سيمياء العتبات و رمزية الموت في رواية: (سلمى) لغازي القصيبي

 

 سيمياء العتبات، و رمزية الموت في رواية: سلمى، لغازي القصيبي* 

أ.شذى الجاسر*

احتل الأدب من شعر ونثر مكانة كبيرة، فكان العرب والغرب قديماً يهتمون بنقده، ومع مرور الزمن وتطور الأدب ومواكبة النقد له وبسبب امتلاك الناقد ثقافة عالية ظهرت النظريات الأدبية المختلفة التي تكشف كل منها عن مكامن النص الأدبي، ومن تلك النظريات، النظرية السيميائية والتي تعني العلامات أو الاشارات، وقد ظهر مسمى السيمياء في القرآن في الكريم في قوله تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾، (الفتح، آية ٢٩)، وفي قوله تعالى: ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾، (البقرة، آية ٢٧٣)، وفي قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ﴾، (الأعراف، آية ٤٦)،

فالكلمات: سيماهم، مسومة تدل على العلامة أو الاشارة التي تميز الشيء عن شيء آخر(1)، وهذا ما اتخذته النظرية السيميائية في نقدها للعمل الأدبي وهو البحث عن العلامات ودلالاتها في النصوص، وقد اختيرت رواية: ( سلمى ) لما تحمله من علامات لها دلالات عميقة ظاهرة منذ العنوان “سلمى”، أما في الاصطلاح فقد جاء مفهومها بكونها لعبة التفكيك والتركيب، وتحديد البنيات العميقة الثاوية وراء البينات السطحية المتمظهرة فونولوجياً ودلالياً(2).

السيميائية عند العرب قديماً:

عرف العرب قديما السيميائية كمفهوم وليس كمصطلح، وستكتفي الباحثة بذكر بعضاً منهم:

عند الجاحظ: ظهرت السيميائية من خلال قوله عن اللفظ والمعنى: “إن حكم المعاني خلاف حكم الألفاظ، لأن المعاني مبسوطة إلى غير غاية، وممتدة إلى غير نهاية، وأسماء المعاني مقصورة معدودة، ومحصلة محدودة”(3)، فالجاحظ من خلال كلامه يوضح أن للمعاني دلالات كثيرة سواء أخبر عنها بشكل لغوي أو غير لغوي، وبهذا المعنى يكون قريب من النظرية السيميائية كونها تبحث عن دلالات المعنى وراء الألفاظ أو غيرها، أما عند الفرابي: ارتبط علم الدلالة بالفلسفة والمنطق(4)، وعند ابن سينا: بكون الإنسان يتشكل لديه المعنى بكل دلالاته من حيث الألفاظ أو الأشكال وطريقة ادراكه لهم(5).

السيميائية عند العرب المحدثين:

ظهرت السيميائية ونمت لديهم من خلال الترجمات التي أحدثت إشكالية من خلال ترجمة المصطلح للعربية وعن المثاقفة والبعثات العلمية أيضا، وينقسم نقاد العرب المحدثين لقسمين: المغرب والمشرق العربي؛ فبالمغرب العربي أسهم نقاد الجزائر والمغرب بتثبيت ركائز السيميائية في المغرب خاصة والوطن العربي عامة، ومنهم عبد الملك مرتاض، ورشيد بن مالك، ومحمد مفتاح، وسعيد بن كراد، وسعيد بوطاجين، وسعيد يقطين وغيرهم، أما في المشرق العربي فقد ظهر عبد الله الغذامي، وصلاح فضل، ومحمد عزام، وجميل حمداوي وغيرهم الكثير، وسيُكتفَى ببعض النقاد حول النظرية السيميائية(6)، فعند عبد الملك مرتاض: وضع لنفسه مصطلح السيمائية بدلا من المصطلح السيميائية ليتميز به عن غيره من النقاد، فكان عبد الملك مرتاض ملما بمفاهيم النظرية السيميائية حيث أتت دراسته “التحليل السيميائي للخطاب الشعري” على ثلاث مستويات درس في الأول التشاكل والتباين، وفي الثاني درس الحيز والتحيز في لغة الشعر، والثالث خصصه للتحليل، ولم يقف مرتاض على فكر الغرب بل تعدى ذلك للبحث في التراث العربي الذي كان بمثابة الدرجة الأولى للنظريات، وكان استيعاب الفكر الغربي لها الدرجة الثانية(7)، وأما رشيد بن مالك: فقد ترجم كثيرا من أفكار الغربين امثال دس سوسير وبيرس وجوليا ورولان بارت وغريماس، كما كانت له دراسات عديدة فيها منها: “البنية السردية في النظرية السيميائية”، وذلك يرجع لأهتمامه بالنظرية السيميائية اهتماما كبيرا، وهذا الاهتمام جعل من اسمه مرتبطا بالنظرية السيميائية(8)، وسعيد بن كراد: كانت له بصمته الكبيرة في العالم العربي من خلال ترجماته مثل: السييميائيات والتأويل، والتأويل بين السييميائيات والتفكيكية، السييميائيات مفاهيمها وتطبيقاتها. أما صلاح فضل: فيعد من الرواد البارزين في النظرية السيميائية، فأعماله تعتبر بمثابة الحافز القوي للنقاد الجدد، حيث يرجع له الأولوية في الحديث عن النظرية السيميائية في الوطن العربي من خلال كتابه “نظرية البنائية في النقد العربي”(9)، وعند الغزالي: فقد ظهرت الدلالة من خلال تقسيمه لمرجعها لأربعة أقسام وهي: الموجود في الأعيان، والموجود في الأذهان، والموجود في الألفاظ، والموجود في الكتابة، فمن خلال هذا التقسيم أثبت الغزالي أن للإنسان قدرة على الإبداع بالألفاظ لما يراه في الأعيان، ثم يدون ذلك الإبداع كتابياً والذي يحتضن أمور اللغة ومن ثم يتم فهمها ودراسة معانيها، أما عند عبد القاهر الجرجاني: فتظهر من خلال قضية اللفظ والمعنى والعلاقة الاعتباطية القائمة بينهما، حيث قسم الكلام لقسمين أحدهم يصل لغرضه بدلالة اللفظ وحدها، والأخر لا يصل لغرضه من خلال اللفظ؛ بل إلى المعنى الذي يقتضيه موضوعه في اللغة ويكون له دلالة توصله للغرض(10).

آليات التحليل السيميائي:

يرتكز التحليل السيميائي على جانبين: الأول: الرمزية والدلالات. الآخر: ربط النص بالواقع، وآليات وأدوات السيميائية كثيرة وسيذكر منها ما سيستخدم في هذا البحث: 

أولا: سيمياء الغلاف والعنوان: للغلاف والعنوان دور مهم في الرواية ومكانة لدى المؤلف، فهما العتبة الأولى التي ترشد القارئ لنوع متن العمل الأدبي، فتقول جوليا كرستيفا في مقالة اللغة المرئية: التصوير، وهذه البنية هي لغة خطوط وأشكال وألوان، ومن خلالها يمكن إظهار الواقع أو التعبير عنه، بل تحيل إلى ذوات ووحدات تركيبية ودلالية تتناثر في فضاء النص المكتوب. 

ثانيا: سيمياء الشخصيات: للشخصيات دلالات عميقة لا يمكن تحديدها إلا من خلال القراءة والثقافة، حيث أن من خلال القراءة يتمكن القارئ من الاحاطة بأبعاد الشخصية وفك سننها وبذلك يكون قادراً على الوصول لمدلولاتها، وللشخصية ثلاثة أنواع:

  • مرجعية: وهي التي تحيل للعالم الخارجي محققة مادياً ومعروف تاريخي.
  • إشارية: تصل المؤلف بالسرد، وغالباً ما تأخذ صوت المؤلف الذي يرتدي القناع.
  • استذكارية: وهي تعمل على تنظيم النص السردي(11).

ثالثا: سيمياء الزمان والمكان: للمكان والزمان أهمية في الرواية، فلا يمكن الفصل بينهما ولا يمكن للرواية أن تخلو منهما، فهما العامل الأساسي في سير الأحداث وتقدمها، فالعلاقة بين المكان والزمان علاقة تكاملية لأنها تشخص جدلية في الحياة والواقع الروائي(12).

رابعا: سيميائية لغة الجسد: وهو نسق ينتج ويدرك ويؤول داخل سنن ثقافية، أي أن من خلال الحركات والإشارات الصادرة من الأشخاص تحمل سلسلة من التحولات ذات دلالة، فالجسد يخضع لتأثير البرمجة الثقافية التي تنتج حركاته وإيماءاته، وقد حدد بنكراد نقاط للتحليل السيميائي للغة الجسد:

  1. أجزاء الجسم منفصلة نظام دال: لكون الجسد متحرك ومتبدل فإنه يعطي أشكالاً ومن تلك الأشكال أشكالاً أخرى التي تؤدي الوصول لدلالاته، ولا تقرأ تلك الأشكال إلا من خلال أجزاءه التي تظهر حركة الكل.
  2. دلالة العضو مرتبطة بنوعية الاستعمال: أي أن اختلاف أنواع حركات الجسد تؤدي دور ثقافي من خلال الاستعمالات الغريزية والثقافية، فكل حركة أو إيماءة تعتبر منبعاً لسلسلة كبيرة من الدلالات.
  3. الإيماءات الأساسية للجسد والبعد الثقافي: ركز بنكراد على أعضاء دون أعضاء، حيث هناك أعضاء لها دور قوي في الكشف عن دلالتها، وهذه الأعضاء هي ما بين العين واليد، حيث تعتبر اليد عضو زئبقي دائم الحركة تنتقل خلال النصوص بسهولة، ومن بعد اليد تأتي العين؛ فمن خلال اليد والعين هناك تواطئ ثقافي صادرعن نصوص متولدة عنهما مثل: تشير وتلمح، تفتح وتغلق، حيث يتداخل فيها العملي والثقافي فاليد تحجب الضوء عن العين والعين هي التي توجه اليد(13).
  4. التسمية المستعارة والبعد الثقافي: بعض الإيماءات الجسدية تأخذ مسميات استعارية ثم تضمنه إيحاءات ودلالات، وبعدها تنقله من الوظيفة العملية إلى الوظيفة الثقافية، وعلى هذا يتوجب الوقوف على طبيعة التسمية وما تحيل إليه حسب ثقافة مجتمع ما.
  5. دلالات الجسد ومهمة الكشف عن الإنتمائية والهوية: كل ما يصدر من الإنسان من إيماءات إثر وقائع وأفعال، والتي من خلالها يمكن تحديد هوية الشخص والمجتمع المنتمي إليه، سواءً كان يعيش في المدينة أم الريف، وإن كان مثقفاً أم شعبياً، وإن كان مجتمعه غربياً أم عربياً(14).

نبذة عن الرواية: 

تعتبر رواية سلمى من أهم الروايات السعودية، فهي رواية تجمع ما بين الواقع والفن من حيث أحداث التاريخ وتغير مساره وأحداثه من خلال خيال المبدع بما يتوافق مع أمنياته، فتحكي الرواية عن عجوز تهتم لسماع الأخبار من خلال الراديو، إلا أن تلك العجوز تطلب من ابنها سليم تغيير هذا الراديو كل شهر بشرط اختلاف مكان التصنيع، وذلك بحجة كونه يأتي بأخبار كاذبة، وتسير الأحداث وتختلف باختلاف ذاك الراديو، كما أن ابداع المؤلف يكمن من خلال سرد الواقع التاريخي وتغييره بما تهواه نفسه وتتمناه، وفي الأخير تنتهي الرواية بموت سلمى العجوز وسلمى الشابة بطريقة لا تخلو من الغرابة.

أولا: سيمياء الغلاف

تنوع الغلاف وتعدد في رواية سلمى بتعدد طبعاتها، إلا أنها في الطبعة السادسة حملت هذا الغلاف الذي يبرز فيه كباقي الطبعات الجانب الأنثوي، ففي هذا الغلاف أتت صورة الأنثى دلالة على كون “سلمى” محور هذه الرواية، كما أتت بعينين حزينتين دلالة على حزن سلمى في الشخصيتين العجوز والشابة لحال الأمة، فتدل الخلفية الخشبية ذات الخطوط الكثيرة على سلمى العجوز (الشخصية المحورية) التي رمزت للأمة العربية بينما أشار وجه المرأة في الغلاف لسلمى الشابة وهي (الشخصية الخيالية) في الرواية والتي تظهر من خلال عارض حلم المؤلف، كما أن عينا هذه المرأة تحمل بعض الخصائص الطفولية والتي تدل على سلمى الطفلة المذكورة في إهداء الرواية حيث ترمز لجيل المستقبل، ولهذا جاء العنوان بخط كبير نوعا ما وبلون الأسود وسط خلفية خشبية، ليبرز في عيني المتلقي كما برزت صورة المرأة موضحا أهمية هذه الشخصية، ليحث فضول القارئ لما هي بالذات دون كل الشخصيات في الرواية.

ثانيا: سيمياء الشخصيات: برزت شخصيات عديدة في رواية سلمى وسيذكر أبرزها:

أولا: سلمى: وهي الشخصية المحورية في الرواية، فهي تعبر عن المرأة العربية بكل مشاعرها وتفكيرها فاقترن اسمها بشخصيات سياسية، وأدبية، وتاريخية، كما جاءت التسمية كرسالة لحفيدته سلمى التي كتب الرواية كإهداء لها، والقصد من هذا الإهداء رسالة للأجيال القادمة لتبين لهم حال الأمة سابقا وما يرجو ويحلم بحدوثه، فهو من خلال شخصية سلمى يرسل ثلاث رسائل: من خلال سلمى العجوز يرسل مفهوم البحث عن الحقيقة، ومن خلال سلمى الشابة يرسل مفهوم التحذير من أمور قد تهدم الأمة وتاريخها، ومن خلال سلمى الطفلة التي نوه إليها في الإهداء فتحمل لهم هذه الأمور كرسالة للجيل القادم، وسترد أمثلة لاقتران سلمى الشابة مع شخصيات لها علاقة بتاريخ الأمة في بغية تحليل الشخصيات، وكما جاء اسم سلمى الذي يعتبر من السلم، كدلالة على السلام بعيدا عن الحروب الدموية أو المعنوية.

ثانيا: سليم: جاء في الرواية الابن البار لأمه الذي لا يعصي لها أمرا، إلا أن دلالته العميقة جاءت معبرة عن شعوب الأمة العربية الخاضع المستسلم الذي لا يحرك سكينة للنهوض

“سليم: كما تأمرين يا أمي. سلمى: بقية الماركات تكذب يا سليم. سليم: هذا صحيح, يا أمي.

سلمى: لا أن الصناعة الألمانية متقنة. سليم: متقنة جدا, يا أمي. سليم: والراديو الألماني لا يكذب. سليم: لا يكذب, يا أمي”(15).

ثالثا: جمال عبد الناصر: جاء اقترانه مع سلمى الشابة التي أخذت دور المحذرة له من الخطر الذي يحوم حوله، إلا أن دلالة حضوره في الرواية مع سلمى المحذرة هي الأمة العربية التي سقطت وتهاوت لاستسلامها وتفكك وحدتها، “يرفع الرئيس جمال عبد الناصر رأسه من الأوراق التي تكتظ بها طاولته الصغيرة، في مكتبه الصغير، في بيته في منشية البكري، يشرق وجهه عندما يرى سلمى واقفة أمامه”(16).

رابعا: محمد بن أبي عبد الله الكبير: كانت دلالته العميقة في الرواية، رسالة لاصلاح بنية كل حاكم التي تنم عن الشر ونقل ما هو غير صحيح، وعدم الاستماع لأي خبر إلا بعد التأكد الشخصي ورؤية أبعاد القرار قبل اتخاذه، “كانت سلمى مسكونة بأحلام المجد العربي القديم، كانت سلمى تطمع، أن يكون زوجها محمد، أبو عبد الله، البطل الذي يعيد فتوحات الخليفة الداخل والخليفة الناصر”(17).

خامسا: المتنبي: حمل المتنبي من زمنه إلى وقتنا الراهن لواء الشعر، وبهذا دلاله بأن الأمة العربية بحاجة لرجل طموح مقدام كأبي الطيب المتنبي إلا أن الأمة العربية تفشل في قيام وحدتها بسب غياب خليفة بهذه الصفات، ولهذا جعل الراوي موت المتنبي إثر كبريائه الذي أبى الخسارة، “تنظر سلمى إلى زوجها الجريح، وتقول بحنان: أحمد ! أحمد ! هذه الجراح ستقتلك. ويرد أبو الطيب: لا, يا سلمى ! أنت التي ستقتلينني”(18).

سادسا: الخليفة المعتصم: جاء ذكره لدلالة عميقة وهي محافظة الأمة العربية على مكانتها وبداية نهوضها ونصرتها، “عندما زفت سلمى إلى ابن عمها، الخليفة المعتصم، لم تكن قد بلغت الثامنة عشرة، ولم يكن زوجها يكبرها إلا بسنتين أو ثلاث”(19). 

سابعا: صلاح الدين الأيوبي: ذكره الراوي لدلالة هدف لها منذ البداية والتي جعل الشخصيات تتدرج في الذكر لأجلها وهي قيام الأمة العربية ونهضتها بعد سقوطها وارتفاع علم مجدها، “تذرع سلمى خيمتها وهي في حالة قريبة من الجنون متأرجحة بين الخوف والأمل، هي لا تشك أن زوجها الشجاع، صلاح الدين، قادر على هزيمة الفرنجة في حطين”(20).

ثامنا: أحمد شوقي ومحمد عبد الوهاب: هاتين الشخصيتين أتيتا موازنتين لشخصية صلاح الدين، حيث أن صلاح الدين نهض بالأمة العربية سياسيا، وهما نهضا بالأمة العربية ثقافيا، لما لأحمد شوقي من مساهمة في رفع المستوى الثقافي الأدبي منذ انحطاط فنونها في الواقع، وعبد الوهاب كذلك من ناحية الفنون الموسيقية، وأم كلثوم التي عادت بالطرب والفن للعهد الجميل ذو الذائقة المرتفعة، فالكاتب هنا كون ثلاثي متحد الأطراف، الأمة العربية، الفن، الشعر، وكأنما يقول في ارتقاء هذه الأمة ترتقي معها كل الأمور وتعلو، “كانت سلمى أيامها, في أوج علاقتها الغريبة بأحمد شوقي وبمحمد عبد الوهاب, بأمير الشعراء وبمطرب الملوك والأمراء”(21).

تاسعا: شارون: في الرواية جاء كنهاية ختامية لها، إلا أنه جاء بدلالة أعمق من كونه نهاية ألا وهي استنهاض الأمة العربية وصحوتها ووقوفها أمام كل من يحاول تهبيط عزيمتها، “يتدافع الجنود والضباط نحو شارون ويلتفون حوله، وتلتقط الصور التذكارية، عندما يخف الزحام تتقدم سلمى …. إلى أن …. تدنو سلمى، وتطوق بيدها اليمنى عنق الجنرال ويدها اليسرى تضغط الزر، قبل أن يقف قلب سلمى عن النبض، ترى جسد السفاح يتناثر قطعا في الهواء”(22).

ثالثا: سيمياء المكان والزمان:

المكان: جاء المكان على نوعين: الأول: هو الواقع المتمثل في مكان إقامة العجوز سلمى، حيث جاء ثابت غير متحرك أو متجدد، فكانت دلالته، حال الأمة العربية بخمولها وعدم قيامها بأي تقدم نحو النهضة، كما كانت عليه في السابق من نهضة ووحدة ونصر وبطولات، أما والآخر: الحلم، وهو المتمثل في تواجد سلمى الشابة في كل موقع من الدول العربية، فكان على العكس تماما، فكان متحرك ومتنقل ومتجدد، وهذه الحركة دلت على حال الأمة العربية سابقا وما آلت عليه من مجد عالٍ رغم ما مر بها من هزائم وصعوبات، كما أنه دل أيضا على حلم الراوي في نهضة الأمة من جديد كتلك النهضة التي حدثت في الماضي. 

الزمان: وللزمن كما كان للمكان نوعين: الأول: زمن الواقع, وهو زمن العجوز سلمى، الذي دل على زمن الأمة الحالي والذي يسير على وتيرة واحدة “الخضوع والانسياق”. الآخر: زمن الحلم المتمثل في حياة سلمى الشابة، والذي مثل زمن الماضي منذ الأندلس وحتى الوقت الحاضر بحضور شخصية شارون، والذي بدوره أوضح المجد التي كانت عليه الأمة العربية سابقا وكانت هي دلالته “النهضة”، وقد دمج بين الزمنين (الحاضر والماضي) ذاك الراديو الذي جاء ذكره لغرض تثقيف القارئ في بلد المصنع، حيث أن سلمى العجوز تطلب في كل شهر راديو جديدا من بلد مختلف.

رابعا: سيمياء حركات الجسد: تعددت حركات الجسد ودلالاتها في رواية سلمى وتنوعت حسب تنوع وتعدد شخصياتها، إلا أن الباحثة هنا اختارت الشخصية الرئيسية (سلمى) وستذكر بعض حركات جسدها التي وردت في الرواية وذلك منعا للإطالة.

أولا: لغة جسد سلمى العجوز: “تفتح العجوز عينيها بشيء من الصعوبة”، وأيضا في موضع “في السبعين، أو في الثمانين، أو في التسعين، ما الفرق؟ الحركة صعبة، والذاكرة ضعيفة، والنوم متقطع، والدنيا تغيرت”(23)، بدأ ذكر حركة العينين في بادئ وصف الحركة وذلك لأن العينين هما مركز الوعي، حيث تنقل كل ما يتصور أمامها لمركز الفهم والوعي، وقد وصف المؤلف أن حركة فتحهما صعبة، ثم انتقل بشكل عام لبقية الجسد بأن حركته أصبحت صعبة، وهذه الصعوبة لها بعدا عميقا لم يأتي به المؤلف لمجرد الدلالة على عمر العجوز كما هو ظاهر، بل للدلالة على عجز الأمة العربية على النهوض في الوقت الراهن والمعاش للمؤلف، حيث رسم بهذه الحركات سيمة لوضع هذه الأمة، ثم جاء الوصف التالي بكون “الذاكرة ضعيفة والنوم متقطع والدنيا تغيرت” وهذه الحركات كسابقتها لا تدل على وضع العجوز الطبيعي لكل من هم بعمرها، بل قصد من ورائها ذاكرة هذا الجيل التي لم تنسى، بل تناست مجد أمتهم سابقا، فأصبحوا كالنوم المتقطع الذي يتعب الجسد يذكرون المجد السابق، إلا أنهم لا يسعون لإحيائه من جديد، ثم يختم المؤلف احاسيسه بكلمة يواسي بها نفسه بكون الدنيا تغيرت، “تتقلب العجوز على فراشها، والراديو الجديد بجانب رأسها على المخدة، تتحرك أصابعها، وهي بين النوم واليقظة، ويدور المؤشر بين الإذاعات، فجأة، يتوقف المؤشر، ويتحدث الراديو عن جمال عبد الناصر”(24)، ولقد تكررت في الرواية حركة عبث الأصابع لفتح الراديو في كل مرة يجلب لها ابنها سليم راديو جديدا، إلا أن مع كل مقطع يقرن المؤلف معها حركة جديدة، كما يأتي:

  1. “تعبث أصابع العجوز بالراديو الروسي الجديد، وتجيء محطة بعد محطة، ولغة بعد لغة، وأغنية بعد أغنية، وهي تغفو وتصحو، ثم تنتبه فجأة، حديث عن آخر أيام العرب في الأندلس”(25).
  2. “تعبث أصابع سلمى بالراديو الجديد، ويقف المؤشر، هناك حديث عن أوبريت جديدة وضعها الفنان منصور الرحباني عن أبي الطيب المتنبي”(26).
  3. “تعبث أصابع العجوز بالراديو الجديد وتمتلئ غرفة النوم بالأصوات، تنتقل أصابع العجوز، وتتغير الأصوات، تقف الأصابع عند برنامجها المفضل نافذة على التاريخ، تروي الحلقة قصة سقوط بغداد”(27).
  4. “تعبث أصابع العجوز بالراديو الجديد، لا تريد الليلة أن تستمع إلى شيء يعكر صفوها، لا تريد سوى الغناء، يتوقف الراديو عند أغنية بعد |أغنية، والعجوز تصحو وتستيقظ، بغته، قفزت إلى قمة الصحو، كان الراديو يقدم .. لعشاق الطرب الأصيل قصيدة “سلوا كؤوس الطلا” من نظم أمير الشعراء أحمد شوقي”(28).
  5. “تعبث أصابع العجوز بالراديو، وتتوالى الإذاعات، تغفو العجوز وتستيقظ، وتغفو وتستيقظ، فجأة يشد انتباهها خبر، يردده الراديو بصوت متهدج: “.. وقد قتل خلال الغارة الجوية الليلة على غزة عشر أشخاص بينهم ثمانية أطفال، وجرح أكثر من مئة وخمسين شخصا …. تتهجم ملامح العجوز، تظل تتقلب وتتقلب وتغفو، وتستيقظ”(29).

تكرار حركة الأصابع وعبثها بالراديو،حركة تفعلها طبيعية لكل من يريد تشغيل الراديو، إلا أن المقصد العميق الذي أراده المؤلف هنا؛ هو تخبط الأمة العربية في استقبال الأمة العربية وسكوتها عن العبث بالتراث العربي ومجده وكذبهم عليه، ففي المشهد الأول تصاحب حركة الأصابع حركة النوم واليقظة مقرونه بشخصية جمال عبد الناصر، فغفوتها أتت دلالة على غياب وعي الأمة العربية، وسكوتها على الوضع والأحداث الراهنة والتي عاشها المؤلف، ويقظتها كانت دالة على معرفة الأمة العربية لماضيها المجيد، وأسباب سقوطه إلا أن تلك الصحوة مجرد ذكرى خاطرة وليست عملية، وفي المشهد التلي له صاحبة حركة عبث الأصابع تغير المحطات وتنوعها مقرونه بحادثة الأندلس، حيث أتى تنوع المحطات بمواضيعها المتنوعة مع غفوتها وصحوتها دلالة على وضع الأمة التي غرقت في اللهو وابتعدت عن ما هو مهم في تاريخها ومجدها الذي من خلاله يمكن صنعه واعادته من جديد، ولكن غفوتها ولهوها ابعداها عن كل تلك الأمور، والمشهد الذي يليه جاء اقتران العبث الأصابع بذكر المتنبي لما في شخصيته من قوة واعتزاز وقائد مثابر ، وذلك كما أسلف لحمله لواء الشعر ليومنا هذا، دلالة على أن الأمة العربية بحاجة لهذا القائد ليعيد لها مجدها ولكن هذا الأمل يذهب هباءً بسبب إقدامه على الانتحار بطلب منه لزوجته بقتله، فتستمر الأمة بغفوتها وصحوتها التي تعلم جيدا مدى حاجتها لمن يعلي مكانتها من جديد إلا أنها تستمر بالسكوت، أما حركة أصابع العجوز سلمى في المقطع التالي للسابق؛ جاءت معه الأصوات العالية االمقترنة بحركة الأصابع والتي أسلف ذكر دلالتها بالثورات التي مرت على الأمة العربية في كل مكان، والتي كان بعضها مطالبا لحقوق له، وفي نهاية مطافها حققت نصرا، أما المقطع الخامس يوازي المقطع السابق، حيث أتت الرغبة في سماع الأغاني والفرح لسماع أغنية من كلمات أحمد شوقي مصاحبة لحركة عبث الأصابع، حيث كانت هذه المصاحبة بمثابة الاحتفال بما كان عليه الأمة العربية في ذاك الوقت من نهوض بعد سقوط، وتغيير في أحوالها للأفضل في ذاك الزمن، وفي المقطع الذي يلي مقطع الأصوات، جاءت القرينة التي اقترنت بعبث الأصابع من خلال توالي الإذاعات وتكرار الغفوة والصحوة، والتي تدل على حال هذه الأمة العربية وموقفها أماما الأحداث الراهنة، فرغم تنبهاتها لما يقوله الراديو في كل مرة إلا أنها ترجع لغفوتها من جديد، تصحو بذكر المجد ولكنها لا تسعى لإحيائه مرة أخرى، ثم تأتي اشارة التهجم على ملامح العجوز التي تدل على أن الأمة العربية رغم غفوتها إلا أنها ترفض ذاك الوضع وتلك الأحداث، ولكن رفضها هذا لا يجعلها تتقدم نحو المجد الذي كان لها قديما، وهنا أتت حركة عبث الأصابع متصاحبة بدلالة مقترنه ومتغيرة عن غيرها في كل مرة.

ثانيا: لغة جسد سلمى الشابة: “هذا كل ما هنالك؟ كل يوم هناك مؤامرة خطرة جدا تدبر ضد مصر، وضدي. على الأقل، هذا ما تقوله لي المخابرات العامة، تهز سلمى رأسها بعنف, وتقول: لا ! لا ! لا ! لا أتكلم عن المؤامرات اليومية العادية، أتحدث عن خطر داهم”(30)، أتت هزت الرأس العنيفة تلك، لجلب انتباه الرئيس جمال عبد الناصر لما تحمله من معلومات جدا مهمة، فهي بهذه الحركة جذبت انتباهه وتركيزه نحوها، ثم أعطت لديه انطباع مدى خطورة الأمر الذي اتضح فيما بعد لحظة اخبارها له، “تفتح سلمى ملفا تقلب أوراقه, وتقول: سوف تبدأ المؤامرة بمعلومة ملغومة”(31)، وهنا أتت هذه الحركة لكي تجعل الرئيس يدرك أن معلوماتها موثوقة ومدروسة، فهي اكتفت بهذه الحركة عن اخباره شفويا، بكون تلك المعلومات موثوقة ومدروسة ومحسوبة، لأنها بهذه الحركة ترسل رسالة عميقة للأمة العربية بما يدور حولها، “تخرج سلمى ورقة من الملف تقدمها إلى الرئيس الذي يتجاهلها تماما. تعيد سلمى الورقة إلى الملف”(32)، تقديم الروقة للرئيس جمال عبد الناصر كان بمثابة اختصار الوقت واعطاءه المعلومات الموثوقة لكي يتصرف ولا يقع فريسة للمؤامرة، فهي دلالة على التحذير ظاهريا للرئيس جمال عبد الناصر وباطنيا للأمة العربية، ولكن باعادتها للورقة إثر تجاهله يعطي المؤلف طابع للقارئ ادراك سلمى لما يفكر به الرئيس مما يؤدي لخيبة أملها، “سلمى ! هل تريدين أن تكوني زوجة رجل فر من الميدان؟ تشهر سلمى سيف زوجها من غمده, وتضعه على صدره, وتضغط, وتسمع الشهقة”(33)، قتل سلمى لزوجها حسب طلبه لها، لم يدل على كونها لا تريد بأن تكون امرأة رجل فرّ كما هو ظاهر، بل كانت دلالتها كره رؤية زوجها التي تحب بهذه الحالة، وأيضا حملت دلالة بكونها ترغب برجل لا يفر ويهرب أو يضعف بل رجل يكون قائدا مقداما شجاعا, وهذا ما تحتاج له الأمة العربية، “تدنو سلمى، وتطوق بيدها اليمنى عنق الجنرال ويدها اليسرى تضغط على الزر، قبل أن يتوقف قلب سلمى عن النبض، ترى جسد السفاح يتناثر قطعا في الهواء، ومعه قطع من جسدها”(34)، تأتي حركتها تلك كنهاية لشخصية سلمى الشابة، وسلمى العجوز، إلا أن لهذه الحركة دلالة اعمق وهي أمنية المؤلف لتحقيق النصر من جديد ونهضة الأمة العربية واستيقاظها، ومن جهة أخرى دلت على موت ضمير الأمة العربية.

وجاءت في الرواية أيضاً رمزية الموت: 

جاء الحدث كنهاية للرواية باتحاد موت الواقع والحلم معا بموت سلمى العجوز وسلمى الشابة، إلا أن دلالته أتت في موت ضمير الأمة العربية بسبب الأحداث الدامية التي مرت بها الأمة، في حين هذا الضمير يتخذ منحا آخر في الحلم وهو النصر والذي يمثل أمنية الشاعر في تحققه رغم موت ضمير الأمة العربية، والتي ختم روايته بها كرسالة للجيل القادم عن الأمة في ماضي وما يأمله منهم من تحقيق لأمنياته وتطلعاته التي يتمنى تحقيقها، وذلك توضح من خلال الإهداء لسلمى الحفيدة الصغيرة التي تمثل المستقبل، فهو يعود في نهاية الرواية للبداية من خلال تلك الرسالة، ويأتي بجانب هذا الاتحاد في الموت، موت سلمى العجوز والتي سالت دمائها دون أي جرح، وفي هذا دلالة على أن موت هذه الأمة العظيمة لن يكون عاديا كما هو موت سلمى العجوز ليس عاديا ويحمل نوع من الغرابة، ففي موت سلمى العجوز: “الشيء العجيب، يا أستاذ سليم، أن الممرضة وجدت الفراش مليئا ببقع من الدماء، وكان رداؤها بدوره مليئا ببقع من الدماء، مع أنه لم يكن في جسمها جرح واحد”(35)، وفي موت سلمى الشابة: “يتدافع الجنود والضباط نحو شارون ويلتفون حوله، وتلتقط الصور التذكارية، عندما يخف الزحام تتقدم سلمى …. تدنو سلمى، وتطوق بيدها اليمنى عنق الجنرال ويدها اليسرى تضغط الزر، قبل أن يقف قلب سلمى عن النبض، ترى جسد السفاح يتناثر قطعا في الهواء”(36)، وبهذا اتحدت الشخصيتان في  عجب وغرابة الموت. 

النتائج:

  • أحيت النظرية السيميائية بعض عناصر الرواية وأظهرتها للنور لتكون محط الوعي والتوجه لها بالدراسة مثل: الشخصية الروائية، المكان والزمان، حركات الجسد الذي تسلط عليه الضوء من خلال النظرية السيميائية بعدما كان مهمشا سابقا.
  • وفق المؤلف بغلاف الطبعة السادسة التي بين يدي الباحثة، حيث أتى متناسقا مع أحداث الرواية.
  • وظف المؤلف المرأة توظيف ذكي في هذه الرواية، من خلال تمثيلها لثلاث أجيال (ماضي، حاضر، مستقبل).
  • رمزت رواية سلمى بشكل عام على الهروب من الحاضر إلى الماضي، المتمثل في  مجد الأمة العربية، حيث نجح في اختيار واستثمار شخصياته والعودة بهم للماضي معبرا عن رفضه للواقع المعاش بأسلوب فني ذكي وجميل.
  • نجح في سرد الأحداث وترتيبها حسب الشخصيات التي رمز إليها.
  • جعل المكان والزمان غير محددين بشكل كامل مما أدى لدلالتهما على الانفتاحية حتى تحقيق الحلم الذي يتمنى حدوثه.

( ) هوامش و إشارات..

*بحث قُدِّم لمادة النظريات النقدية المعاصرة – جامعة جدة

* كاتبة سعودية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *