الحوار، المحاجة، و التراسل الحسي في قصيدة (صمت) ـ محمد فوزي أبو غانم

الحوار، المحاجة والتراسل الحسي في قصيدة “صمت” للشاعر رفعت عبدالوهاب المرصفي

قراءة الناقد :محمد فوزي أبوغانم*

 

نص القصيدة:

 

قولى أحبك ألف مرة 

فأنا … أحب سماعها 

لا تخجلى إن شئتِ … من تكرارها 

قولى أحبك ..

إننى أعطى الحروفَ 

من المشاعر حقها 

شجر الكلام إذا لمستِ غصونهُ 

يؤتى ثمارا ما ألذ قطافِها 

فالحب … أحرفهُ تضئ عوالما

وتبث فى عرق الزمان أريجها 

قولى أحبك ألف مرة 

وبكل ألسنةِ الهوى .. فأنا لها 

فلدّى قلبٌ ينتقى لغة الهوى

ويحبها 

ولدىَّ أذان ترى 

لغةَ العيونِ وسحرها 

فدعى العيون تبوح 

حتى المنتهى

ودعى الشفاهَ 

تقول ما يحلو لها 

ودعى السكونَ 

يفيض من أحلامه

فالصمتُ أجملُ ما يُقالُ 

ويُشتهى

قصيدة “صمت” للشاعر رفعت عبدالوهاب المرصفي هي إحدى قصائد ديوانه “هل ولى زمن الفرسان” الصادر عن “سلسلة كتاب صالون رفعت المرصفى” عام 2012. وهي قصيدة قصيرة نظمها الشاعر على شعر التفعيلة. تكشف لك القراءة الأولى رقة وعذوبة الكلمات التي تذيب العشاق، وتلهب ما اختلج في القلوب العاشقة. ترجعنا مرة أخرى إلى ذلك المكان الذي ظننا يوما أننا نسيناه في متاهات العمر. جاءت هذه القصيدة لتداعب مشاعرنا التي تبلدت بفعل حوادث الدهر وصروفه. جاءت في عصر افتقدنا فيه الرقة والعذوبة وكأنها لحن غريب فيه ما فيه من دفء المشاعر فيأخذنا رويداً رويداً إلى عالمه الخاص، ويأخذنا إلى عنترة، والمجنون، وجميل بثينة، وقيس لبنى، بعيداً عن نرجسية عمر بن أبي ربيعة وإباحية نزار، إلى عصر الحب الخالص، الحب من أجل الحب.

استخدم الشاعر ثلاث وسائل في البنية النصية للقصيدة وهي: الحوار، والمحاجة الشعرية، وتراسل الحواس، بيد أن الحوار هو العنصر الأكثر بروزا salient element وهو الأساس الذي ينبثق منه العنصران الآخران. ونستطيع القول إن القصيدة ما هي إلا حوار بين الشاعر ومحبوبته التي خبأها عن القاريء، فلا يعرف القاريء هويتها ولا سمتها. فالشاعر لا هم له غير سماع كلمات الهوى منها .

لقد اتخذ المرصفي الحوار وسيلته الأولى في بنية القصيدة إذ يتخذ النص شكل حوار درامي أحادي الجانبDramatic Monologue. وضعت إينا بيث سيشنز Ina Beth Sessions في مقال لها بعنوان “The Dramatic Monologue” سبع خصائص مميزة للحوار الأحادي يجب توافرها في أي نص حتى “يصل إلى درجة الكمال وهذه السمات هي: المتحدث، الجمهور، المناسبة، تكشف الشخصية، التفاعل بين المتحدث والجمهور، الحدث الدرامي الذي يحدث في الزمن الحاضر.”[1] ونستطيع القول إن جميع هذه العناصر موجودة في النص؛ فالمتحدث مسيطر بصوته في كُلِّ القصيدة ونكاد لا نسمع غيره، أما الجمهور فهو المستمع أو الشخص/الأشخاص الذي يتوجه إليه المتحدث بالكلام وهي هنا الحبيبة التي نظم لها الشاعر قصيدته، المناسبة هنا رغبة المتحدث في تبادل كلام الهوى مع من يحب، من خلال قراءة أبيات القصيدة تتكشف لنا شخصية المتحدث فهو إنسان محب مرهف الحس يعرف لغة العيون، ويحدث التفاعل بين المتحدث والجمهور/المستمع بهدوء ورقة تنسجم مع الموقف. أما الحدث الدرامي فهو القصيدة ذاتها؛ إذ يمكننا القول إن هذا المشهد ما هو إلا نتيجة لمشهد سابق بين المتحدث والفتاة. أيضا يمكن اعتبار حديث الشاعر هو الحدث الدرامي الذي يتسبب فيه الكلام ذاته في جعل الأشياء تحدث كما تقترح دورثي ميرمن Dorothy Mermin.[2]

يتخذ النص شكل حوار درامي أحادي فيحيله إلى مشهد درامي يتحدث فيه مع فتاته ملتمسا منها الكلام، راجيا إياها أن تنطق بكلمة الحب؛ لذا استهل الحوار والقصيدة بالأسلوب الإنشائي الأمري “قولي أحبك” الذي يفيد الالتماس. فالشاعر يلتمس من محبوبته الكلام بفعل القول الصريح “قولي”، الذي تكرر أكثر من مرة في القصيدة، ولا يكتفي منها بكلمة واحدة بل يلتمس المزيد فتأتي بعد ذلك “ألف مرة” موضحة ذلك, ويجتهد في التماسه ومسعاه بالتشجيع تارة وبالحجج والبراهين مرات ومرات. يظهر تشجيعه لمحبوبته جلياً في البيت الثاني مباشرة “فأنا أحب سماعها” ليحثها على ذلك مفوتا عليها فرصة الدخول في أية مفاوضات تبعده عن هدفه ومأربه. حتى “الخجل” يثنيها عنه بقوله “لا تخجلي”. لقد جاء النهي في “لا تخجلي إن شئت من تكرارها” بمكر ودهاء فائقين. فالشاعر هنا يريد أن يأخذ حبيبته لمرحلة أخرى, لمرحلة ما بعد القول – تكرار القول – منتقلا من مرحلة التشجيع على الكلام إلى مرحلة الاستمرار، وحتى لا يتوقف التواصل مع المحبوبة يكرر مطلبه مرة أخرى مغيرا نغمة التشجيع إلى نغمة أخرى، نغمة الحجة والبرهان، فتظهر الوسيلة البنائية الثانية “المحاجة الشعرية” منبثقة بتلقائية ملفتة من الحوار.

ويعرف سامح الرواشدة المحاجة Argumentation بأنها “أسلوب منطقي، يهدف صاحبه إلى إقناع الآخر بصواب رأيه الذي يتبناه.”[3] فالشاعر هنا – كما أسلفنا – يطمح إلى دفع فتاته إلى الكلام معه، ولأنه يريد منها كلاما بعينه يصعب على مثلها قوله، استخدم هذا الأسلوب الذي ينبغي أن يتضمن واحدة من حجج أربع “الحجة البرهانية، الحجة الجدلية، الحجة الخطابية أوالحجة الشعرية”. وبديهي أن تسيطر الحجة الشعرية على الشعر وبخاصة الغزلي منه، ذلك كونها “تشتمل على ما يتلاعب بمشاعر المخاطب النفسية فيتأثر بها ويستجيب لمضمونها وقد يكون عالما فكريا بعدم صحتها.”[4] وهذا ما نلاحظه في جميع أبيات القصيدة من تلاعب المتحدث بالمشاعر النفسية للمخاطب/الفتاة، انظر لحجته فيما يلي من أبيات:

إننى أعطى الحروفَ
من المشاعر حقها
شجر الكلام إذا لمستِ غصونهُ
يؤتى ثمارا ما ألذ قطافِها
فالحب … أحرفهُ تضئ عوالما
وتبث فى عرق الزمان أريجها

ورغم صمتها إلا أن الفتاة بلا شك تتأثر بحجج الشاعر وإن بدت لها غير واقعية أو غير صحيحة إذا ما طبقنا عليها مبدأ التعاون Cooperative Principle لبول جرايس والمبادئ الحوارية الأربعة المتفرعة منه.[5] كما أنها تستجيب لتلك الحجج صمتا وخجلا. فصمتها إيجابي يتخلله تواصل غير لفظيnon-verbal communication  من طرفها، وهنا يستحيل الحوار الأحادي إلى حوار ثنائي Dialogue رغم صمت الفتاة إلا أنها تواصلت معه بلغة الجسد مستخدمة عينيها لذا أخبرها المتحدث بعد أن فطن لوسيلتها غير اللفظية في التواصل معه:

ولدىَّ آذان ترى
لغةَ العيونِ وسحرها
فدعى العيون تبوح
حتى المنتهى

مستمرا في استخدام الأسلوب الإنشائي الأمري “فدعي العيون تبوح” ملتمسا منها استمرار البوح من خلال “لغة العيون” التي تفيض سحرا وتجعله يهيم بها ويستمر بكلامه “ودعى الشفاهَ / تقول ما يحلو لها” وهنا إن كان المرصفي يقصد شفاهه هو وليست شفاه الفتاة، فلا تثريب عليه، فهو يحثها على التواصل معه بلغة العيون وهي أصفى لغات التواصل بين العاشقين وأحلاها، كما ينسجم مع عنوان القصيدة “صمت” ومع نهايتها:

ودعى السكونَ
يفيض من أحلامه
فالصمتُ أجملُ ما يُقالُ
ويُشتهى

لتأتي ثنائية الصمت-الكلام طبيعية ومتسقة مع ما سبق، لما يجلبه الصمت على الشاعر من لذة ورضى. أما إذا عادت “الشفاة” على الفتاة فهذا تناقض صارخ يعيب القصيدة ويهدد ترابطها وانسجامها.

يلاحظ انبثاق التقنية الشعرية الثالثة من “المحاجة الشعرية” وتعرف هذه التقنية بـ “تراسل الحواس”، إذ إنها تسيطر على قسم كبير من القصيدة، ويقصد بتراسل الحواس Synesthesia أو التراسل الحسي إعطاء الحاسة صفة تخص حاسة أخرى. أو كما جاء في تعريف الدكتور محمد غنيمي هلال “أي وصف مدركة حاسة من الحواس بصفات مدركات الحاسة الأخرى، فتعطي المسموعات ألوانا، وتصير المشمومات أنغاما، وتصير المرئيات عطرا.”[6] وتراسل الحواس من وسائل التصوير الشعري المعتبرة في القصيدة العربية الحديثة، وقد أحسن المرصفي استخدامه. أنظر إلى هذين البيتين “شجر الكلام إذا لمست غصونه / يؤتي ثمارا ما ألذ قطافها”، تجد تراسل حواس البصر “شجر” واللمس “لمستِ” – التي جاءت مباشرة لتختلف عن الحاستين الأخرتين – والتذوق في لفظة “ألذ” مع حاسة السمع “الكلام” وهي الحاسة الأساسية التي تصفها الحواس الأخرى في ترتيب بديع. بيد أن الشاعر لا يكتفي بتلك الصور، فيأتي بصورة أخرى “لدي آذان ترى / لغة العيون” مستخدما ذات الوسيلة “تراسل الحواس”. يلاحظ الانسجام بين حاستي السمع والبصر في الصور السابقة، فدائما ما تقترن الحاستان معا، فالشاعر يرى الكلام شجرا مثمرا ويرى لغة العيون بأذنيه. ثم يعكس هاتين الحاستين في قوله “فدعى العيون تبوح / حتى المنتهى” جاعلا العيون تتكلم لا أن ترى كما هو مألوف.

وقد استخدم المرصفي هذه الوسيلة الأسلوبية لما لها من وظائف تعبيرية تتخطى المألوف، ولما لها من أدوار في تكثيف المشاعر وتركيزها لغرض معين، ” وبذلك يكثّف مشاعره، ويركّزها في الإتجاه الذي هو ينشده؛ يضاف إلی هذا أن تراسل الحواس مما يُثري اللغة ويُنميها، لأنه يعني ضمناً أن ينأی الشاعر عن السياق المألوف للمفردة المعبرة عن حاسة ما، فينقل إليها مفردات حاسة أخری؛ وبذلك تتنوع أساليب التعبير عن الحاسة الواحدة”[7] فتخلق صورا بيانية متعددة الإيحاء والدلالة تأخذ القاريء في فضاءات شعرية أكثر رحابة.

يمكننا القول إن الشكل النهائي لبنية القصيدة يسير على هذا النحو:

حيث يأتي الحوار بشقيه الأحادي والثنائي الجوهر الذي تبنى عليه القصيدة بأكملها، ثم ينبثق من الحوار أسلوب المحاجة المعتمدة على المحاجة الشعرية لتناسب الشكل والغرض من القصيدة، فينبثق من المحاجة التراسل الحسي الذي يشكل المحاجة ويضفي عليها بعدا جماليا وتصويريا يمتد للقصيدة بأكملها. وتتكامل هذه العناصر الثلاثة وتتفاعل فيما بينها في تلقائية وانسجام بحيث إذا غاب أحدهم انفرط عقد القصيدة وانهدم بنائها أو فقدت القصيدة رونقها وبهاءها.

وأخيرا، وحتى نغطي جميع جوانب القصيدة قدر الإمكان، نلاحظ براعة الشاعر ومقدرته اللغوية في التعاطي مع المفردات في كلمتي “عشوق” و “عطوش” فهما صيغتي مبالغة على وزن “فعول” من الفعلين الثلاثيين “عشق” و “عطش”. الناظر لهاتين الكلمتين – العاديتين جدا – يعرف أنهما جديدتان على الشعر العربي أي أنه لم يسبقه شاعر قبله في ذكرهما؛ حتى نزار قباني نذكر له قوله “أنا عاشق …” التي رددها غير مرة في قصائده لكنه لم يذكر صيغة المبالغة “عشوق” أو “عطوش”، ربما لغرابتهما أو لعدم تداول استعمالهما على الألسنة.

الهوامش والمراجع:

[1] ROCHE-JACQUES, Shelley J. Time, Space and Action in the Dramatic Monologue: Men, Women and Mice. Doctoral, Sheffield Hallam University (United Kingdom). 2013. P. 2

[2] المرجع السابق ص 8.

[3] سامح الرواشدة، شعرية المحاجة، دراسة في ديوان أقوال جديدة من حرب البسوس لأمل دنقل، مجلة أبحاث اليرموك، م 15، عدد 1، 1997، ص 10.

[4] عبد الرحمن حسن الميداني، ضوابط المعرفة وأصول الاستدلال والمناظرة، دار القلم، دمشق، ط 4، 1993، ص 302.

[5] يقترح مبدأ التعاون “لتكن مساهمتك في الحوار بقدر الحاجة التي يفرضــها عليــك مقام الحديث واتجاه الحوار الذي اشركت نفسك فيه،” وهو مبدأ وضعه بول جرايس لضمان استمرارية الحوار لذلك وضع شروطا هي مبادئ Maxims الحوار الأربعة المكملة لهذا المبدأ وهي مبدأ الكم، مبدأ الكيف/الصدق، مبدأ الملاءمة، ومبدأ الطريقة/الوضوح. ولم يضع جرايس هذا المبدأ من أجل تحليل النصوص الأدبية أو الشعرية، فهدفه الرئيسي وصف وتحليل الكلام العادي السائر بين الناس في معاملاتهم اليومية. أنظر 

Grice, H. P. (1989), Studies in the Way of Words. Cambridge: Harvard University Press.

 [6] محمد غنيمي هلال، النقد الأدبي الحديث، دار نهضة مصر، القاهرة، 1997، ص 395.

[7] وجدان الصائغ ٢٠٠٣، الصورة الاستعارية في الشعر العربي الحدي، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر.

 

*ناقد من مصر.

12 thoughts on “الحوار، المحاجة، و التراسل الحسي في قصيدة (صمت) ـ محمد فوزي أبو غانم

  1. رؤيه ادبيه مميزه ومقال جميل ونقد ادبى رائع الى المزيد من الابداع ان شاء الله يا استاذ محمد

  2. من الرائع ان نجد من يعود باللغه الي هذا الحس المرهف والرقي في استخدام الالفاظ في زمن غلبت عليه الغوغاء. شكرا للكاتب والناقد والمجله علي ما امتعونا به.

  3. نقد بناء و أسلوب تحليل يعتمد على المزج بين بيان اللغه العربيه و اللغه الانجليزيه

  4. مقال ممتاز يعتمد على التحليل الأدبي الدقيق
    بالتوفيق للأستاذ محمد أبو غانم

  5. رؤية نقدية شهية التناول عذبة المذاق تعتمد على الطرح الادبى والإسناد البيانى فى آن واحد … رؤية تستحق القراءة المتأنية وتستوجب التقدير والاشادة … وفقكم الله تعالى وسدد خطاكم

  6. لقد أبدعت نقدا وتحليلا كما أبدع شاعرنا نظما وتنميقا. دراسة نقدية تستحق الثناء تعتمد على الحس اللغوي المرهف بالقصيدة العربية ونظمها. والدراسة الاكاديمية الموثقة التي تعطيها من القوة والثبات. سلمت يداك أخي الكريم وإلى مزيد من الإبداع والتألق بخلق كائن لغوي بين طيات الصفحات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *