الأكثر مشاهدة

حسين عبروس* يعدّ أدب اليافعين من تجارب الكتابة الموجّهة لفئة معينة من الفتيان وا …

أدب اليافعين ومكوّناته

منذ 3 أسابيع

37

0

حسين عبروس*

يعدّ أدب اليافعين من تجارب الكتابة الموجّهة لفئة معينة من الفتيان والفتيات الذين يتوسطون مرحلة عمريّة بين الطفولة والشباب، وهي الفئة التي تقارب مرحلة الحلم لتنتهي بمرحلة الرشد، وقد عرف هذا النوع من الكتابة استجابة لتطورات اجتماعية ونفسية وثقافية في حياة الأجيال. 
لم يكن فيها الأدب العربي يراعي تلك الخصوصية لفئة الفتيان والفتيات، وكان النّص الأدبي الذي يصلح للكبار هو النّص نفسه الذي يقدّم للصغار، فكتاب “الأيام” للأديب طه حسين، كان مادة قرائية للكبار والصغار في الوقت نفسه، مع العلم أنّ شخصية الطفل في هذه الرواية كانت المحور الأساسي الذي تقوم عليه أحداث النص، وهي العنصر الأساسي في تحريك الشخوص الثانوية في العملية السردية، كما أسهمت تجربة الكاتب والشاعر جبران خليل جبران في تقديم نصوص ما زالت إلى يومنا هذا مادة محببة لدى فئة اليافعين وتجارب عربية أخرى، وقد يتساءل بعض المهتمين بأدب اليافعين عن سرّ مكوّنات هذا الأدب من حيث الشكل والمضمون، وفنياته وكلّ تفاصيله الصغيرة والكبيرة، وهنا نقول:
– إنّ أدب اليافعين يقوم على عنصر المغامرة في الطرح، وفي تشكيل الشخصيات التي تصنع تفاصيل الأحداث داخل النّص السردي في القصة والرّواية، ويقوم على منهجية تختلف نوعًا ما عمّا يكتب للأطفال الذين هم دون سنّ الحادي عشر من العمر، وتشمل منهجية الكتابة بأدب اليافعي العناصر الأساسية الآتية:
– اختيار الموضوع الذي يقوم على المغامرة، والبطولة التي يكون لها تأثير على نفسية القارئ
بحيث تساهم شخصيات النّص في تقديم حلول لفكّ تلك الألغاز المعقّدة في حياة فئة اليافعين من البنات والبنين، كما يمنحهم فرصة معرفة القضايا العاطفية والوجدانية التي يمرون بها خلال هذه الفترة من مرحلة العمر.
– اختيار اللغة المناسبة التي تقوم على عنصر الخيال الآسر الذي لا حدود له.
– اختار الأسلوب المشوّق والحوار الفني الذي يعطي النّص السرديّ قيمة جمالية عالية تمكن اليافعين من الغوص في أعماق النص بكلّ محمولاته المعرفية ذات الأبعاد التربوية والقيمة. 
– التركيز على دقّة تحديد المكان والزمان في الواقع والخيال، وبذلك يكتشف القارئ أسرار المكان وموقعه.
– إنّ ظهور أدب اليافعين تزامنًا مع بداية الحرب العالمية الثانية في الأول من سبتمبر من عام 1939 بأوروبا، والتي انتهت في الثاني من سبتمبر عام 1945، ذلك ما شجّع كثير من الكتّاب على الكتابة التي تتناول جوانب اجتماعية وإنسانية عرفها العالم خلال الحـــرب ونتـجت عنها تغيرات في أوساط المجتمع، خاصة عند فئة اليافعين من بنات وبنين، غير أن ظهوره في الوطن العربي يعود بشكل جليّ في فترة السبعينيات من القرن الماضي، ولعـــلّ تلك الفترة هي ما أعطت لنا ملامح جديدة في أدب اليافعين من خلال تجـــــربة الرّوائي العـــربي الكبير “صنع الله إبراهيم” الذي يعد أحد أكبر الروائيين المصريين الذين يتمكنون من السرد والحكي، ويميل أسلوبه إلى ماركيز، إلا أن صنع الله إبراهيم يعد أقدم من ماركيز ككاتب، ويتحتم على القارئ أن يضع تركيزه كاملًا في رواياته حتي لا تهرب منه أحد خيوط الرواية، ومن أهمّ أعماله التي كتبها لليافعين ونشرتها “دار الفتى العربي”: رحلة السندباد، ويوم عادت الملكيّة القديمة، وعندما جلست العنكبوت تنتظر، والدلفين يأتي عند الغروب، واليرقات في دائرة مستمرة، ورواية الحياة والموت في بحر ملوّن، وأعقبت هذه التجربة تجربة الترجمة التي قامت بها “دار المنى” لكتاب غربيين أمثال “جوستاين غاردر” في روايته “عالم أنا” ورواية صبيّ الفضة “لكريستينا أولسون”، ورواية قلب رجل “لكالمان ستيفنس”.

وقد استطاع أدب اليافعين الانتشار بشكل واسع خلال العقدين الماضيين؛ بسبب تلك الحوافز والتشجيعات التي قامت بها بعض المؤسسات الثقافية ودور النشر العربية، نظرًا لرواج هذا اللّون الأدبي، وما يدرّ من أرباح تجارية سنوية، كما كان الإقبال عليه من القرّاء من فئة اليافعين، لكنّ الحقيقة التي لا تزال غائبة عن أعيـــن الكثـير ممن يكتبون هذا النـوع من الأدب، غيـاب النقد المتخصّص الذي يرافق النّص الإبداعي، وذلك ما ترك المجال مفتوحًا أمام المتطفلين وأشباه الكتّاب يدخلون عالم الكتابة لليافعين قصد التسلية تارة، وتارة أخرى قصد الربح السريع وتسويق تلك الكتابات الرّديئة التي لا تراعي خصوصيات المرحلة العمرية لليافعين، وما يتطلبه النّص من ثقافة لها تأثيرها القوي على نفسية القارئ الصغير، وما يتطلّع إليه من معارف ومن أفكار جديدة لها صلة بالقيم والتراث العربي والإسلامي والإنساني بصفة عامة، وفي هذا المجال يحاول الكاتب الفلسطيني محمود شقير في بعض أعماله الموجهة لليافعين الاستفادة من التراث؛ كما الحال في روايته “أنا وجمانة”، حيث يستحضر شخصية صلاح الدين الأيوبي كشخصية محوريّة، ويطرح سؤاله قائلًا: إلى أي مدى يستطيع يافع اليوم التفاعل مع التراث؟ ويجيب بأن المهمة ليست سهلة؛ ذلك أن ثمة مسافة واسعة تفصل جيل اليوم من اليافعين عن التراث المحكي والمقروء، وتلك حقيقة يصعب الإجابة عنها، في ظل غياب ثقافة واعدة وواعية يجب على الكاتب أن تقدّيمها لفئة اليافعين من خلال تلك القصص والرّوايات، كي يستوعبوا ذلك الموروث الحضاري.

*كاتب وشاعر للأطفال_الجزائر

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود