الأكثر مشاهدة

                                                                                …

الشاعر عبدالله ناجي: الوظيفة الشعرية ليست رسائل لإصلاح المجتمع وإرشاده

منذ 3 أسابيع

359

6

                                                                                                              

حوار_ مارية عاصم

– بداية، نحن نسلط الضوء عليك من زاوية أخرى، ليست بعين المجتمع كما يراك، بل بما هو خفي، نريد أن نعرف الأستاذ الشاعر عبدالله ناجي من غير الشعر من يكون؟

هو إنسان بسيط، خجول أحيانًا, يعيش في منزل الصمت, وقليلًا ما يخرج منه إلى شوارع الكلام, غير أن هذا المنزل به من الكلمات والأحداث والأسئلة والضجيج أكثر مما في الخارج.. وعندما يخرج هذا الإنسان من منزله فغالبًا ما يلتقي بالشعر أو الرواية أو بهما معًا, لكن لندع الشعر والرواية الآن, ولنعد إلى الصمت, وهو أحد ثلاثة أقانيم تشكل شخصية عبدالله ناجي.

سأتحول الآن إلى ضمير الأنا وهو ما أجيد التحدث به, أعني الكتابة به, فأنا أسكن في ذاتي, وهي حجرتي التي آوي إليها دائمًا, وأظن بل أعتقد بأن هذه الحجرة المعزولة داخل الروح هي التي قادتني أو فتحت لي نافذة الشعر. هذا الصمت أو الهدوء الغريب كبُر معي بعد سن العاشرة, وصادقني في الحيّ الذي يغفو ويفيق على جبلٍ من جبال مكة القريبة من المسجد الحرام من جهته الغربية. لقد منحني ذلك الجبل إطلالة تمتد حتى الأفق الغربي البعيد, وفيها اكتسبت مهارة التأمل وقراءة الأشياء -البيوت والطرقات والأحياء والشمس والسماء…- احتار بعض من حولي في تفسير هذا الصمت وأسبابه! ولا تزال هذه الحيرة تكسو ملامح من يلقاني! ما الذي أخفيه داخل صندوق روحي؟! يخطر لي أن هذا هو السؤال الذي يتبادر إلى ذهن بعضهم, وقد صرّح آخرون بإجابات تفسر صمتي القديم, ودائمًا ما تخطئ إجاباتهم, ولست أسعى لتصحيح ذلك الخطأ, ما يهمني حقًا هو أنني متصالح مع صمتي, وأحدنا يعيش داخل الآخر, وإن كنت قد حاولت في زمنٍ سابقٍ أن أبيّن صورته الحقيقية للآخرين, لكنني كففت عن تلك المحاولات, وامتزجت أكثر بأقانيمي الثلاثة (الصمت والروح والجسد).

بهذه الثلاثة تماثل تكويني, وخرجت بشخصيتي إلى الناس, خرجت بها خروجًا كاملًا عبر طريق الكتابة بطرفيها الشعر والرواية. ففي جبل الصمت دخلت إلى مغارة الروح, وفي عزلتها تأملت كثيرًا. وعشت ما يشبه التناقض ظاهرًا, فأنا هائم بالروح, وأعيش في غاية السعادة، سموت إلى ملكوت الروح فوجدت ذاتي, وتوغلت في أفياء الأنثى, وللمرة الأولى أفشي سرها معي, فالأنثى هي التي منحتني جواز عبور إلى مدن الشعر أولًا, ثم إلى مدن الرواية.

– برأيك ما وظيفة الشاعر؟

إذا  كان الشاعر موظفًا -ونقول ذلك افتراضًا-  فحتمًا ستكون وظيفته وجودية في المقام الأول, بمعنى أن الشعر يُخلق ويُوجد داخله ابتداءً, ولا يسعى لاكتسابه, ما يسعى لاكتسابه هو المهارة والتجربة والإبداع, أما جوهر الشعر فإن وجوده كوجود الإنسان ذاته.

بعد هذه المقدمة يمكن أن أقول بأن وظيفة الشاعر هي بعث القصائد, وفي خلق عالمٍ شعريٍ موازٍ للحياة, إن لم يكن هو الحياة في أحد وجوهها وأجملها.

الوظيفة الشعرية ليست رسائل مباشِرة لإصلاح المجتمع وإرشاده, وإذا ما حمل الشاعر على عاتقه هذا المعنى فإن الشعر سيتخلّى عنه ويتركه على قارعة الطريق, منتظرًا أي حافلةٍ تقلّه, ومن المؤكد أنها لن تعود به إلى مملكة الشعر. ليس على الشاعر أن يكون نبيًا ولا واعظًا, ولا نطلب من الشاعر أكثر من الشعر, أكثر مِن هذا الذي يجعلنا نتحد في بيتٍ شعريٍ واحدٍ, نتلبّس به ويشبهنا, ثم نردده كأننا قد كتبناه جميعًا وليس قائله الأول فقط.

نبوءة الشاعر تكمن في الفن الذي يعود بنا إلى الإنسان داخلنا, في البراعة التي تجعل من تفاصيلنا المعتادة حالات استثنائية. هذه هي وظيفة الشاعر, وتعاليمه هي قصائده التي تنبع من الوجدان البشري, ثم تسري في عروق البشرية جمعاء.

– ما القصيدة التي تحملها في حقيبة عمرك، دومًا معك؟ وما البيت التي يعاد تكراره في ذهنك كراديو؟

في كل مرحلة عمرية أحمل في حقيبتي قصيدة ما, وفي بعض الأحيان أدسّ داخل تلك الحقيبة أكثر من قصيدة, وأخرجها في وقتها المناسب, كطالب يخرج من حقيبته كتاب الدرس الذي حانت حصته,  ففي مرحلة باكرة كنت أحمل معي قصيدة الألواح  وأردد بعض أبياتها, وأكثرها هذا البيت:

قبرتُ أحلى هوىً في داخلي, بزغتْ

قصيدةٌ.. ورأتني كيف أنشطرُ

وكذلك:

رفعتُ سقف مناجاتي, هنا اكتملتْ

غيبوبتي.. ورأيت الكون ينهمرُ

وفي مرحلة أخرى حملت معي قصيدة العتمة البيضاء, وكثيرًا ما تردد صدى هذا البيت في جدران نفسي:

أُقيم في العتمة البيضاء, منجدلًا

في الطين.. أُوْردُ أزماني ولا أردُ

وفي هذه الحقبة العمرية أحمل معي قصيدة منازل الرؤيا وأتلو أبياتها, ودائمًا ما أُتمتمُ بهذا المقطع:

ويقول البحرُ: ألم ترني؟

رقصي أمواجْ

وتقول سماءٌ: في عنقي

يلتمعُ سراجْ

وتقول الأرض: أنا الأنثى

نهداي فجاجْ

وتقول الغيمة: من رحمي

مطرٌ ثجاجْ

وأقول…

ولكن في قلبي يبكي الحلاجْ!

– ⁠هل تتجلى ذات عبدالله أكثر في أشعاره، أم في رواياته؟

كنت أظن بأن ذاتي لن تتجلى إلا في الشعر, ولن يكون حضورها الأعلى إلا عبر معراج القصيدة, حتى انهمر مطر الكتابة من بين أصابعي لتدوين روايتي الأولى, شعرت حينها بأن ذاتي كانت تنسرب عبر السرد وتتجلى في الرواية كذلك, لكن بصيغ أخرى غير الصيغة التي تقوم في عمود الشعر, ففي الشعر تمتلك الذات كثافة موغلة في الحضور والأنا, وكل بيت فيها يعلن عن الذات وتجليها في تمازج بين الحضور الكوني والروحي, بينما في الرواية تتمدد في اتساع الفصول والأجزاء, وتحضر من خلال المنولوجات النفسية والأحداث التي تتفتح في بساتين الذاكرة والخيال وتزهر في أرض الرواية. فإن كان التجلي لروح الذات فهو في الشعر أعلى, وإن كان لنفسها وأحداثها فهو في الرواية أجلى.  وبمعنى آخر يمكن أن أقول بأن القصيدة تسري في ممر روحي سماوي, والرواية تمشي في دروب أرضية متقاطعة المصائر والآمال, هذا ما أشعر به ولا يلزم بأن تكون كل قصيدة سماوية وكل رواية أرضية, وإنما رواياتي تتسع باتساع الأرض, وقصائدي تسمو نحو السماء.

– الأدباء يعيدون صياغة المعاني المطروحة في الطريق، كما قال الجاحظ، فلا جديد يبثونه، من هذا المنطلق برأيك لماذا نكتب؟

نحن كبشرٍ أحياء، لا لأننا نتنفس ونأكل ونركض ونبكي… فقط, بل لأننا نتذكر ونكتب ونروي, فالكتابة هي وثيقة وجودنا, وإن فقدناها فقدنا الوجود ذاته. ونظرة سريعة إلى الثلاثة آلاف سنة الأخيرة من عمرنا البشري… كيف سنكون لو لم نجد كل تلك الآثار والمرويّات والنقوش والحضارات والديانات؟ من نحن وما سنكون عليه لو لم نعثر على مخطوطاتهم وكتاباتهم؟ بل السؤال الأَولى, من نحن لو لم يكتبوا لنا كل تلك الكتب؟ يجيب على هذا السؤال الشاعر الألماني غوته بمقولته: الذي لا يعرف أن يتعلم من دروس الثلاثة آلاف سنة الأخيرة, يبقى في العتمة.

إذن فالكتابة مرادفة للوجود, وكما يقول الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت: أنا أفكر إذن أنا موجود. يمكن أن نقول نحن نكتب إذن فنحن موجودون.

وحين أكتب أشعر بأنني الجزء المتحد بالكل. فأكتب بملايين الأقلام القديمة التي خطت أحبارها في صحائف الوجود من قبلي. وهنا تكمن أصالة الكتابة عندي. فهي متجذرةٌ في تربة الزمن القديم, وإن كانت أغصانها وأوراقها تسمو في سماء الزمن الجديد.

– ⁠برأيك أين يقف الشاعر السعودي من الشعر العربي في عصرنا الحالي؟

يعود بي هذا السؤال إلى مقولة المركز والأطراف, وتمعنٌ فاحصٌ في خارطة الشعر العربي سيقول لنا بأنه لا مكان لهذه المقولة الآن, ولن أكون منحازًا إن قلت بأن الشعر السعودي يقف الآن على هضبة إبداعية عالية, وبه قمم شعرية تضاهي نظائرها في أقطار العالم العربي, وأن الشاعر السعودي ينافس في أخذ حصته من الإبداع والفرد، ولا يكتفي بأن يكون طرفًا في الدائرة الشعرية, بل يرسم قصائده في المتن ويشارك في تلوين لوحة الوجود الشعري. كل ما عليه فعله هو توسيع آدابه واقتطاع مساحات ثقافية جديدة والاغتراف من بحر المعرفة. ومما يساعد ويساهم في ثرائنا الشعري هذا التطور والتنوع الثقافي الذي تشهده بلادنا, وتلك النشاطات المتعددة من معتزلات كتابية وملتقيات إبداعية ومسابقات شعرية وشراكات أدبية تؤتي ثمارها للمجتمع أجمع وليس فقط للنخب المثقفة, وتسهم كثيرًا في جودة الحياة.

– من أستاذ الأستاذ عبدالله ناجي الذي يريد توجيه شكره له؟

ما أكثر أساتذتي, فأنا مدين بالشكر والامتنان لكل من علمني ولو سطرًا واحدًا، إما مشافهة أو ممن قرأت لهم على مر عصور الحضارة وفصولها. وفي هذا المقام والمقال سأتوجه بالشكر الجزيل لأستاذنا وشاعرنا الكبير محمد الثبيتي رحمه الله, ولا أنسى لقاءنا الأول في المكتبة العامة بمكة, قدمت له بعض نصوصي وشجعني كثيرًا وحضني على نشر قصائدي, وفي لقائنا الثاني عرضت عليه ديواني الأول قبل طباعته, لأتفاجأ بعد أقل من شهر بمقولته التي أعتز بها وأعتبرها شهادة رفيعة المقام, إذ قال في لقاءٍ صُحفي بمجلة فواصل: آخر ما وقع بين يدي مخطوطة الديوان الأول لشاعر جميل جدًا اسمه عبدالله ناجي. 

الكلمات المفتاحية

التعليقات

  1. السلام عليكم اشكر المؤسسه التي نظمت الموضوع بأسره و احنا داعمين لي الشاعرة ماريه عاصم و موفقة أن شاء الله.🤍❤️

  2. يقول عبدالرحمن:

    اشكراً مجلة فرقد الإبداعية على اضافت الأخت مارية عاصم ف برنامجها و اقدم كل الشكر والتقدير والله يوفق الأخت مارية و شكراً لكم💙❤️💙.

  3. يقول عبدالله:

    شكرا لمجلة فرقد الإبداعية على نشر هذا الإبداع الأدبي، وشكرا للباحثة القديرة أ.مارية عاصم على الأسئلة التي تفتح أفقا وفضاء، ونشكر الشاعر أ.عبدالله على بهاء قلمه وتميزه، فقد أمتع وأبلغ،
    كل التوفيق والتقدير لهذين الكوكبين المشعين

  4. السلام عليكم ورحمة الله وبركاتة نشكرك على الحوار الجميل الأخت مارية عاصم

  5. يقول عمر بدري:

    ما شاء الله تبارك الرحمن
    حوار جميل جدا
    وفقكم الله جميعا لكل خير وجزاكم خيرا

  6. يقول السلطاني:

    حوار يليق بالشعر والموضوع ؛ شكراً للأستاذة ماريّة عاصم على جمال الصنيع ، وللشاعر عبدالله العمري على صنيع الجمال دوماً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود