الأكثر مشاهدة

 د. سميّة محمّد طليس* الشّعرُ صوت الذّات القلقة، هو حداثة الرّؤية في علاقتها بال …

رؤيةُ طَرَفة بنِ العبد.. جدلُ الحداثةِ الشّعريّةِ وتناقضاتُ الأزمنة

منذ 3 أسابيع

40

0

 د. سميّة محمّد طليس*

الشّعرُ صوت الذّات القلقة، هو حداثة الرّؤية في علاقتها بالعالم المرجعيّ المتعيّن الّذي يحياه المُبدع في جوانبه السّالبة والإيجابيّة، وذلكَ للارتقاء بأناه، عبر الخطاب الشّعريّ، من شروط الضّرورة إلى آفاق الحرّيّة والجرأة المستندتيْن إلى العقلانيّة الّتي حدَتْ بأبي تمّام إلى وصف الشّعر بأنّه “صوب العقول”، وعليه ينطقُ الشّاعرُ بما يستأثر به، بالشّعر الّذي يشكّلُ كشفًا عمَّا لا يمكنُ الكشفُ عنهُ إلَّا به، مع السّعي إلى تحقيق الفرادة الّتي تمنحُ المتلقّي فرصةَ تعرّف حياة الشّاعر بعمومها وشمولها وتبايناتها ومتشعباتها. والشّعر إيقاع على وقع الألم،  تتوازى إيحاءاته بين الرّوحيّ والمجازيّ، وبين اللّاوعي المخصّب بالرّغباتِ المقموعةِ والوعي التّجاوزيّ الّذي يساندُ الذّات في تمرّدها على واقعها، ومواجهته بأدوات معرفيّة حداثيّة، ويُحيلُ المكبوتات إلى إبداعٍ  يتراءى لنا عند طَرَفة بنِ العبدِ ثورةً تغييريّةً صاغَتْ ملمحًا حداثيًّا، في القرن السّادس الميلاديّ، ملمح يقعُ موقعَ النّقيضِ مع ثوابت القبيلة وأعرافها، بعدَ انعطافة طرفة السّلوكيّة الّتي ولّدَتْ أنساقًا اجتماعيّة مضطربة، انهزم حيالها النّقدُ الجمعيُّ السّاعي إلى تأطير فكر الشّاعر بإطار المنظومة القبيليّة، لئلَّا يتفاقمَ المأزقُ الوجوديُّ، ويُعيقَ التّعاملَ مع المستقبل بفعل التّناقضات، وهذا ما عزّز الثّنائيّات الضّدّيّة في شعر طَرَفَة: (الطّواعيّة # الإكراه)، (الاتزان # التّهوّر)، (الخضوع # التّمرّد)، (الحشمة # التّفلّتُ)، (الإهمال # الاهتمام)، (الخيبة # الأمل)، (الوصل # الهجر)… وكانت وجهة الشّاعر العالم النّقيض:

رأيْتُ بني غبراء لا يُنكرونَني   ولا أهلُ هذاكَ الطّراف المُمدَّدِ
لجأ الشّاعرُ إلى واقعٍ مغاير، منطلقًا من بصيرته الّتي تخطَّتْ ما لم يَرُقْ لتطلّعاته، في واقع قومه الّذين جحدوه حقّه وقيمته وهجروه، بالرّغم ممّا له من وافر الفضل عليهم، متحوّلًا من صورة شريك في واقع مأزوم، إلى متمرّد متجدّد لا يقبض عليه الأسى، بل يعزّز لديه الرّغبة بتجاوز عالم القبيلة والأقارب، لأنَّ القبول به هو قبولٌ بالغياب والمنفى، قبولٌ بزمن العدم، لذلكَ لا سبيل إلى الحياة، في هذا العالم، إلّا بموته، من حيثُ هو مصدر للقلق والموت، وانبعاث نقيضه الخصب الّذي يتخطّى الجمود العقيم. من هنا، يعكسُ الفعل الماضي “رأيْتُ” يقينَ الشّاعر الّذي يعيدُ تشكيل الموقف من “بني الغبراء”، وهم الصّعاليك والفقراء، الموقف الضّدّيّ مع طبقة أشراف القوم، وأبناء القبيلة الّذين يجدون في سلوك الصّعاليك وفكرهم انتهاكًا للتّراث والثّقافة والعادات، وخروجًا على الرّأي الشّموليّ الموحَّد، وبذلكَ ينكشفُ صراع الأجيال، والشّرخ في الرّؤى، وأزمة الحوار.. فطَرَفَة يُصعّدُ حضور الصّعاليك ليصبحَ صوتهم الإنسانيّ الّذي يشكّلُ امتدادًا له، فهو يجد نفسه داخل هذا الصّوت، وليكشفَ مدى تماهي عالمه مع عالم هؤلاء الّذين رفضوا الجمود مع حركة الزّمن، والذّلّ وموت تاريخهم.

وإنّ الفعل المضارع “لا ينكرونني” ينفي صفة التّشييء عن طرَفَة، فزمنه التّجاوزيّ لا يزال قائمًا بحركته الذّاتيّة، الموازية زمن الصّعاليك من ناحية، وزمن الأشراف أينما حلّو في الحضر أو البادية “أهلُ هذاكِ الطّرافِ الممدّدِ”، بعيدًا عن المكان المنغلق، وهكذا يتجاوز الشّاعرُ عالم قومِهِ وزمنهم بأبعاده الثّلاثة، ويعيدُ تشكيلَ عالمِهِ، ويكتب زمنه الأجدى، بلغته، وفقَ صراع مفتوح على جدليّةٍ ضدّيّةٍ: (المنفى# القبول)، جدليّةٍ تختزلُ التّاريخَ الفاصلَ ما بين التّنازلِ عنِ الحضورِ قسرًا في ظلِّ أزمةِ الهُويّةِ والانتماءِ للقبيلة- وسوداويّةِ المشهدِ معَ الحضورِ الإنسانيِّ المُجْدِب، وبينَ الرّغبةِ في التّصدّي للإقصاءِ، الرّغبة الّتي تُحال إلى فعلٍ لتثوير الذّات على واقعها المرجعيّ، والانتقالِ بعلاقاتِ هذا الواقع ومناخاتِهِ القلقةِ والخانقةِ منَ الاضطهادِ إلى الحرّيّة، ومن الغياب إلى الحضور، ومنَ المظلوميّةِ إلى العدالةِ، ومنَ الاستسلام إلى المقاومةِ، ومن الرّضوخ إلى التّمرّد…
     
ولم يكُنِ المكان حياديًّا، بل كانَ شريكًا ومتحيّزًا ووسيطًا في مساندة ذات الشّاعر في تأكيد انتمائها عرقيًّا إلى الجماعة، وفي محاولة لتقليل الشّرخ بين آفاق وعيها الحداثيّ وبين تحامل البيئة المجتمعيّة عليها، من خلال تمسّكها بالقيم العربيّة الإنسانيّة الأصيلة، والكشف عن علاقتها الجدليّة مع المكانِ الّذي لا بدّ من استجابته لتّحوّلاتِ الشّاعر الفكريّة الّتي عبّرت عن مأزقِ الإنسانِ في انعطافة تاريخيّةٍ حَرجةٍ:

إذا القومُ قالوا مَن فَتًى؟ خِلتُ               أنّني عُنِيتُ فلمْ أكسَلْ، ولم أتبَلّدِ
ولســــــــــتُ بحلاّل التلاع مخافةً            ولكنْ متى يســــترفِد القومُ أرفـــــــــدِ
   
يوظّف الشاعر أسلوب الشّرط  “إذا القومُ قالوا…” للتّأكيد على تتابع فاعليّة الزّمن مستقبلًا، والمعلّقة بالظّروف الدّاهمة الّتي تهدّد وجود الإنسان وكيانه، مهما ارتقت أحواله وعظمته، وتعزّز حاجتَهُ المُلحّة إلى الآخر، وهذا ما يشكّلُ تحريضًا لطرفة الّذي يأسرُ أبناء قومه ليدخلهم في دائرة حضوره، مصرًّا على تلافي انسلاخهم الكلّيّ عنه، في المواقف الإنسانيّة، خصوصًا حين تشكّلُ القضايا الوجوديّة الكبرى تحدّيًا يدفعُهُ إلى المبادرة ذودًا عن قبيلته، وكأنّه المؤتمن الوحيد على مصيرها، والاستثنائيّ في شجاعته “فلمْ أكسلْ، ولم أتبلّدِ”، وهكذا ينفي عنه صفة التّخاذل، أو الرّغبة في التّشفّي، بل ينتصر جرحه على الوجع، بعد تعالي الذّات على الأنانيّة. ولقد تخطّى وعي الشّاعر الفرديّ اللّا وعي والوعي الجمعيّين، عبر الثّورة على نكرانه، فانسحابه من المشهد ليس هربًا من المسؤوليّة، أو ضعفًا وخشيةً من مجابهة التّحدّيات “ولسْتُ بحلّال التّلاعِ مخافةً”، بل يشكّل إضاءة لحياته في وضعها المأزقيّ، إذ يكون مقدّمةً لعودته لاحقًا، حين “يسترفدُ القوم”، عودة إلى الرّحم – الأصل تأكيدًا على ثبات الهُويّة، ومحاولة للغوصِ في حاضر الآخر زمنه، ومدّه بالعطايا، وسدِّ حاجته، حتّى لو كان عالمه معاديًا، وذلكَ لاجتناب انشطار الهُويّة.

ويحاولُ الشّاعرُ الانتقال من الانغلاق في المدار المغلق (القبيلة) إلى الفضاء المفتوح للرّؤية، ليظلَّ حرًّا طليقًا جسورًا متمرّدًا… وهذا يعني أن مواجهة واقع القبح لا تكون عبر الفرار منه، أو عبر استبداله بواقع بديل على مستوى الوهم، بل عبر التّحديق في القبح للكشف عن نقيضه في داخله، ومناوشة قمعه، ويظهر ذلكَ في قول طرفة:
     وإنْ يلتقِ الحيُّ الجميعُ تلاقني              إلى ذروةِ البيْتِ الشّريفِ المُصمّدِ

يتجاهل الشّاعرُ منطق التّراتب القمعيّ الّذي ينفي فيه الأعلى “أهل الحيّ= أبناء القبيلة/ الأقارب” الأدنى  طرَفة “المنبوذ/ المضطهد”، وفقَ منظورهم، أو ينفردُ الأعلى من دون الأدنى بالمرتبة العليا عند المفاخرة بالنّسب، مؤكّدًا عدم التّكافؤ بينهم (الآخر) وأناه، ليس للهبوط بنموذجهم، بل لإثبات تعاليه، بعدَ استحضار علاقات الغياب الّتي يفرضها التّضاد، فهو الأرقى نسبًا، والأكرم عطاءً، ومن السّادة مقصد طُلّاب الحاجات، على الرّغم من ترحاله الدّائم “تلاقني إلى ذروةِ البيْتِ الشّريفِ المُصمّدِ”.

إنَّ تاريخ الشّاعر جزءٌ من تاريخ أبناء القبيلة، والمحصّلة هي ارتداد فخره عليهم، لأنّه يفخرُ بهم ضدّهم، وهنا تتجلّى علاقة الشّاعر الملتبسة مع قبيلته، يتعلّق بها وينفر منها في آن؛ لأنّها تطبق عليه كالسّجن، وتسقط عنفها بدلالات القمع، فتظهر، بفعل ذلكَ، حدّة التّقاطب بينه وبينها، لكنّها تظلّ النّسب الّذي يتباهى به، يغوص في قوقعتها وانطوائيّتها ليحرّرها، وليقلب الصّورة على نفسها، ويتمرّد عليها ليستبدل وجهها بآخر لم يكتمل، لأنَّ القبيلة لم تتخلَّ عن ملامحها، بل ظلّتْ متمسّكة بما هو ثابتٌ وجامدٌ، وبالماضويّة الميّالة إلى قتل الزمن؛ لذا فشلَتْ محاولةُ سَوْق القبيلة إلى مرحلة تجاوزيّة، فكان مشهد التّوتّر قائمًا ما بين مبدأ رغبة الشّاعر ومبدأ الواقع المرجعيّ الفعليّ.
                                                     
* الجامعة اللّبنانيّة الدّوليّة (LIU)

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود