مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

د. هاني الغيتاوي* لم تلق رواية في العالم قبولًا واحتفاءً، كما لاقت رواية ” …

الفلسفة والأدب على أجنحة دون كيشوت

منذ 3 أسابيع

77

0

د. هاني الغيتاوي*

لم تلق رواية في العالم قبولًا واحتفاءً، كما لاقت رواية ” دون كيشوت ” للكاتب الأسباني “ميغيل دي سيربانتس”، ويعزز من قيمة هذه الرواية وعظمتها أن المحتفين بها ليسوا من القراء العاديين فحسب؛ بل هم صفوة أصحاب الأدب والفلسفة والفكر منذ عصر التنوير في أوروبا إلى عصرنا هذا، فلماذا لاقت هذه الرواية هذا القبول وهذا الاحتفاء وخاصة من صناع الأدب ورواد الفلسفة وأصحاب العلم؟!
أجد أنه بولادة هذه الرواية بدأ التأريخ لفن الرواية الحديثة من خلال تطور السرد الروائي، وأنها كشفت عن تطور الرؤية الكونية من الأسطورة إلى العقل، وفي هذا يقول الأديب ميلان كونديرا “إننا بإزاء عمل أدبي وضع أسس الأزمنة الحديثة” وأراني أوافق كونديرا فيما نحا إليه في وصفه لهذه الرواية التي تعد –بحق- نقلة نوعية في تاريخ الأدب الموسوم بالفكر الفلسفي، فهذه الرواية الأدبية وإن جاز التعبير هي المعادل الأدبي للرؤية الفلسفية عند الفيلسوف، فإذا كان محور الفلسفة هو البحث عن الكون وماهية العالم، وطرح الأسئلة الوجودية عن الحياة والموت، باستخدام أساليب العقل والمنطق بعيدًا عن الخيال والحدس والشعور التي تعتبر أهم أدوات الأدب في التعبير عن الوجود والحياة فيه، فإن هذه الرواية عملت على إيجاد مقاربة بين الفلسفة والأدب، هذه المقاربة التي دعا إليها الفيلسوف الألماني “نيتشه” بقوله في كتابه “ولادة التراجيديا” “أنه من الضروري على الفلسفة أن تتخلى عن التفكير المنطقي الصارم وأن تعود إلى ناحية الوجدان الذي يتمثل في أسلوب السرد الروائي”. 
نيتشه يطالب الفلاسفة بأن يتخلوا عن التحليل الفلسفي المحض وتعقيدات الماورائيات الفلسفة، وأن ينتهجوا بدلًا من ذلك الطابع الأدبي الذي يتمثل في التعبير الرمزي والتصوير المجازي، وقد أجاد نيتشه في ذلك أيما إجادة، فجاء أسلوبه الفلسفي الأنيق يرتدي لغة الأدب الرشيقة التي تتجاوب مع الحدس والخيال والشعور الوجداني المنبت الصلة عن لغة المنطق الجافة وتجريدات الفلسفة العقلانية، وقد ظهر ذلك جليًا في سرده الفلسفي المكتسي بطابع أدبي أنيق في كتابه ” هكذا تكلم زرادشت”. 
ومن يطالع هذا الكتاب سيجد اللغة الأدبية الجزلة التي تعالج أفكارًا فلسفية بانسيابية راقية وبأسلوب أدبي رشيق مصطبغ بالصور المجازية والاستعارات الجمالية، وبذلك فإن نيتشه يوضح مدى الالتقاء بين الفلسفة والأدب من خلال اللغة التي تعتبر أحد القواسم المشتركة بين الفلسفة والأدب، فقد أنتج “نيتشه” منتجه الفلسفي “هكذا تكلم زرادشت” وصاغ أفكاره بأسلوب أدبي، وهو ما فعله “سربانتس” في روايته “دون كيشوت” التي تنطوي على فكر فلسفي عميق من خلال التأملات والخيالات والأفكار، ففي هذه الرواية نجد المغامرات والأحلام والتطلعات ونعرف من خلالها الحب والأمل والحق والفرح الإنساني وتحقيق العدالة وهي المفاهيم والقيم التي يتناولها الفيلسوف من خلال تأمله في طبيعة الكون والوجود، وقد وجدنا هذه المفاهيم تنضح بها نصوص الرواية، فرجل عادي يفكر ويعمل التفكير ويطلق العنان لخياله في سبر أغوار الوجود فيخرج إلى الدنيا معتمرًا خوذة قديمة صنعها بنفسه وارتدى زي فارس وحمل سيفًا ورمحًا قديمًا وامتطى صهوة جواد أعجف هزيل وشرع في خلق أحداث عادية وتحويلها إلى مغامرات كبرى في عالم الوجود، فتنشب بينه وبين طواحين الهواء معركة طاحنة ظنًا منه أنه يحارب الشياطين، ومحاولته تخليص امرأة من حراس حمايتها وهمًا منه بأنها مخطوفة، وواجب الفروسية يحتم عليه إنقاذها، وكذلك محاربته لقطيع الأغنام لتوهمه أنه جيش عظيم متخف في هذه الصورة، لقد حاول هذا الرجل العادي “ألفونسو كيخاتا” أن يعيد زمن الفروسية، فاصطحب معه تابعًا له لأن الفارس يلزم أن يكون لديه من يتبعه، فاصطحب معه “سانشو” هذا الفلاح البسيط الفقير، ولأن الفارس لا بد أن تكون له حبيبة، فاختار جارته القروية “دولثينيا” وبدأ بمغامراته التي حاول تجسيد كل الأفكار التي قرأها عن الفروسية محاولًا تقليدهم ومحاكاتهم، فهو يحاول أن يكون الفارس الهمام الذي يخلص البشرية من القهر والظلم والاستبداد وأن يضع حدًا لعذاباتها وآلامها، وقد حاول دون كيشوت تحقيق هذه المطالب الكبرى؛ لكن لم يتحقق له ما أراد، وسقط صريع المرض الذي أعلن الطبيب أنه لا شفاء له منه، أشفق عليه أصدقاؤه ومحبوه لما آل إليه من مصير؛ لكنه في لحظة صحو من المرض يعترف لهم أنه كانت تتلبسه الأوهام وأنه رجل عادي، وأن زمن الفروسية قد انتهى، يقول دون كيشوت لحلاق قريته “كم هو أعمى من لا يرى من خلال نسيج الغربال”. 
لقد تضمنت هذه الرواية أفكارًا فلسفية وناقشت أسئلة وجودية مثل الموت والحياة والسلم والحرب والحب والأمل والعدالة، هذه الأفكار الفلسفية التي انطوت عليها الرواية هي التي أوعزت إلى الفيلسوف “أدموند هوسرل” أثناء إلقائه محاضرة عن الفيلسوف “ديكارت” أن يجيب عن سؤال وجّه إليه من أحد الحضور عن رؤيته لجذور الأزمة التي تمر بها أوروبا والتي كانت على شفير قيام الحرب العالمية الثانية، فأجابه بهذه الإجابة “أنصحك أن تقرأ ثربانتس، ربما تجد الإجابة في ثنايا حوار دون كيشوت َ”
هكذا استنهضت رواية دون كيشوت الفكر الفلسفي من خلال نصوصها الأدبية المبنية على السرد الروائي والخيال الإبداعي، الخيال الذي قال عنه “هنري ميللر” “هو الطريقة غير المباشرة للاقتراب من الحياة ولاكتساب رؤية شاملة للكون”. 

* أديب وكاتب مصري

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود