مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

إعداد_هدى الشهري واحد من أبرز الشعراء العرب في عصره، تلقي تعليماً دينيًّا تقليدي …

محمود غُنيم وهموم الأمة

منذ شهر واحد

66

0

إعداد_هدى الشهري

واحد من أبرز الشعراء العرب في عصره، تلقي تعليماً دينيًّا تقليديًّا في عدة مدارس، بعدها التحق بمدرسة دار العلوم، ليعمل بعد تخرجه بالتدريس لعدة سنوات، نظم خلالها أعذب قصائده وأجملها.

رُزق غنيم أبًا محبًّا شغوفًا بالشعر وروايته، حافظًا للكثير منه، حسن الاستشهاد به، فقد كان يحثُّ ولده على حفظ الشعر وتعلمه، رافعًا شعار” اقرأ تتعلم الفصاحة”، كأنَّه يرى أنَّ الشعر مِفْتاح للنجاح في الحياة، والطريق لتهذيب النفس والارتقاء بها، وتحصيل الذوق السليم، ففساد الذوق كان سببًا في وقوع الناس في المهاوي والخطأ.

كان غنيم من أوائل الذين فازوا بجائزة الدولة التشجيعية في الشعر، كما فاز بالجائزة الأولى في مسابقة مجمع فؤاد الأول للغة العربية،  وهذا عن ديوانيه (صرخة في واد ـ في ظلال الثورة)، وقد قيل عنه إنه أولى الشعراء بلقب خليفة حافظ إبراهيم شاعر النيل، والوصف صادق إلى حد كبير، لكنه عاش عصرًا مختلفًا عن عصر حافظ، فقد كتبت مجلة «العصبة» التي كان يصدرها أدباء المهجر في البرازيل  مقالًا مطولًا للأستاذ الشاعر توفيق ضعون بعنوان «خليفة حافظ».

كان غنيم من محبي الشعر القديم، فقد كان يتبع في شعره الخليل بن أحمد، ما أعطى لشعره موسيقا متميزة، كما كان منحازًا إلى عمود الشعر العربي؛ لذا يعتبره النقاد واحد من الشعراء المحافظين، بريادة البارودي ومن ساروا على نهجه، كالشاعر أحمد شوقي وحافظ إبراهيم وغيرهم ممن يرفضون الشعر الحر، وقد عبر عن موقفه ذلك في شعره بكل شجاعة وقوة، ما أوقعه في خصومة مع أنصار ذلك النوع من الشعر، ومن ذلك قوله:


ليس شعرًا ما لم يكن عن شعـــور         وله من قرارة النفـــس واحي

                           ليس شعرًا ما احتـــــاج قـراؤه في        فـــهم أهـــــدافـه إلى شــــــراح

                           ليس شعرًا ما جاء عن غير طبع          بعد طـول الـلـجـاج والإلحــــاح

                           إن مَـنْ ينشئ القـريـض بـلا طبـ          ـعٍ يغوص الوغى بغير ســـلاحِ

                           كل شعـــــرّ أتى بغـــير عمــــودٍ         عُـدّ في الشعـر من قبيل المزاحِ

فهو يتفق معهم في وظيفة الشعر، وهي” تهذيب النفوس، وتدريب الأفهام، وتنبيه الخواطر إلى مكارم الأخلاق”، فعلى الرغم من اقترابه من الجمعيات الأدبية المعنية بأمور الشعر، مثل “مدرسة البعث” “الديوان” “جماعة أبوللو” “جماعة أدباء العروبة” “رابطة الأدب الحديث” وغيرها، لكنه اتخذ موقفًا مستقلًا من هذه الإتجاهات، فقد كان يعتمد على رؤيته الخاصة وأهمية التجديد وتطويع الشعر التقليدي لمقتضيات العصر والأفكار الحديثة في إطار من المحافظة على الشكل الذى عُرف به.

شارك غنيم في كثير من المناسبات بشعره، ومن ذلك قصيدته في رثاء الزعيم الوطني محمد فريد، التي كتبها وهو ابن السابعة عشرة، كما تصدرت قصيدته في رثاء سعد زغلول كتاب (دموع الشعراء علي سعد)، وحرص على التواجد في مهرجان مبايعة شوقي بإمارة الشعر، حيث كان يصرح دائمًا عن إعجابه بالأحمدين (المتنبي وشوقي)، وولعه الشديد بالبحتري، ما دفعه للمشاركة في تحقيق الجزء الحادي والعشرين من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني مع إبراهيم الغرباوي، وهو الجزء الذي يضم شعر البحتري، كما حرص غنيم على مراسلة مجلة «الرسالة» بقصائده الشعرية، التي تولت بدورها تقديمه لمجتمع المثقفين والأدباء وهواة الأدب في القاهرة، فأتيحت له فرصة  للاتصال بالشعراء والأدباء ودور النشر والصحف والمجلات الأدبية، التي أعانته على تأليف كثير من الكتب، ومنها ديوانه “صرخة في واد” الذي تناول فيه كثير من الموضوعات، فكتب في الحرب، وقضايا المجتمع، والوصف، والمرأة، والعبارات (وهي مقطوعات قيلت في رثاء صديق أو تذكُّر ماضٍ حزين)، والتحديات ( في مدح الملك فاروق)، والزفرات، والدعابات (وهي قصائد ومقطوعات ضاحكة موجهة إلى الأصدقاء، أو في تناول موضوع هزلي ظريف، وفي النهاية المتفرقات.

إضافة إلى ديوانه “رجع الصدى”، كما كتب بعض المسرحيات الشعرية، ومنها “المروءة المقنعة»، و«الجاه المستعار»، و«غرام يزيد»، و«يومان للنعمان»، و«النصر لمصر» أو «هزيمة لويس التاسع»، وقد فاز كثير منها بالجوائز.

 يعتبر محمود غنيم من الشعراء مرهفي الحس الذين يتأثرون بكل ما حولهم من أشياء وكائنات، وأحداث أو مؤثرات نفسية فهي في نظر الشاعر بمثابة التجربة التي حركت نفسه وهزت مشاعره.

من الملاحظ تنوع قصائد الشاعر في دواوينه المختلفة، فنراه يبرز الحروب وأهوالها، كما نجده يكتب الكثير من القصائد التي تتميز بالخفة والدعابة والفكاهة، وكذلك العَبَرات والرثاء، إضافة إلى المديح والوصف، والقصائد الوطنية والإسلامية، والكثير من القضايا الاجتماعية، والأدبية والنقدية، وقد قال الشاعر الكبير “عزيز أباظة” عن ديوان “محمود غنيم” الثاني “في ظلال الثورة” وهو يقدم له: “إنك تحس وأنت تطالع هذا الديوان أنك في متحف رائع للطبيعة تعرض فيه كل ما يخلب اللب ويأسر المشاعر من صور، فكل قصيدة من قصائده أشبه بلوحة رائعة أبدعتها يد صنّاع، وهيهات أن تجد في بيانه المحكم السبك ما يتجافى عنه الذوق السليم، وتنبو عنه النفس الشاعرة، ومرد ذلك إلى مكونات الشاعر، من ثقافة واسعة متنوعة، وموهبة فطرية تفاعلت معها أسرار الحياة، فلا عجب وقد تكاملت له عناصر الشاعرية المبدعة ليصبح دعامة راسخة في نهضة الأدب المعاصر.

 كما كان لشعر الحكمة القدر الكبير من الاهتمام من قبل الشاعر، سواء الحكمة المستقاة من تَجربته داخل المجتمع، وهي الغالبة عليه، أو الحكمة التي ترسبت في ذهنه بفضل ممارساته الثقافية، وموروثه الفكري، وتأثير القرآن الكريم، والسنة النبوية، ومن الواضح في هذا الغرض حرص الشاعر أن تكون الحكمة  شديدة الوقع والزجر، قريبة من حياة المخاطبين، كأنَّها علاج لقضيةٍ ما.

إضافة إلى تركيز الشاعر بمنظوماته على قضيتي الأخلاق واللُّغة، فهما الركيزتان الأساساسيتان في الانتصار في الحروب، والخروج من الشدائد، ومن ذلك قوله:

                          وَالشَّعْبُ إِنْ سَلِمَتْ لَهُ أَخْلاَقُهُ                وَلِسَانُهُ لَمْ يَخْشَ مِنْ قَطْعِ السِّهَامْ

كما اهتم غنيم بالتركيزَ على الشباب، فهم عماد الأمة، وهنا يقول:

                           وَإِذَا تَـنَـكَّـرَ لِلْـحِـمَى أَبْنَاؤُهُ                  فَهُمُ أَضَرُّ لَهُ مِنَ الْأَخْصَامِ

ويظهر حرصه على حث قومه للتمسُّك بالعقيدة الإسلامية، والحفاظ على اللغة العربية، باعتبارها الأداةَ الرئيسة التي تثبت كِيانَ الأمة، وتُحقق هويتها؛ فيقول:

                          أَبَنِي نِـزَارَ وَيَعْـرُبٍ أُوصِـيـكُـمُ              بِذَخِيرَتَيْنِ: الضَّادِ وَالْإِسْلاَمِ

اهتم غنيم  بإحياء روح التفاؤل والأمل، حيث استحضر الصُّور المشرقة في الحياة، التي يَجب أن تعودَ من جديد، وتلقي بظلالها على حضارة المسلمين؛ فيقول:

                          يَا شَرْقُ يَا مَهْدَ الشَّرَائِعِ رَحْمَةً               لَكَ مَا لِأَهْلِكَ فِيكَ كَالْأَضْيَافِ 

                          يَا شَرْقُ أَنْتَ بِكُلِّ شَمْسٍ مَطْلَعٌ               مَـا بَالُ أُفْقِـكَ حَالِـكَ الْأَسْدَافِ

وليس يخفى على أحد ميل الشاعر للاستشهاد والاقتباس من القرآن الكريم، لما له من أثر كبير؛ فهي زادُ الداعية المسلم، كما للكلمة القرآنية  دَوْرُها البالغ في استمالة السامع، وإقناع المتردد أو المنكر، ومن ذلك قوله:

                           “وَيْحَكِ يَا أَيَّتُهَا الشَّمْسُ اطْلَعِي             يَا أَرْضُ غِيضِي يَا سَمَاءُ أَقْلِعِي”

وكذلك قوله في استنهاض المسلمين:

                             اسْتَشْهِدُوا الرَّحْمَنَ فِيهِ عَلَيْكُمُ              وَكَفَى بِرَبِّكَ شَاهِدًا وَحَسِيبَا

كما كان لوصف الطبيعة، واستمتاعه بأُنْسها، الحظ الأوفر في شعره، فقد فتح الشاعر عينيه على خضرة الريف بما فيه من هدوء ونقاء وقيم فتأثر بهذه الطبيعة البكر، ومن ذلك قصيدته الشهيرة “الريف”:

                       عشقوا الجمالَ الزائف المجلوبا                وعشقت فيكَ جمالكَ الموهوبا

                       قدستُ فيك من الطبيعـة سرَّهـا                أنعمْ بشمسك مشرقًا وغروبا!

ثم يقول:

                       كست الطبيعةُ وجْهَ أرضـك سندسًا           وحبت نسيمك إذ تضوَّع طيبا

                       مالت على الماء الغصون كما انحنت        أمٍّ تُـقـبِل طـفـلـهـا الـمـحبـوبـا

حتى نصل إلى الصورة الجميلة لما اشتهرت به محافظة الشاعر (المنوفية) في قوله:

                       وبـدا النخيـل: غصونـهُ فيروزجٌ              يحملن من صافي العقيق حبوبا

ولا بد لنا من التوغل في  قصيدته الخالدة “وقفة على طلل”، التي لهجت بها الألسن في كل مكان، حتى قيل: “لو أنه ليس لغنيم إلاَّ قصيدته هاتِه، لكفتْه”، هذه القصيدة التي قالت فيها جريدةُ “طرابلس الغرب اليومية”: “ولعل قصيدته “ما لي وللنجم يرعاني ويرعاه” – تقصد قصيدةَ “وقفة على طلل” – أصبحت أعلق بأذهانِ الناطقين بالضاد من “قفا نبك” التي ضُرِبَ بشهرتها المثل”؛ لأَنَّها كانت تُمثل أنينَ كل عربي مسلم، وتترجم أحاسيسَ كلِّ من له أحاسيس تحررت من كل رابط الخيال، فالمنحى في شعره جمالي نفسي فتجده في هذه القصيدة:

                       ما لـي وللنجـم يرعانـي وأرعـاه              أمسى كلانا يعافُ الغمـضَ جفنـاه
                       لي فيـك يـا ليـل آهـاتٌ أرددهـا              أُواه لــو أجــدت الـمــحــزون أُواه

فالشاعر يذهب في رائعته هذه إلى بعض  المؤثرات البسيطة؛ ما أعطى لكلماته موسيقية حزينة، فالجرس الصوتي الحزين في قوله:
                         لا تحسبنّي محبًّا أشتكـي وصبًـا            أهــون بما في سبيـل الحـب ألقـاه

فقد سيطرت حالة من الحزن على الشاعر، لا حسب وطأة الحب والمشاعر، بل حسب قيمتها الصوتية، ففي البيت السابق نشعر بحالة من الانكسار والحزن المشترك بين الكائنات الرقيقة، كأنه يقود القارئ للخوف المتصاعد مما حدث وما سيحدث.

كما نلاحظ تدفق الكلمات الدالة على الوجع والألم، حيث اشتملت أغلبها على أحرف المد، التي تسمح بخروج أكبر قدر من زفير الأوجاع (لي ـ  فيك ـ يا ـ آهات ـ أرددها ـ أواه ـ المحزون ـ أواه).
كما مال الشاعر إلى نداء الليل، وهو من الأساليب التي اقترنت عند الشعراء بالهموم والأحزان. 

                                  إنـّي تذكـرت والذكـرى مؤرقـةٌ              مجــدًا تـليــدًا بـأيديـنــا أضعـنــاه

يعتبر النقاد البيت الرابع المدخل الفعلي للقصيدة، كونه يكشف عن سبب نظم الشاعر لها، ويفصح عن العلة الرئيسة التي تقف وراء ما أصاب الشاعر من هم كبير وألم عظيم. 

                        ويْح العروبة كان الكـون مسرحهـا         فأصبحــت تتـوارى فـي زوايـــاه
                        أنَّى اتجهت إلى الإسـلام فـي بلـدٍ            تجده كالطيـر مقصوصًـا جناحـاه

لقد أثار عنوان القصيدة الكثير من جمهور الناس لمعرفة محتواها، ذلك أن كلمة “طلل” دلت على أن الماضي حاضر، في وقت انبهر فيه حشد من المسلمين بالغرب، وتعالت فيه الدعوات، وما زالت تتعالى مناديه بالقطيعة مع التراث العربي، بحجة أن فيه عودة إلى الوراء، وأنه سبب التخلف والتأخير الذي تعيشه أمُة الإسلام في العصر الحاضر.
وسنختم مقالنا هذا بما توصل إليه “دسوقي أباظة” حين قال: “من أهم خصائص هذا الشاعر أنه امتدادٌ للخالدين من عمالقة الشِّعْر العربي، فليس شعره ذاتِيًّا يدور في فلك حياته الخاصة، أو محليًّا يتغنى بالأرض التي درج عليها، وإنَّما هو شعر ينتظم آفاقَ الوطن العربي الكبير”. 

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود