الخياط وحيلة السلطان

 

الخياط وحيلة السلطان

الدكتور ادريس الكنبوري*

كان هناك خياط يدعى أبو بكر، يبلغ من العمر السبعين عاما، لكنه طيلة هذه المدة لم يكن قد غادر القرية أبدا، فقد عاش حياته كلها يتردد بين محل الخياطة الذي يعمل به وبين البيت والمسجد، الذي كان يتوجه إليه خمس مرات في اليوم لأداء الصلوات المكتوبة. لكن الخياط المسكين لم يتمكن من أداء فريضة الحج بسبب عوزه وفقره، فكان يحزن كثيرا عندما يفكرفي هذا الأمر، ويتضرع إلى الله أن يمكنه من السفر لزيارة قبر النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، وكان يقول للناس الذين يسألونه لماذا لا يسافر خارج القرية:
ـ لن أغادر القرية وقد كبرت إلا إلى الحج.
ظل صاحبنا أبو بكر يعيش حياته على هذه الوتيرة خمسين عاما، منذ أن أصبح عمره عشرين عاما عندما احترف الخياطة عن أبيه وتزوج وسكن في قريته. ومنذ تلك اللحظة لم يغادر القرية إلى أي مكان، حتى إنه اعتاد على تلك الحياة التي ألفها وأصبح معروفا لدى جميع أهل القرية وأهل القرى المجاورة، إذ كان يضرب به المثل في الارتباط بالأرض والالتصاق بالمكان الذي ولد فيه. وكان برنامج أبي بكر محدودا لكنه كان غنيا جدا، فقد كان يستيقظ في وقت مبكر للصلاة وقراءة ما تيسر من القرآن الكريم، وبعد أن يتناول فطوره مع زوجته يتوجه إلى دكانه ويظل فيه حتى موعد صلاة الظهر، حيث يغلق الدكان ويتوجه إلى المسجد لأداء الصلاة، ومن هناك إلى البيت حيث يتناول طعام الغداء مع زوجته وأبنائه الثلاثة، ثم ينام سويعة ليستريح من تعب العمل، وعندما يؤذن المؤذن لصلاة العصر يغادر البيت إلى المسجد، ثم بعد ذلك إلى الدكان الذي يظل فيه حتى موعد صلاة العشاء، حيث يؤدي الصلاة في المسجد ويقفل راجعا إلى بيته.
انتشر خبر الخياط في كل الأركان والأماكن الدانية والقصية، فقال الناس للناس:”الخياط لم يغادر القرية أبدا، هذا عجيب!”، فكان الجميع يستغرب أشد ما يكون الاستغراب، ويتعجبون أشد ما يكون التعجب، ولا يكادون يصدقون الخبر، فهل يعقل أن يوجد إنسان لا يسافر خارج المكان الذي يعيش فيه؟ وهل صحيح أن هناك رجلا يبلغ من العمر سبعين عاما لم يغادر قريته أبدا منذ أن أصبح عمره عشرين عاما؟.
حاول الكثيرون أن يقنعوه بالسفر ولو ليوم واحد، وقال له بعضهم:
ـ نجهز لك كل ما تريد لتسافر سفرا مريحا، ونعطيك المال.
وكان يرد عليهم:
ـ أمابعد أن ضعف بصري بسبب مهنة الخياطة وطول النظر فلا أستطيع الآن.
وقال له آخرون:
ـ السفر يا أبا بكر يطيل العمر.
فرد عليهم:
ـ لقد عشت سبعين عاما بإذن الله ومشيئته، لأن عمري مكتوب لي منذ ولادتي، ولست شابا لأطمع في المزيد.
وشاعت أخبار الخياط في كل مكان، وخاصة بعد أن سمع الناس أنه رفض عروضا بالسفر والرحيل ومفارقة القرية ولو ليوم واحد، فكانوا يزدادون استغرابا ودهشة، وكان يقولون:
ـ يا له من رجل غريب عن كوكبنا.
وفي يوم من الأيام وصل خبر الخياط إلى أسماع سلطان البلاد، ولكن السلطان هو أيضا لم يصدق الخبر، فقال للذين معه:
ـ كيف استطاع هذا الخياط البقاء في القرية كل هذه السنين والأعوام؟ لا بد أنه خياط غريب، أو أن لديه سرا.
وأراد السلطان أن يتندر مع الخياط، وفي نفس الوقت يكتشف ماذا وراء ذلك السر العجيب، ففكر في حيلة ما فلم يجد، فسأل الذين مع من أهل مشورته والوزراء قائلا:
ـ من منكم يجد لي حيلة تمكننا من إخراج هذا الخياط من القرية، لكن شريطة أن لا نلحق به ضررا، فقط لنرى كيف سيتصرف؟
فكر الحاضرون مطولا، وأخيرا قال أحد الحاضرين:
ـ لدي حيلة يا مولاي.
فقال السلطان:
ـ هات.
قال الرجل:
ـ تبعث له يا مولاي رسولا منك يقول له: أنا رسول مولانا السلطان بعثني إليك بأمر يقول لك فيه: إذا خرجت من القرية ذات يوم فستلقى أقسى العقاب.
ضحك السلطان والحاضرون، وقال السلطان للرجل:
ـ إنها حيلة غريبة والله، سنجربها.
وللتو أرسل السلطان رسولا إلى الخياط بذلك الكلام، وأوصاه أن يراقبه جيدا بشكل غير مكشوف حتى يرى ما يكون من أمره بعد ذلك.
توجه رسول السلطان إلى قرية السلطان وسأل عنه، وعندما دلوه على دكانه ذهب إليه وقدم نفسه له. كان الخياط منهمكا في عمله، وعندما عرف أن الرجل الذي يقف أمامه ليس سوى رسول من السلطان تجمد في مكانه وعرته الدهشة، لأنه لم يتعود أن يرى سابقا رسولا من السلطان في القرية، فكيف يأتي هذا الرسول اليوم إلى القرية من أجله هو.
قال له الرسول:
ـ إنني رسول مولانا السلطان إليك يا سيدي الخياط، وقد حملني رسالة أبلغها لك.
سكت الخياط قليلا وبدأ يفكر في نفسه:
ـ ماذا يريد مني السلطان؟ ولماذا لم يبلغني بأي شيء عندما كنت شابا؟ وماذا يريد مني وأنا رجل عجوز؟ لا بد أن يكون وراء هذا أمرا خطيرا.
والتفت إلى الرسول الماثل أمامه وقال:
ـ هات الرسالة أيها السيد، والأمر لله من قبل ومن بعد.
قال الرسول:
ـ إن مولانا السلطان يقول لك: إذا غادرت القرية يوما ما فسوف تلقى العقاب الأوفى، وعليك أن تستمر في القرية كما كنت تفعل من قبل لا تغادرها أبدا.
قال الرسول ذلك ثم ألقى التحية على الخياط وانصرف ولم يعد يظهر له أثر.
لم يستطع الخياط أن يفهم شيئا، وأخذت يداه ترتعشان، فترك الثوب والإبرة وجلس يتأمل ويتساءل في نفسه:
ـ ماذا يريد السلطان مني؟ هل أصبح السلاطين يتدخلون في حياة عباد الله بهذا الشكل؟ هل يريد أن ينتزع مني حريتي؟
واستمر يتساءل ويتساءل وتدور عدة أفكار في دماغه بدون أن يجد مخرجا. ثم قام وأغلق الدكان وذهب إلى البيت وقص على زوجته القصة، فقالت له:
ـ وماذا سنفعل الآن؟
رد الخياط:
ـ نهجر القرية هذه الليلة.
وبدأت الزوجة تجمع الأثاث والموجودات في البيت، والأبناء يساعدونها، استعدادا للرحيل عن القرية إلى مكان بعيد لا يعرفهم فيه أحد.
ولكن رسول السلطان كان قد كلف بعض الأشخاص في القرية بترصد حركات الخياط وإبلاغه بكل شيء، فلما وصل إليه ما قاله الخياط لزوجته هرع إلى حصانه وركبه وسار بسرعة البرق ليبلغ السلطان بما سمع.
عندما علم السلطان بعزم الخياط على الرحيل عن القرية ضحك طويلا، وامر أحد وزرائه بأن يذهب إلى القرية ويأتيه بالخياط في الحال، وأوصاه بالرفق به وملاطفته في الطريق حتى لا يتسرب الخوف إلى نفسه.
عندما وقف الخياط أمام السلطان بحضرة جميع الوزراء وأهل المشورة سأله السلطان ضاحكا:
ـ لقد عشت حياتك كلها في القرية، ولم تغادرها أبدا، ورفضت أن تسافر، فلماذا عزمت على الرحيل عنها اليوم بعدما بلغك رسولنا ما بلغك، ونحن لم نجبرك على شيء ولم نفرض عليه أمرا، بل طلبنا منك أن تفعل ما كنت تفعله دائما؟
رد الخياط قائلا:
ـ نعم يا مولاي، لقد عشت حياتي كلها لا أغادر القرية، ولكني كنت أفعل ذلك وأنا أشعر بأنني حر في حياتي واحب قريتي، دون أن يكون الأمر مفروضا علي، أما عندما جاءني رسولك يا مولاي يطلب مني ما طلب فقد أصبحت أشعر بأنني لم أعد حرا، وبأن إقامتي في القرية أصبحت سجنا مفروضا علي.
فضحك السلطان وأعجب بكلام الخياط الحكيم، وأمر بإعطائه الهدايا والمال وبتجهيز جهاز خاص لكي يسافر إلى الحجاز لأداء فريضة الحج في العام القادم، على أن يكون مكانه بين أفراد الوفد السلطاني الذي يتوجه إلى الحج في كل عام.
ـــــــــــــــــــ

* كاتب وروائي من المغرب. مؤلف ومترجم قصص للأطفال عن الإسبانية والفرنسية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *