تَارِيخٌ رَمْليٌ لِبَطلٍ

د. موسى رحوم عبَّاس*

تَارِيخٌ رَمْليٌ لِبَطلٍ

دائما نحن في هذا الجزء القصيِّ من العالم أحلامنا أسطورية، لا أحدَ مِنَّا يريد أن يكونَ شخصا عاديًّا مثل كل خلق الله، فلم أسمع من زميل أنَّه يريد أن يصبح ممرضا، طبَّاخا، ميكانيكيا، لم أكن مُختلفا، اليوم أراها مثيرة للسخرية، هكذا أصبحتُ أراها، كنتُ أقولُ للمدرِّسِ حين يسألُني: ماذا تريدُ أن تكونَ في المستقبلِ، يا عبَّاسُ ؟
– أريدُ أن أكونَ طيَّارا.
– لماذا ؟
– حتى أقصفَ العدوَ الصَّهيونيَّ في يافا.
ولا أعرف حتى تاريخه، لِمَ يافا دون غيرها، حتى بعد أن تطورتِ الحالةُ لديَّ، وصرتُ أنزعُ خارطةَ فلسطينَ من الكتبِ المدرسيةِ، وأحتفظُ بها، ثم أضعُ يافا ضمنَ دائرةٍ حمراءَ، وأرسمُ الخطَّ الواصلَ بينها وبين مدينتي الرَّقة، وأنا أتخيلُ أنَّ الطَّيَّارَ يضعُ الخارطةَ أمامه، ويتوجَّه بطائرته نحو الهدفِ، أولى مراحلِ الخيبةِ عندما عرفتُ أنَّ الوحيد معفًى من الخدمةِ العسكريَّةِ، وقد كنتُ وحيدا لوالديَّ، وهذا أولُ حلمٍ مُجْهَضٍ، ولأنَّ كتبي كلَّها لم تَعُدْ تحتوي على خارطةٍ لفلسطين، كنتُ أشعرُ بشيءٍ من الرَّاحةِ، أولِنَقُلْ عدم الشُّعور بالذَّنب أو العجز!
  بقيت مصرًّا على أنَّني سأكونُ بطلا، عندما اشتعلتِ المظاهراتُ في شارعنا، أدركتُ أنَّها الفرصةُ السَّانحةُ لتحقيقِ الحلمِ، هتفتُ بأعلى صوتي، وأخذني الحماسُ بعيدا، فقفزتُ من بوابةِ بيتي المرتفعةِ عن الرَّصيفِ، وفتحتُ عينيَّ على شَعْرِ الممرضةِ يداعبُ وجهي، وهي تحاولُ أن تمسحَ الدَّمَ عن جبهتي، وحولي العديد من أقاربي وأهلي في مستشفى المواساة القريب من منزلي، وأخبرني من تطوَّعَ من الحاضرين لسردِ قصة إسعافي وسقوطي عند البوَّابة وفقداني للوعي حينها، وضاعتِ الفرصةُ الثانيةُ!

 هاجرتُ للخليج، وعملتُ بكدٍّ خلال عشرات السِّنين، وعادتْ إلي روحُ البطولة قائلا: هذه المرَّة لن تفلتَ منِّي، وسأكونُ حذرا مستفيدا من أخطاء الماضي، سمح لي مركزي بالشَّركة من معرفة أسرارِ العملِ كاملةً، وكوَّنتُ سُمْعة ًطيبةً في التَّنفيذ والتَّعامل مع العملاء.
في الاجتماع الأخير لمجلس الإدارة، لاحت لي فرصةُ البطولة، وعزمتُ على عدم تفويتها ككلِّ مرة، قال المديرُ العام: سنحققُ رِبْحًا مُضَاعفا في حال نفَّذنا خطةَ المستشار جيمي هَانون( جميل حنون)، وهو الذي كُنَّا نلقبُّه ” الكديش” واستحق هذا اللقب لأنَّه ينكرُ أصلَهُ العربيَّ بعد حصوله على جنسية أمِّه البريطانية، وطلبَ مِنِّي أن اطَّلعَ عليها للتنفيذ، اعتدلتُ في جِلْسَتي، وشربتُ قليلا من الماء، وقلتُ:
– هذا تلاعبٌ وغشٌّ !
– أف، أف، هذا كلام كبير!
– نعم، غشٌّ وسرقةٌ وفسادٌ، كيف نستبدلُ الموادَّ الصينيةَ بالموادِ الأوروبية المتفقِ عليها؟!
تغيرتِ الأجواءُ، اكفهرَّت وجوهُ أعضاءِ المجلسِ، وسمحَ ” الكديش” لنفسه بسيل من السّبابِ مستخدما لغة الشَّوارع الخلفية التي يتقنُها تماما! ووصفني بالحمارِ المغفَّل!!
وهأنذا أجلسُ في المقهى المجاورِ لبيتي، مع مجموعة من العاطلين أو المطرودين مثلي أو المتقاعدين أبحث في قائمة الطَّعام عن أيِّ المشروبات أقل سعرا من الآخر، ولا أذكرُ صديقا واحدا اتَّصلَ عَلَيَّ منذ شهرٍ، وكلُّ مساءٍ أجلسُ تحتَ صورةِ جَدِّي بشاربه الكثِّ، وعينيه السَّوداوين العميقتين، الذي سقط عن ظهر بغلته أمام مبنى الحامية الفرنسيَّة في مدينتنا، فدُقَّتْ عنقه، ومات بعدَ عِدَّة أيامٍ، ثم علقَّنا صورته في كل بيوتِ القبيلة، وكتبنا تحتها:
” الشهيد البطل الذي دوخ الفرنسيين”، الوحيدُ الذي مازالَ مُصِرًّا على أنَّني بطلٌ ووارثٌ للبطولةِ، ومن سُلالةِ أبطالٍ يشهدُ لهم التاريخُ، هو ابني !.

 

أديب وقاص سوري_ الرياض*

One thought on “تَارِيخٌ رَمْليٌ لِبَطلٍ

  1. أقدر اهتمامكم، أرجو للنادي الأدبي بالطائف ولكل أعضائه وإدارته دوام الإبداع، معا نحو أدب رفيع يرتقي بأجيالنا، نحو فكر إنساني حر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *