مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

  نجمة الشاكر* “النفط هو مزيج معقّد من الهيدروكربونات؛ وهو يختلف في م …

نفط من عقول

منذ أسبوعين

30

0

 

نجمة الشاكر*

“النفط هو مزيج معقّد من الهيدروكربونات؛ وهو يختلف في مظهره ولونه وتركيبه بشكل كبير حسب مكان استخراجه؛ ويعدّ من الخامات الطبيعية، بسبب تشكّله تحت طبقات الأرض العميقة من كمّيات كبيرة من الكائنات المندثرة (الأحافير)، مثل العوالق الحيوانية والطحالب التي طمرت تحت الصخور الرسوبية ثمّ تحلّلت بغياب الأكسجين وارتفاع الضغط ودرجة الحرارة تحت سطح الأرض”. 

كان ذلك النص الذي لفت انتباهها وهي تتنقل كعادتها عبر المواقع والصحف بحثًا عن وظيفة تحتوي مواهبها.. كانت ممتعضة وهي تفكر كيف أن العالم أجمع يحارب من أجل بقاياها المتحللة.. وهي التي لم ينتفعوا من بشريتها وكينونتها وهي حية تتنفس! كثيرًا ما كان يحز في نفسها أنها لم تكن في المكان الذي يستحقها.. لو أنها وُضِعت في المكان الصحيح لأزهرت المكان ولأعطت وأثمرت وأنتجت.
كانت تفكر كيف أن هذا النفط اندثر فيه عقول وعلوم وأفكار لم ترَ النور! بشرٌ أحياء كانوا يصارعون من أجل أن يحييوا عقولًا ويورِّثوا علومًا.. لكنهم دُفِنوا مع أجسادهم بلا أدنى تقدير لإنسانيتهم أو لأحلامهم.. ثم أصبحت مقابرهم محافلَ يرقص عليها الطامعون في بقاياهم المتحللة.. تبًا لهم! 
فكرت هل يمكن أن تكون نافعة يومًا بطريقة ما في حياة أخرى لا تهتم بالشكل أو الهوية.. فكرت كيف لو تحللت إلى دُبال (بقايا الكائنات المتحللة) واستمدت الأرض منها الخصوبة، فعادت ثانية إلى الحياة لتحقق بعضًا من أحلامها.. هي تعلم يقينًا أنه لا يمكنها العودة إلى سابق شريتها، إنما فكرت كيف لو عادت كشجرة نبتت من قبرها وتغذت من بقاياها وامتصت منها الأملاح المعدنية.. ثم تأتي على هيئة ثمار فتكون غذاءً للبشر؟!
أخذت الأفكار تجوب بها في عوالم مختلفة دنيوية وبرزخية وأخروية.. حتى استقر بها المطاف عند فكرة ربما تكون مجدية.. أن تترك وصية لأهلها أنهم إذا ما دفنوها يومًا أن يتركوا معها بعضًا من حبات الزيتون.. حتى إذا ما نبت منها يومًا تعود للحياة ثانية على هيئة شجرة زيتون باختيارها.
قد كان حلمها أن تُخيَّر يومًا، لكنها دومًا كانت مُسيَّرة.
كانت فكرتها أن تعود على هيئة شجرة مثمرة معطاءة كما روحها دومًا، وترى ذريتها من الشجر كما لها ذرية من البشر.. ثم انفطر قلبها على صغارها كيف حين يزورون أمهم الشجرة ويناجونها ويشعرون بروحها فيها ولا يسمعون منها سوى حفيفها.. أو حين يرونها تُكسَر أغصانها وتُحْتَطَب ولا حول لها ولا قوة.. أو حين تكبر وتعمر فتموت.. كيف يذوق صغارها الفقد مرتين؟!
مرة حين موتها من بشريتها ومرة أخرى حين موتها من شجريتها.. آه ما أقسى الحياة في كل حال وما أقسى البشر! 

 

* كاتبة من السعودية

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود