم عن يومٍ مُملٍّ لن أنساه؛ حين غفى الجَدّان، لا. بل غطّا في نوم عميق.
فكّرتُ طويلا في الخروج من جُحري البارد!
لا أُخفيكم تردّدي حتى انطلقتُ أجري نحو المخرج.
أطلّ رأسي الصغير للخارج بخوف، وقعتْ عيناي على فضاءٍ واسعٍ نقي.. وتنشّقتُ رائحة عُشب شهي، وشعرتُ بدفء سخي..
أذهلتني المفاجأة! فنسيت كل تحذير وممنوع.
*
كدت أخرج؛ لولا أن تداركني أبي في اللحظة المناسبة، ودفع بي إلى الداخل.
أحدثتُ جَلبة شديدة، وأصبتُ بخدوشٍ طفيفة!
“ماذا حدث؟” تساءل الجميع
“لقد سلّم الله (حسّول) من طوق الحبل، الذي وضعه الصيادون حول المخرج، وكاد أن يلتفّ حول عنقه، فيما لو تابع الخروج ” قال أبي.
*
يومها بكيتُ كما لم أبكِ من قبل؛ فأنا أرغبُ في رؤيةِ السماء، ولمسِ رمال الصحراء، والاحساسِ بحرارة الهواء.
غلبني النومُ وأنا أردّد: أكره الصيادين.. أكره الصيادين.
عندما فتحتُ عينيَّ، كان أبي جواري، فأشار إليّ أن أتبعه.
*
سلكنا طرقا متعرجة، ضيقة، ومظلمة، وأخيرا خرجنا.
لأول مرّة أرى سماءً تتلألأ بالنجوم
لأول مرّة أحسّ بهواء منعش يَعبُر جِلدي
لأول مرّة أشمّ أريجا شذيّا يدغدغ أنفي
صرخ الجوع داخلي. اتجهت صوب نبتة قريبة، فاستمهلني أبي قائلا:
“عليك أن تأكل قضمات صغيرة فقط من هذه النبتة، ثم تنتقل لنبتة أخرى؛ هكذا تحافظ على نبات الصحراء، حتى لا ينتهي ثمّ ينقرض”
*
سعادتي تلك الليلة لا توصف، وأسئلتي لم تتوقف:
هل ضوء الشمس كضوء القمر يا أبي؟
ما لون رمال الصحراء في النهار؟
من أين تهبّ الرياح صباحا؟
كيف تكوّنت هذه الكثبان؟
لماذا شكل الصخور متنوع وغريب؟
كان أبي يُجيب مبتسما، حتى سألته: لماذا يتسلّى الصيادون بمطاردتنا؟
لماذا يبالغون في قتلنا؟ ألا يدركون أنهم سيكونون سببا في انقراضنا؟
طأطأ رأسه حزينا، وقال: “حقًا لا أعلم”.
*
استيقظتُ اليوم لا أعرف الوقت؛ فهو متشابه عندي.. لكنّي أدركتُ أن ضيفًا جديدًا قد حلّ بيننا؛ عرّفني جدي به: “العقرب الأسود. حارس المخرج”.
تبادلنا التحية صامتَين.
مضى النهار بطيئا كالعادة، حتى سمعنا أصواتا عالية أفزعتنا!
جذبتني جدّتي نحوها، ومنعتني الحركة!
*
ما هذا؟
يدٌ تتسلّل بحذرٍ إلى جُحرنا! ها هي تتلمس أنحاءه!
في لحظة انقضّ العقرب الحارس عليها بلدغة حارقة؛ جعلت صاحبها يُطلق صرخة ألم عالية، ثم يسحب يده في سرعة خاطفة.
بعدها خفتت الأصوات تدريجيا.
*
ظننتُ أنهم هربوا، وتنفستُ الصعداء؛ لقد كان حدثًا مرعبًا جدًا.
لم يَدمْ ذلك طويلا؛ إذ دخل أبي لاهثا، وقال بهلع:
“يجب أن نرحل؛ لقد عرفوا مكاننا، ولن يمنعهم شيء عن قتلنا”.
في تلك الأثناء بدأ الماء ينسابُ إلى الداخل
” إنه الغرق” صاحتْ أمي
غادرنا متدافعين على عجل! لم يُمهلني أحدٌ لأخذ شيء من قصصي وألعابي!
*
مسكنٌ آخر انتقلنا إليه مع ضيفنا -أقصد حارسنا-
الأيام فيه رتيبة، والساعات طويلة
جسمي صار يكبر، والجُحر يَضيق ويصغر
لم يعد جَدّاي يتحركان كثيرا
قلّ حديثنا.. ازداد ضجري.. حتّى استقرّ رأيي على أمر.
*
“سأخرج” أعلنتها صريحة
صرخت أمي: “لا تخرج؛ سيقتلونك”
قلت لها متوسلا: “أريد شمسا، أريد هواء، أريد أصدقاء. لن أبقى حبيسا تحت الأرض، أقتاتُ الخوف كل لحظة. هذه الصحراء أرضنا، ونباتها طعامنا، وهواؤها حياتنا”
تمسّك الجميع بي؛ يمنعون خروجي، وإذ بجدّي يقول:
*
“دعوه يخرج؛ ليرى النور، ويستشعر الدفء، ويبدأ حياة جديدة. يوما ما سيدرك الصيادون خطأهم، وإلاّ فإن التاريخ سيكتب: هنا كانت تعيش ديناصورات الصحراء.” ثم تابع: “لا تخف. في يوم قريب سيمنع الحكماء من البشر، طيش الصيادين الهواة، ويوقفون جشع الجهلة منهم، وستبقى الصحراء ملاذنا وموطننا الآمن.”
*
ضمّني أبي إلى جسمه الكبير بحبّ، ثمّ دفعني نحو المخرج بحنان، وإذ بأمي تُسرع نحوي. احتضنتها وقبّلتها بين عينيها، وقلت موجها حديثي للجميع:
“لن يكون هذا وداعنا الأخير، بل سنلتقي قريبا”
ثم غادرت مسرعا.
*
منذ ذلك اليوم وأنا أبعث رسائل من الصحراء. اسألوا عنها النجمات.. السحب.. الكثبان.. الرياح وحتى الفراشات، أقول فيها:
بعد بَيات شتاء طويل، ألا يحقّ للضبّ رؤية الشمس؟
بعد سخاء مطر عميم، ألا يحقّ للضبّ تذوق العشب؟
بعد حملٍ وفقسِ بيضٍ، ألا يحقّ للضبّ رؤية الوليد؟
اِرحَمُوا شعبَ الضَّبِّ المُسَالِم.
اِرحَمُوا شعبَ الضَّبِّ المُسَالِم.
اِرحَمُوا شعبَ الضَّبِّ المُسَالِم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *