الأكثر مشاهدة

عبد النبي بزاز* لعل ما يميز نصوص «شريط آخر المساء» القصصية للقاص المغربي المصطفى …

“شريط آخر المساء” التنويع القصصي

منذ 3 أشهر

456

0

عبد النبي بزاز*

لعل ما يميز نصوص «شريط آخر المساء» القصصية للقاص المغربي المصطفى كليتي، هو ميزة التنوع التي تجلت في متنه القصصي انطلاقًا من التفاوت الحاصل بين طول وقصر الحجم، والنفس السردي، حيث تتميز قصص (كاستينغ، وحي العميان، وجدول الضرب، وسيرة الأصدقاء، وحرارة، وعندما ينكسر الزجاج، وعكاز مراهق لشيخ نزق، ومطعم الأم رحمة، وكرم، ورواية رجل متعب، ورنين الروتين، والعناق الأخير) بخصوص التكثيف، وقصر الحجم مقارنة ببقية النصوص. وهو تنويع يمس الموضوعات والعناصر القصصية في توظيف لموضوع الفانتاستيك ببناء وتشكيل الأحداث، والموضوع  التاريخي والاجتماعي، وعناصر كالمفارقة والاستيحاء… التي سنعمل على مقاربتها في هذه القراءة.
ويتجلى ذلك فيما يميز بعض الأفعال من نزعة غرائبية تتمثل في صباغة الليل “أصبغ الليل” ص19، والنهار “فأنا واقف هنا لأصبغ النهار…” ص 20، وحالة الحروف الغريبة وهي تتقافز، بل تحمل سلاحًا، وتطلق النار “تقافزت الحروف مدججة السلاح ـ حتى الأسنان” ص29 ، بل غدت كتيبة عسكرية “كانت الحروف كتيبة جند انتابتها حمى هستيرية…” ص 31، فينتقل العنصر الغرائبي إلى مستويات دلالية أخرى “ـ يا للهول! سكنت ـ نشرة الأخبار ـ عظامي، وأنبتت سدرة شوك تلولب متعرشًا في مسامي…” ص 30، لنغدو أمام صورة مجازية متشابكة المعاني، عميقة الدلالات.
وفي مشاهد أخرى يتضاعف المنسوب الغرائبي، وتتعدد أشكاله “مسكت الجريدة، فألفيت حروفها المسكوكة نملًا يتحرك في كل الاتجاهات…” ص 39، في تحول لحروف الجريدة إلى نمل متحرك، وإنجاب امرأة لكائن غريب يشبه «البوكمون» “امرأة تلد كائنًا غريبًا، يشبه إلى حد ما…” ص 83، أو السوبرمان الذي ظهر في سوق الخبازات واختلط بالناس  وما صدر عنه من   سلوكيات غريبة” بات كلما لامست يد السوبرمان شخصًا اختفى توًّا.. فأذهلت الواقعة الناس… فتح علي الورقة التي تبهره تزواقها… فما عتم أن اندفع من تلافيفها السوبرمان، ونشأ تدريجيًّا يتمطى، ويتطاول مطلقًا صرخات مدوية رهيبة” ص 103، ليغدو شخصًا مألوفًا لا يرعب الكبار ولا حتى الصغار الذين تجرأوا على دعوته للعب معهم “ـ سوبرمان! سوبرمان! آجي الْعب معايا!” ص 104، وإن كان للطابع الغرائبي الفانتاستيكي حضور في كثير من مشاهد المجموعة والعناصر التي تتشكل منها نصوصها، إلا أنه لا بد من الإشارة  إلى جوانب مثل المفارقة التي تمثلت في  الحيوانات كاللبوءة، والأسد، والفهد، والأفعى، والثعلب، والضبع، والزرافة التي وردت في مستهل النص «الإرهابي» “طرقت  اللبوءة ـ رئيسة الجلسة والنائبة عن حضرة الأسد الغائب عن النوازل  والأزمات ـ طرقات على المنصة لافتة الانتباه… أشار الفهد الأرقط طالبًا نقطة نظام…” ص 4، مستطردًا  في تصوير الحيوانات وأنسنتها عبر مشاهد غريبة “فحت الأفعى الجوالة زاحفة إلى المجلس بارتباك…” ص5، لتتوالى المشاهد والصور في شكل عجيب “انتفض الثعلب مثبتًا نظارته على أرنبة خيشومه الأفطس الكالح… الضبع بصوت مرتفع ودون استئذان صاح… دمدمت الزرافة… مسح الضبع الغزالة بنظرة شزراء…” ص6، بمساهمة حيوانات أخرى؛ كالفيل، والحمار، والقرد “فالفيل برفيع قدره ومقامه وحجمه… الحمار وقد استيقظ من غفوة… ليطرد القرد الذي يناوشه بعناد…” ص 7، وما ينعمون به من مستوى عيش راق ومتطور ينظم علاقاتهم، ونمط تواصلهم كما ورد على لسان دمنة:
“ـ يسعدني أن أزف إليكم هذه البشرى، وأقرأ عليكم ما هو مكتوب على اللوح الإلكتروني…” ص 7، باستعمال الحاسوب، في اتساق مع طابع أنسنة الحيوانات فيما تقوم  به من مهام .
“كانت الأفعى المسؤولة عن المخابرات العامة…” ص9، وتسيير اللبوءة لإحدى الجلسات نيابة عن الأسد الغائب، في جلسة يتخللها نقاش أطرافه؛ الفهد، والأفعى، والثعلب، والزرافة، والضبع، والحمار. والحوار الذي دار بين كليلة ودمنة خلال مشهد فانتاستيكي: “قالت دمنة لكليلة نافثة دخان سيجارتها، راشفة بين الآونة والأخرى، حسوة من قهوتها السادة… أجابت كليلة قائلة وأوراق ملف مفرودة على مكتبها…” ص 11، فتتكامل عناصر المفارقة بما تصوره من حياة يسودها نظام في العلاقات، وتنتظمها أدوات اشتغال حديثة كالحاسوب تجمع بين شخصيتي (كليلة ودمنة) المستوحيتين من كتاب ذي أصول هندية ترجمه من الفهلوية إلى العربية عبد الله بن المقفع. وحيوانات كالأسد، واللبوءة، والضبع، والثعلب التي تتداول عبر حوار راقي ومحدد شؤون الغابة، والوسائل الكفيلة بالمحافظة على أمنها: “لقد تمكن «كومندو» مكون من خيرة القطط المدربة على تقنيات المداهمة والتدخل السريع من الفتك المارق…” ص 8، قطط تساهم في حماية الغابة، والتصدي لما يمكن أن يزعزع أمنها واستقرارها: “اشتبه أحد قطط  الحراسة بفأر سائح فطارده زمنًا؛ فانفجر في مسارب جوفية…” ص9، وموازاة مع عنصر الشخوص وما عرفه من تنويع، فإلى جانب كليلة ودمنة وفصيلة الحيوانات، وظف القاص الحروف: “كنا نروح أنا و«حاء» إلى الشقة مكدودين…” ص 79، وفي نص «خارج الإطار»: ” ـ أ: ذكر «س»…” ص 102، أو اختيار ضمير كشخصية: “قفز السيد « ضمير» من متحفه وقال…” ص 125، وما تتضمنه كلمة «ضمير» من أبعاد دلالية ورمزية. واستخدم القاص عنصر الاستيحاء الذي أضفى على نصوص المجموعة غنًى في التعبير، وعمقًا في المعنى، سواء من النص القرآني كما في: “ووجدت الشباك مخرجًا ومنفلتًا عن عيون الحراس الغلاظ الشداد…” ص 27، من سورة «التحريم» باستبدال (ملائكة) ب (حراس)، وفي نص «موال على البال» : “يا صراصير العالم.. اتحدوا.. اتحدوا” ص 38، نفس الطريقة استعملت بتغيير (عمال) الواردة في البيان الشيوعي الذي دونه ماركس وإنجلز سنة 1848 ب(صراصير) ، وما ينطوي عليه ذلك من معاني قابلة لمختلف القراءات والتأويلات. والجانب التاريخي المتجلي في حدث استباحة القدس الشريف على يد الصهاينة، وما خلفه من حزن وغم في نفسية الجد: “وبكى جدي، يومها، حتى اخضلت لحيته وتندت بدمعه الواكف… وينتهي قائلًا بصوت مخترق النبر: البيت يا ولدي قدس الأقداس أضحى مدنسًا بأرذل الناس…” ص 31. والحلم وما أضفاه من سعة وعمق على الحيز القصصي: “بعد تردد حملت السيف… دنا مني الفارس مهاجمًا، وهو يصوب سيفه نحوي، لذت بالفرار. من الجهة الثانية، واجهني فارس ملثم، وبيده سيف طويل، وهو يمتطي جوادًا أدهم…” ص 56، حيث عاش السارد أطوار حلم مزعج، عانى فيه ألوانًا من الرعب والهلع في مواجهة غير متكافئة مع فرسان أكثر تمرسًا وشراسة، إلى أن لاح له طوق نجاة: “إذا بمروحية تمور خضراء كجرادة شاردة منفلتة من بين الحقول. رمت بحبل النجاة فتمسكت به بخفة قرد درب…” ص 56، تلاها تصوير حالة النوم التي استغرقته: “فتعمدت تعليق جسمي المقرور بالبطانية من جديد…” ص 56، وبمسحة فانتاستيكية تمثلت في حلول شهرزاد لإعادته للنوم عبر فصول حكي مُطَمئِن وهادئ: “لست أدري من أين أتت شهرزاد. جلست جلسة ملائكية، تمسد رأسي بحنان وتقلب صفحات الحكايات لكي أنام…” ص8، وما يتضمنه من  سمة  غرائبية تمثلت  في حضور شهرزاد، وما أغدقته على شخصية السارد من عطف وحنان توجته بالنوم على إيقاع حكاياتها. وتطرقت النصوص للموضوع الاجتماعي في تصوير لما تعيشه فئة عريضة داخل المجتمع  من بؤس وخصاص معيشي كما في نص «القفة»: “وصداع الأطفال أخرجك عن طورك. نزعت عليك الغطاء، وقمت فأشبعتهم عصا…” ص 62، مع ما تتطلبه حياة الأسرة من مصاريف: “قالت لك… وهي عاكفة على جفنة الغسيل: ـ السكر تقاضى…” ص 62، ما يولد لدى الأب من إحساس بالعجز والتقصير في توفير حاجات أبنائه المعيشية: ” ألقيت نظرة عجلى على أبنائك الخمسة، ثم أعدت النظر وأنت تتحسر على شقائهم…” ص63، موضوع يصرف على شكل احتجاجات تقودها الفئات المعوزة مطالبة بحقها في توفير الطعام: “كانت اللافتات والشعارات الضاجة تملأ المكان: ـ الخبز.. الخبز.. الخبز…” ص 111، و تميزت لغة النصوص وأسلوبها بنزعة التنويع التي انتهجها القاص بين ما هو مجازي: “كان قلبي حصانًا يركض في البراري…” ص 23، في تصوير لحالة القلب إثر شعور بحالة انفعال، وتراثي عبر لغة رصينة: “وانثالت الأنغام العذاب، وأخذت بمجامع الألباب.. ونقر نقرات أمالت الرؤوس، وتمايست لها الخصور وتهدلت الشعور..” ص26، وتصوير للحروب القديمة: “والحناجر تصيح من هول الحرب، ولا تسمع عدا صلصلة الرماح، وقعقعة السيوف، ورشقات المجانق، وانخطافات السهام القاصمة…” ص55، بلغة تمتح من معجم تراثي، وأسلوب دارجي في عبارات مثل: “حتى تشوف آلميمة هاد الكولية آديوانة…” ص 92، و: “ماشي غير جا وخوا لبلاد…” ص 94، ولا تخلو أحيانًا من نفَس حِكَمي: “إيه والله حتى خيمة ما ترسى بلا وتاد…” ص 94، أو أجنبي إنجليزي: “Welcome …Welcome…  Welcome..” ص 95، أو فرنسي: “BAISSE LE VOLUME S IL TE PLAIT!” ص139. وفي توظيف لأعلام بارزين في مجال الشعر والأدب كالمعري والمتنبي: “بدا المعري مسترسلًا داخل قشابته الفضفاضة الداكنة… اندفع المتنبي منفلتًا من الصفحة 423 هاجيًا العالم الذي تنكر له بفظاظة…” ص 57، أو العلوم كإنشتاين، والرواية كهمنغواي: “لاح لي «انشتاين» مخرجًا لسانه بطريقة كوميدية، و«همنغواي» منغمر في إشعال غليونه المعقوف ذي الفتائل الدهماء المتماوجة كقطار بخار هادر…” ص57، في تصوير ذي أبعاد دلالية ورمزية تغني نسيج المتن القصصي، وتساهم في تنويعه.

نصوص «شريط آخر المساء» تجربة إبداعية بأسلوب سردي اعتمد فيه القاص المصطفى كليتي، عناصر وموضوعات أرست أسس رؤية ونهج قصصي رسم ملامح وسمات تغيير بارز، وتجديد جليّ.

*كاتب من المغرب

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود