الأكثر مشاهدة

د.المختار النواري*  يُعتبر العنوان أيقونة كل عمل إبداعي، كتابي أو غير كتابي، وال …

“كأني… من جديد” جديد الشاعر الحَسَن الكامَح

منذ شهرين

76

0

د.المختار النواري*

 يُعتبر العنوان أيقونة كل عمل إبداعي، كتابي أو غير كتابي، والشأن نفسه يأخذه الاسم من البشر، وتُحشد له من التعبئة الفكرية، والمهارات اللغوية، والبراعات الإبداعية، ما لا يحتشد للنص بأجمعه، فيكون بمثابة إخراج ثان للنص، وكتابة رديفة له، على اعتبار أنه، وربما قبل الشروع في تأليف العمل، وخلاله، وأثناء تصنيفه، إن كان كتابًا، وتأليفه إن كان نصًّا محدودًا، وبعد ذلك كله، مؤشرًا عليه. وعلى إثر محاولات جمة، يعتريها التبديل والتغيير، والزيادة والحذف والتشطيب، يستقر العنوان، أو يكاد يستقر، وقد يخرج العمل من يد صاحبه، أو يغادر المطبعة، ويخرج للناس، وفي النفس شيء من العنوان.

غير أنه، وفي حالات محدودة جدًّا، تأتي هندسة العمل كله، تأليفًا أو تصنيفًا، نصًّا محدودًا أو كتابًا، نابعة من العنوان، فتتقدم صياغته ونضجه على العمل، ويستقر في نفس صاحبه، وعليه يبنى النص، الذي ينبثق منه، ويتولد عنه. وإن كان في هذه الحالة أيضًا لا ينجو مما يعتريه، ويعتري صاحبه في الحالة الأولى، ولكن بحدة أخف، وضغط أقل. فما إن يتضح العنوان، ويستقر في نفس صاحبه، ناثرًا أو شاعرًا، حتى ينطلق في تأليفه للعمل. وإن كان هناك من اضطراب يعتريه، فإنه لا يكاد يخرج عن الاستقرار على الصورة النهائية للعنوان في جزئية من جزئياتها، وتفصيل من تفاصيلها، فيبقى التردد حول صيغتين أو ثلاث، لا أكثر، وباختلاف حول الصياغة النهائية، لا تمس الجوهر.

وقد كانت هذه الحالة للعمل الأخير لأخينا الحسن الكامح في اهتزازه الثاني عشر، الذي يعده جزءً ثانيًا من سيرة القصيدة، وكان جزؤها الأول بعنوان “أنت القصيدة”، الاهتزاز السابع، وقد صدر سنة 2015. واختار لهذا الجزء الثاني عنوان “كأني.. من جديد” الصادر سنة 2023 عن مؤسسة آفاق في مائتين وعشرين صفحة.

لقد كان عنوان هذا الديوان فعلًا منبع النص، الذي كان عبارة عن نص واحد، سميناه فيما سبق “الديوان القصيدة”، وكان بوتقته، التي منها خرج، وعنها صدر، لا أقول يُفصِّل فيه العمل ويشرحه، وإنما يُكتب حوله، ويشرح محتواه، ويعرض لجزئياته، وأهم محطاته، ويوضح الكثير مما يراه يحتاج للتوضيح، ويجيب على الكثير من الأسئلة، التي يطرحها الشاعر على نفسه، ويراها تستحق التوقف عندها، والإجابة عليها، من منطلق أنه يتوقع طرحها من لدن القارئ. ويلخص تجربة الشاعر وتصوره، وغايته من العمل وفلسفته فيه. فمن الأعمال ما يُكتب العنوان حولها، فيكون كالتكثيف والتلخيص لها، ومن الأعمال ما تُكتب حول العنوان، فتكون كالشرح والتفصيل له. وعمل الشاعر الحسن الكامح من هذا النوع الأخير.

فكل هذا الذي بسطناه يجعل عنوان “كأني… من جديد” عنوانًا أساسًا، منه انبثق العمل، وعليه تأسس، فكان ذلك مدعاة ليفرض على الشاعر هندسة تصنيفية، وتصميمًا للديوان، نضج في نفسه قبل الكتابة، والتزم به، وصار عليه، فلا يخرج عنه إلا في التفاصيل، وداخل المقاطع، وبين الوحدات، وبناء الأبيات، أما الإطار العام فقد ظل واحدًا موحدًا، يحكم العمل في بدايته، وخلال أهم محطاته، والتزم به حتى نهايته.

وتصبح الحقيقة: “كدت أن أكون أنا ذلك الذي يتجدد”، ولكن دائرة التشبيه، وقياس التقريب، يحكمانها بالانقلاب، خيالًا وزيفًا وبطلانًا، قابلًا للحديث عنه… وللتصور يصلح، ولكنه يستحيل أن يتحقق. والحصيلة هي: “كأني أتجدد، ولست كذلك”؛ أو “كأني أنا مرة أخرى، لا متكررة، وإنما متجددة، ولكن الأمر ليس كذلك”.

كان للعنوان “كأني… من جديد”، بمقاطعة الأربعة (أداة التشبيه ـ الذات المتكلمة ـ الإيقاع الحدثي ـ نقط البتر) تناسل داخل الديوان كله.  

وقد سجل العنوان أكثر من حضور، ليثبت سيطرته على الديوان، والتحكم فيه، وإخضاعه له؛ وليؤكد بأنه هو الأصل، الذي نبع منه الديوان، ليس العكس. وكانت لهذا الحضور تجليات، يمكن حصرها على مستوى العبارة في:  

1- عنوان المقاطع: وقد تحدد المقطع بعنوان الغلاف (كأني… من جديد) مع علامة طباعية (ⱱ)، واستمرت العلامة الطباعية مع التغيير في العنوان بالزيادة (كأني أنا من جديد)، وتموضع خارجها في:

ـ أ بداية الصفحات؛ 

ب ـ نهاية الصفحات؛

ج‍ ـ أواسطها.

2ـ التغيير في عبارة العنوان بالحذف: بصيغ لفظية منها: كأني ـ كأني… وكأني ـ من جديد ـ جديد، وكثيرًا ما تحتل آخر الصفحة، أو آخر السطر، وبعضها يقارب المئة استعمال.

3ـ التغيير في عبارة العنوان بالزيادة: كأني أنا من جديد ـ وكأني أنا من جديد ـ كنت كأني أنا من جديد ـ وكنت أنا من جديد ـ كأني ما أنا من جديد ـ كأني هنا أولد من جديد ـ كأني أنا هنا من جديد ـ كأنك من جديد ـ كأنك أنت من جديد…

4ـ التغيير في عبارة العنوان بالتغيير: كأنكَ من جديد ـ كأنك أنت من جديد ـ كأنها من جديد ـ كيف لي أن أجدد؟ ـ كيف لي أن أتجدد من جديد؟ ـ كأنك أنا من بعيد ـ أنا أبدأ من جديد ـ أولد من جديد ـ أنا هنا من جديد كأني أنا ـ لا تقل من جديد أعود إلي كأني أنا من جديد ـ عساني أنا ما عدت إلي من جديد ـ دعني أجدد العهد بي… 

“كأني… من جديد” وكأني أنا من جديد” هل هو عنوان، أم عنوانان؟ هل تغير المواقع يقضي بتغيير العنوان؟ هل هناك عنوان أصلي وبديل؟ أيهما المرجح أكثر؟ متى؟ ولماذا؟

حينما يتكرر العنوان الخارجي داخل النص، هل يفقد خاصيته العنوانية، أم أنه يراكمها، ويزيد عليها دلالات جديدة، وإفادات إضافية مغنية، وبحسب التكرار تزيد تلك الدلالات والإفادات؟

هل كلما استُعملت عبارة العنوان داخل النص، تحمل معها المؤشر العنواني، مع تبديل الموقع؟ هل تتحول إلى عنوان داخلي؟ ألا تنبه في النص، وهو يستعمله كل مرة، الحس العنواني؟ ألا تشعر القارئ بذلك، وتصبح علامة على محطات داخل النص، تعلن بدايتها وخصوصيتها، وتتحول إلى فاصل بين محطتين، لهما خصوصياتهما ومميزاتهما؟ ألا يكون ذلك إعلانا عن انتهاء سابقتها؟ 

ألا تدل المؤشرات العنوانية، بلفظها ومعناها، المتكررة داخل النص، بمثابة فرض لقوة العنوان وسيطرته؟ هل يمكن استبعاد دلالتها العنوانية من ذهن الشاعر، وهو يكتب النص، أو من ذهن القارئ، وهو يقرِؤه؟ 

إذا كان العنوان بمثابة الرأس من الجسد، والإعلان عن البداية والانطلاق، فإن ذلك لا يبقى صحيحًا، إلا مع العنوان الخارجي، الذي يُرسم على غلاف الكتاب، وعلينا أن نعيد النظر في هذه القناعة، حتى بالنسبة لعنوان الديوان، وهو يغير موقعه داخل عتبات من النص الخارجية، وبالنسبة لاستعماله عنوانًا داخليًّا، وبصورته الحرفية (كأني… من جديد)، وبتعديل قليل فيه (كأني أنا من جديد، وبتعديل كثير، ظاهر وخفي، وكما مثلنا عليه.

إن دلالة التجدد التي يحملها الشاعر شعارًا عريضًا في العنوان، قد حكمت حتى العنوان نفسه، ولذلك رفض أن يقدِّم نفسه، أو أن يُقدَّم، بصورة واحدة. وعليه فإن موضوعة التجدد المستمر من قدرات الشاعر، التي تعترف له بالشاعرية، وتعلي درجته منها القدرة على توليد اللغة، وخلقها، والإبداع فيها، والتصرف فيها بألوان الانزياح والمجاز، والإخراج عن المألوف، السمعي والتوظيفي، ومفاجأة القارئ بالتجديد فيها.

 

_________________

1 ـ الديوان: 45، 51، 57.
2 ـ نفسه: 9، 25، 33، 39، 67، 75، 85، 93، 99، 111، 125، 133، 139، 147، 153، 159، 165، 171،181، 191.
3 ـ نفسه: 96، 134، 135، 136، 192، 193، 194، 197، 198، 200، 201، 203، 208، 210.
4 ـ نفسه:104.
5 ـ نفسه: 58، 59، 126، 156، 164، 194، 195، 208.

 

*ناقد من المغرب

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود