الأكثر مشاهدة

علي التتان الساحات من حوله مزدحمة، الوجوه ضاحكة، وأنغام معزوفاتٍ مألوفة تتداخل ف …

ذكرى رائحة

منذ 3 أسابيع

112

1

علي التتان

الساحات من حوله مزدحمة، الوجوه ضاحكة، وأنغام معزوفاتٍ مألوفة تتداخل في أذنيه. شرائط الزينة الملوّنة تعلو الطرق التي يسيرها والباعة يقتربون منه في كل حين: “تفضّل هنا، جرّب هذه المدعكة”، “ابتع هذه اللعبة لعيالك”، “هل جرّبت عصيدتنا من قبل؟”. يتجاوزهم دون اكتراث، دون أدنى التفاتة. كانت الشيء الوحيد الذي استرعى اهتمامه على الرغم من محاولاته الزائفة بتجاهلها.  تستقر وحدها هناك في آخر الطريق، تنتصب وراء طاولة خشبية مهترئة الأسطح تعلوها عشرات القوارير وعدد لا يحصى من سلال التوابل.

لماذا قرر التوجّه إلى تلك الخيمة؟ لا يدري، لا يملك تبريرًا لذلك. شعور لا يفهم كنهه يحرّك جسده إلى حيث تكون. لم يكن يرى في فوضى ذلك المكان سواها. كان يسير ناحيتها وشمس الغروب تطبع الأحمر القاتم على أحافير وجهه وشعراته الرمادية.

حينما اقترب لاحظ خلوّ المكان من الزائرين، وكأنه وحده من يستطيع الوصول لهذه الخيمة. أحسّ برهبة تأخذه وبرعشة تسري في جسده حينما حاذى المدخل. صارت نفسه تسأله: “هل تقبل بكل ما سيجرّه إليك الولوج من هذا الباب؟ “تمتم بإذعان تلقائي: “أقبل”.

ما الذي قد لا يقبله وهو الذي ما عاد يطيقُ الشهقات التي تغصبه رئتاه عليها. ما الذي قد يمنعه من الدخول وهو الذي يلعن كل صباح أجفانه التي تفتح أبواب وجوده على الحياة. لا يهمه إن كان في الداخل حفرة من اللهب أو وحش مطلَقَ السراح. كلّ ما كان يرغب به هو الخلاص، أن يختفي حيّز الذاكرة من عقله بطريقة أو بأخرى. كان يكره الذكريات، يمقتها، لأنه يرى بها سعادة كانت بحوزته يومًا، ولم تعد كذلك. لهذا كان دائمًا ما يهرب من ذاكرته. يهرب من شواهد القبور، من الروائح، من الأماكن، من وجوه الناس التي قد تخلق من شبه الخيط ذكرى. يهرب من كلّ شيء لأنه لم يعد يُتقن سوى الهرب.

أغلقَ عينيه. تحرّك إلى الأمام ثلاث خطوات. أحسّ بتغير هائل في محيطه. لفحه نسيم محمل برذاذ المطر، ودخل رئتيه هواءٌ في غاية النقاء، وكأنه لم يتلوّث بزفير بشر أبدًا. قرر فتح جفنيه، للمرة الأولى منذ زمن بعيد يفتح جفنيه طوعًا. كان في منتصف هضبة عالية، يحيط بأطرافها المتباعدة الضباب. الأرض من تحته خضراء يطول عشبها حتى يصل منتصف ساقه. الصمتُ طاغٍ ولا شيء يُسمع سوى اصطدامات الهواء الخجل بجسده.

جذبت انتباهه أجسام كروية قاتمة اللون تتدلى من سحائب قطنية الشكل واللون. كانت الأجسام في مستوى قامته، يربطها بالسماء خيط رقيق من الدخان، ويحيط بكل كرة هالةٌ من الألوان، وكأنها جرمٌ سماويّ يتوسط مجرّة.

اقترب من إحدى الكرات. فحصها بنظره. مدّ سبابته ناحيتها. لمسها. انشقت نصفين. تراجَعَ قليلًا إلى الخلف. خيوطٌ من الألوان تتسرب من الشقّ وتحملها الرياح الرقيقة تجاهه. تجمَّد للحظة. لم تكن تلك الألوان سوى مزيج رائحة ما. تذكِّره بشيء! هي وجبة المكرونة التي أكلها في روما خلال شهر العسل مع زوجته. أغمض عينيه واستنشق الرائحة بملء أنفاسه. فتحهما. وجد نفسه في المطعم ذاته. زوجته على الكرسيّ أمامه تبتسم، وخيط من الجبنة السائلة يتدلى من زاوية فمه، يسحبه بشهقة واحدةٍ إلى داخل تجويف فمه فيتلوث جميع وجهه. زوجته تقهقه. يحاول تنظيف وجنتيه وإخفاء اضطرابه، ثم ينفجر مقهقهًا معها. يُغلق جفنيه. يفتحهما. ها هو قد عاد للهضبة الصخرية. يطالع الكرة. تلاشت خيوط الألوان. لم تعد هنالك رائحة.

اقترب من كرة أخرى. تأمّل غيمتها البيضاء في السماء، يحاول فكّ غموض هذا السحر. لمَسَ الكرة فانشقَّت. خيوط الألوان تداعب أنفه. ميّز الرائحة مباشرةً. أغمض عينيه محاولًا سجن دمعات تحاول الفرار. فتحهما. عمره سبع سنوات. منهكٌ على سريره بسبب الحُمى. وبجانبه امرأة تحمل أعذب ملامح الكون على وجهها. “أمي هذه البطانية تجعلني أشعر بحرارة لا تُطاق”. ويبكي الطفل. تنهض الأم وتأتي برداء صلاتها الذي يحبه، ذاك الأبيض المنقَّش بزهور بنفسجية صغيرة. تفرشه على جسده. يحتضنه ويغطي وجهه به. يستنشق الطمأنينة في الرائحة العالقة بالرداء. يهدأ ويشعر بالأمان. يستنشق الرداء مجددًا. يستنشقه مرّة بعد مرّة بعد مرّة. تهدأ حماه ويغفو. يستيقظ. تلاشت خيوط الألوان. جلس أسفل الكرة الفارغة يحاول كبح الأحاسيس العالقة بتلك الذكرى. لا يستطيع. يبكي بضع مرّات، ويبتسم بضع مرّات.

نهض. لم يقاوم الرغبة بلمس كرة أخرى، ففعل. انشقت نصفين. خيط الألوان يتجه ناحيته. رائحة كريهة، لكنها غير منفرة. أحسّ بنوع من الألفة فيها. ميَّز أنها رائحة أنفاس كلبته. يغمض عينيه. يفتحهما. ها هو يجتاز باب منزله. زوجته على الأريكة والكلبة بجانبها. تسمع الكلبة صوت الباب فتركض إليه. تقفز بسعادة لرؤيته وتنبح مرّة بعد مرّة. تهرول في حلقات حول جسده. يحتضنها في محاولات يائسة لتهدئتها فيفشل. تداعبه فيضحك. تلعق وجهه فيقترب لسانها من جانب عينيه. يغمضهما. يفتحهما. الكرة فارغة مرّة أخرى. يبتسم.

كُرةٌ أخرى يلمسها. تهرب الألوان من بين شقّيها وتخترق حواسه. ميَّز أنها رائحة فاكهة “اللوز” التي لا تنبت إلا في مسقط رأسه؛ قريته الصغيرة التي غادرها في عمر الطفولة. يغمض عينيه. يفتحهما. يرى نفسه برفقة أصدقائه القدامى. كانت ملامح وجوههم غير واضحة في مشهد الذكرى هذا. يتسلقون سور أحد المنازل، يقتربون من شجرة اللوز، يقطفون الحبات الحمراء منها ويتركون الخضراء أو يستخدمونها في رجم بعضهم البعض. يستغرقون في الضحك وهم فوق سور المنزل، ثم يستغرقون في الضحك أكثر بعد ملاحقة صاحب المنزل لهم حتى يتبول أحدهم في ملابسه. يقهقه حتى تدمع عيناه. يغمضهما. يفتحهما. الكرة فارغة.

صار يلمس كرةً تلو كرة. الألوان تنهمر تجاهه بروائح الذكريات التي تحمله إلى أزمنة وأمكنة مختلفة. جميع المشاعر التي تنتاب البشر صارت تتناوبه. كان يبكي حينًا ويضحك حينًا. يتوتر لحظة ويطمئن أخرى. كل شيء يجري في حدود المُحتمل، إلى أن لمس تلك الكرة.

خيوطٌ من درجات الرمادي تسعى نحو أنفه، يعرف تلك الرائحة. ارتفعت وتيرة نبضاته بشدة، كان يعلم أي ذكرى سيغادر الآن إليها. خيط الكرة الممتد من الأعلى يتراقص، يتابعه ببصره حتى السماء، يراه متّصلًا بغيمة سوداء عاصفة، ينهمر المطر كشلال، تدخل في عينه قطرة. يُطبق جفنه عليها ثم يفتحه، فيرى نفسه قد رحل للذكرى.

نهر من الدم يجري أسفل قدميه، يخطو عدّة خطوات للأمام. كلبته مطروحة على الأرض الخشبية. يجثو صارخًا، يقلّب جسدها، كانت ميتة. عقله يستصعب معالجة الأمر. ما زال يحاول أن يفهم. يلحظ شيئًا آخر في لحظة هستيريته: خيط الدم لم يكن قادمًا من الكلبة.

أغمض عينيه. فتحهما. سقط على الأرض، تكوّر على نفسه وصارت الدموع تزخ من مقلتيه. كانت أول مرّة يسترجع فيها تلك الذكرى بعد حدوثها. كانت مدفونة في ظلمةٍ ما داخله، ولم يحدث أن سمح للنور بالوقوع عليها. لكنه الآن يسترجعها ويسترجع كلّ تفاصيلها: تحقيق الجهات الأمنية معه، خواء المنزل، أنه لم يبك هذه الذكرى أبدًا قبل الآن.

فتح عينيه أخيرًا حينما انتهى طقس بكائه المؤجل. رأى نفسه مستلقيًا تحت أغصان الشجرة الضخمة. لم تكن طاولة التوابل هنا، لم تكن الخيمة هنا. نهض من مكانه، سار مخترقًا الحشود. يحدثه الباعة فيبتسم لهم. يطالع وجوه البشر، يتفرس فيها، يتآلف في داخله معها، وكأنه يكتشف للمرة الأولى أنهم يشبهونه تمامًا. ينظر للتفاصيل من حوله، يسمح للألوان بالانهمار، يسمح للروائح أن تؤدي سحرها، يسمح للذكريات باقتحامه: رائحة الذرة المشوية، رائحة البخور الشرقي، رائحة ألعاب نارية يشاكس بها الأطفال بعضهم، رائحة.. ورائحة.. ورائحة… 

وصل إلى وجهته، قرأ الفاتحة ثم دخل المقبرة! 

* كاتب من السعودية

التعليقات

  1. يقول ليلى علي:

    السلام عليكم ما شاءالله ولد الخال مبدع مبدع 🌹

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود