بلاغة الأزمة في قصيدة “كورونا” للشاعر عبد القادر عبد الحي كمال

       

 

بلاغة الأزمة في قصيدة كورونا للشاعر عبد القادر عبد الحي كمال

د. مصطفى الضبع* 

                                                   

لأن الشعر دون غيره من فنون الإبداع أكثر قدرة على الإمساك باللحظة العابرة، فإنه أكثر استعداداً لاصطيادها مهما كانت ظروفها، ومهما تعاظمت آثارها، وفي ظل الأزمة العالمية الأخيرة، نشطت الأقلام لمجابهة المحنة ومحاولة التعبير عنها أو محاولة التأسي من آثارها، والخروج من آثار الحجر المنزلي الذي لم يكن قبوله ترفاً أو الصبر عليه اختياراً، وعلى الرغم من هذه الخاصية فإن الظروف – ربما النفسية – حالت دون تفعيل خاصية الاستجابة الشعرية، ولم ينطلق الشعر كعادته في ظروف لها طابعها الدرامي حد المأساوية.

في لحظات الضيق يتسع أفق الخيال بحثاً عن مخرج، وتشتعل الذاكرة بحثاً عن ملجأ، أو بحثاً عن ثغرة أكثر اطمئناناً، وهو ما يمثل خيطاً يتجلى في تجليات التناص / التناصات والاستدعاءات التي اجتمعت في جسد القصيدة.

وفي ظل الخوف الكامن في النفوس لم يقف الشعر صامتاً، نعم قليلة هي النصوص الشعرية التي طرحت نفسها بقوة، ولكنها مؤثرة في التعبير عن الأزمة وتشكيل وعي متلقيها ، وإنتاجها بلاغتها وجمالياتها .

تأتي قصيدة “كورونا “ للشاعر السعودي عبد القادر عبد الحي كمال في سياق القصائد المعبرة عن واحدة من أكبر الأزمات التي عايشتها البشرية بعد الحرب العالمية الثانية، ولا تتوقف جماليات القصيدة عند طاقتها التعبيرية أو موضوعها الضاغط على النفوس، وإنما لأنها واحدة من القصائد المعبرة عن بلاغة الأزمة.

تعتمد القصيدة البناء التقليدي للقصيدة العربية، البناء العمودي بوصفه تدشيناً للمقاومة التي تستهدفها القصيدة، مما يجعل الشكل قريناً للمضمون والجماليات في طرح رسالة القصيدة وفاعليتها.

الشكل العمودي يقاوم الانصياع للأشكال الجديدة للقصيدة العربية، تماماً مثل مقاومة القصيدة في مضمونها لأزمة كورونا وتوابعها، والشاعر تأكيداً للمقاومة يتواصل نصياً مع حالة الشاعر القديم في مجابهته لليل، مما يجعل من القصيدة بؤرة انطلاق للتعالق الإنساني والترابط بين أبناء الثقافة الواحدة أولا ، وبين الشاعر الحديث والشاعر القديم (امرؤ القيس تحديداً) :  

 

 تـطـاولَ لـيـلي واحْـتـوتْني غَـياهِبُهْ           وغـــالَ دراريـــهِ وغـــارَتْ كـواكِـبُهْ

 وأرْخَــى سُــدولاً داجِـيـاتٍ ظِـلالُـها          وعـطّـلَ أنْ تـأْتـي الـصّـباحَ ركـائِـبُهْ

 ألا أيـهـا الـلـيلُ الــذي بــاتَ عـاكِـفاً           وشــالَــتْ زُبـانـاهـا عــلـيّ عـقـارِبُـهْ

 تــنـحَّ فــقـد أوْرَثْــتَ هـمّـاً وحـيـرةً             وجِـئْـتَ بـفَـيْروسٍ تـوالَتْ عـجائِبُهْ

 ودَمْـدَمْـتَ أرْكـانـاً تـعـالَى شُـموخُها         وهــدّمْـتَ بُـنْـيـاناً تـعـلَّتْ مـنـاكِبُهْ .

 

فالتعبير الأول في القصيدة يحيلنا إلى استهلال امرئ القيس في قصيدته المعروفة التي مطلعها:

تَطاوَلَ لَيلُكَ بِالأَثمَدِ       وَنامَ الخَلِيُّ وَلَم تَرقُدِ

فيما يحيلنا البيت الثاني إلى قصيدة الشاعر نفسه:

وَلَيلٍ كَمَوجِ البَحرِ أَرخى سُدولَهُ       عَلَيَّ بِأَنواعِ الهُمومِ لِيَبتَلي

والبيت الثالث يأخذنا إلى القصيدة السابقة وخاصة في قول امرئ القيس:

أَلا أَيُّها اللَيلُ الطَويلُ أَلا اِنجَلي       بِصُبحٍ وَما الإِصباحُ مِنكَ بِأَمثَلِ

ومساحة التعالقات تحيلنا على مجموعة من الدلالات المنتجة نصياً دون أن تغادر طبيعتها الجمالية، من أهم هذه الدلالات:

  • محاولة الذات الاتكاء على الآخر بوصفه صاحب التجربة المعبر عنها، وهو اتكاء جمالي اعتمد الربط بين المعجم الشعري القديم والحديث إيحاء باستمرار الأزمة وطول المعاناة وكأن الأزمة الإنسانية ممتدة من زمن الشاعر القديم إلى الحديث.
  • الإشعار بالضعف الإنساني تجاه الأزمة مما يجبر الذات على اللجوء إلى لغة الآخر كما نلجأ أحيانا لاستخدام الأمثال والحكم بوصفها مسكوكات لغوية نستعين بها في حالة الضعف التعبيري.
  • بلاغة الاتصال مع المتلقي حيث يكون للبدء من منطقة المعرفة المشتركة معه، تلك المعرفة التي تتأسس على اعتماد لغة شعرية سادت واشتهرت في سياق الحياة العربية. 

في انطلاقتها الثانية بعد الاستهلال يرسم الشاعر مشهدا للموقف الراهن ، الموقف الذي يعيشه المتلقي دون القدرة على التعبير عنه ، مما يجعل من القصيدة ، وغيرها من أدوات التعبير مساحة صوتية للتعبير عن صوت الجماعة البشرية ، تماماً مثلما يتآلف البشر مع الأغنيات والأناشيد وغيرهما من صنوف التعبير عن النفس الإنسانية ، لذا يكون للتعبير بضمير الجمع مسوغه في القصيدة كما يكون له دلالاته وجمالياته أيضا ، ويكون لتكراره على مدار القصيدة أثره الجمالي في الترابط القائم بين صوت الشاعر وصوت الجماعة البشرية : 

 أتـانـا بـكـورونا مـن الـصينِ جـائِحاً       وكـشّـرَ عــن نـابٍ وهـاجَتْ عـناكِبُهْ

 وعــــاثَ بــنـا داءٌ وعَـــمَّ انْـتـشـارُهُ          فـصالَتْ بـهِ الـدّنْيا وجـالَتْ مصائِبُهْ

 تـغـلْـغـلَ فـيـنـا واسْـتـبـاحَ حـيـاتَـنا          وعــطّـلَ أحْـــوالاً وبــانَـتْ نـوائِـبُـهْ

 وأخَّـــرَ أعْــراسـاً تــدانَـتْ قُـطـوفُها           وأبْــعـدَ خِـــلاً عــن خـلـيلٍ يُـلاعِـبُهْ

 وأوْقَـفَ مـن قـد كـان لـلبيتِ عاكِفاً        وفــاضَـتْ بـأفْـعـالِ الـتُّـقاةِ تـرائِـبُهْ

 وأقْـفَـلَ دورَ الـعـلْمِ عـن بَـثِّ نـورِها     وأرْخَـــتْ عـلـيـنا بـالـسّوادِ ذوائِـبُـهْ

ولـــمْ يُــبْـقِ بـابـاً لـلـثّقافةِ مُـشْـرَعاً          وصـــاحَ بِـلُـقْـياهُمْ نــذيـرٌ ونـاعِـبُـهْ

جمالياً وظف الشاعر اللغة لصالح التعبير عن فعل الفيروس وتأثيره السلبي على البشرية ، وهو ما يتجلى في أربعة مظاهر أسلوبية:

  1. الأفعال المسندة للفيروس، قرابة العشرين فعلاً وظفها الشاعر للتعبير عما خلفه حلول الفيروس، وهو ما يدعم اسم الفاعل صيغة ومعنى في البيت الأول من هذا المقطع (جائحا، الموظف دلالياً بكونه حالاً تصور حال البشرية وما آلت إليه ظروفها) . 
  2. الأفعال الزائدة عن الصيغة البسيطة للفعل (الفعل الثلاثي)، رباعية أو خماسية، في اشتغالها وفق مبدأ زيادة المعنى تدل على زيادة المعنى (تغلغل – أوقف – أقفل وغيرها) .  
  3. الأفعال على وزن أفعل: أخّر – أبعد – أوقف – أقفل، في دلالتها على قوة الفاعل في مقابل ضعف المفعول. 
  4. السردية التي تعتمدها القصيدة ، تواتر الفعال وتراتبها على بعضها البعض فالفعل ( أتانا ) يُفضي إلى الفعلين: ( كشّر ) و ( هاجت ) وغيرهما من الأفعال بحيث تأتي الأفعال في سلسلة من الأحداث المتوالية ما كان لثانيها أن يسبق أولها ولا كان لثالثها أن يسبق ثانيها وهكذا ، وهو ما ينتج بلاغة السرد بمعنى الأحكام عبر تفاصيل الصورة المشهدية التي ترسمها القصيدة وتكون معنية بها . 

في الختام يطرح الشاعر صورة لا تنفصل عن سابقتها، غير أنها تطرح حلا سماويا باللجوء لله سبحانه وتعالى، يمهد له الشاعر بأربعة أفعال تؤكد صوت الجماعة (ندافعه – نخشى – نتابع – نغص)، وتشترك في كونها مضارعة مبدوءة بنون المضارعة: 

 نُـدافـعُـهُ مـــن غــيـرِ حَــوْلٍ وقُــوّةٍ          ونـخْشَى بـأنْ تـسْري إلـينا مـسارِبُهْ

 نُـتـابِعُ مـسْـراهُ وفـي الـحَلْقِ غُـصّةٌ     نَغُصُّ كما قدْ غَصَّ بالماءِ شارِبُهْ ()

 إلــيـكَ إلــهَ الـعـرْشِ لُـذْنـا بـضـعْفِنا    ولــيـس لــنـا إلّاكَ مَـلْـجـا يُـحـارِبُـهْ.

 ويكون لانتقال العلامة الدالة على الجمع ( نون المضارعة في الأفعال الأربعة ) من أول الأفعال إلى موقع متأخر في المفردات (نا الفاعلين): لذنا – بضعفنا – لنا، يكون له دوره في التعبير عن ضعف الجماعة البشرية التي يتوارى دورها لاجئة إلى الله سبحانه وتعالى الذي يتصاغر إلى جانب قوته وسلطانه البشر. 

لقد وظف الشاعر ممكنات اللغة و قدراتها البلاغية في طرح بلاغة الأزمة، تلك البلاغة التي اتخذت موقفها للتعبير، واتخذت أسلوبها في تشكيل جماليات الحالة الشعرية ، فكما أن الأزمة تصنع لغتها وأسلوبها فإنها تنتج بلاغتها، وهو ما حققه الشاعر بصورة جادة ودالة. 

هوامش وإشارات 

 

* أستاذ البلاغة والنقد- كلية الآداب – جامعة الإمام عبد الرحمن بن فيصل 

2 thoughts on “بلاغة الأزمة في قصيدة “كورونا” للشاعر عبد القادر عبد الحي كمال

  1. قصيدة جزله وقمة باالابداع تنذكرنا باالمعلقات استطاع هذا المبدع ان يصور اجمل تصوير الوضع والمعاناه التي نعيشها مع هذا الوباء رفعه الله وكفانا شره. فالف تحيه اجلال واحترام لشاعرنا المبدع الخلآق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *