بلاغة الأنوثة في قصيدة “ليس للعاشق إلا ما اعتنق”

 

 

 

بلاغة الأنوثة في قصيدة “ليس للعاشق إلا ما اعتنق ” للشاعرة :هند المطيري.                                                                                  

 

د. مصطفى الضبع* 

 

البلاغة: بلاغات، والأسلوب أساليب، وما الفنون البلاغية سوى قوالب يصب فيها المتحدثون مقولاتهم وإنتاجهم الفكري ليكون بدوره تعبيرا عن بلاغتهم بالأساس، والصورة البلاغية تحقق مقاييس البلاغة على مستوى التحقق المعيار البلاغي، لكنها في الوقت نفسه تحقق بلاغة الذات الواحدة في تفردها وتميزها عن الآخرين وإن تشابهت في إطارها العام، وهو ما يضمن تحقق الأسلوب على مستوى الذات، وما يجعل للصورة الشعرية قوامها الجمالي، ويمنحها مادة تذوقها المستمد من ذائقة الشاعر وقدراته الجمالية.

فإذا كان للشاعر بلاغته التي لا يغادر فيها المعايير والقوالب البلاغية فإن للموضوعات بلاغتها، وللأغراض الشعرية كذلك، للدرجة التي تجعلنا قادرين على التماس بلاغة الغرض، واكتشاف بلاغة الموضوع الشعري إذا ما توافرت له مقومات جمالية تمنحه قدره من البلاغة 

في قصيدتها ” ليس للعاشق إلا ما اعتنق “تقيم الشاعرة هند المطيري عالم القصيدة على عدد من علامات الأنوثة التي تعمل بدورها على إنتاج بلاغة الأنوثة في القصيدة، ومن هذه العلامات. 

  1. الخفاء والإيحاء: على الرغم من أن الخطاب في الأبيات شأنه شأن الخطاب الشعري القديم المتعلق بالعشق، تعبير الشاعر عن المحبوب بالمذكر، مما يجعله طوال الوقت في حالة من التصوير القلق، تصوير الشاعر المذكر عن محبوب بصيغة فيها قدر من التعمية والإيحاء دون التصريح، فإن مفردة واحدة تحيل إلى الأنثى تعتمدها الشاعرة بصيغة الإخبار “لم أكــنْ غِـــرّةً تُــؤتـى عــلـى أيّ الـطُّـرقْ” حيث منحت العلامة النص أنوثته، وأحكمت دائرته الأنثوية، مما جعل الحالة تميل على خطاب الأنوثة دون سواه معبرة عنه ومنتجة مجاله الحيوي، والمتلقي يظل على حالة من الوعي بالذكورة (الصوت بمعناه الفيزيائي  في النص) حتى يصل إلى تعبير الذات عن نفسها بالغرة، مدخلا المتلقي في حالة اكتشاف  تجعله معيدا النظر في الخطاب بإحالته إلى أنثى، والعلامة اللغوية التي جاءت على استحياء يناسب الأنوثة تتضام مع اسم الشاعرة الذي يعد في حد ذاته علامة على الأنوثة المطروحة على وعي المتلقي منذ العتبة النصية الأولى (العنوان).
  2. الأصوات النصية: تتشكل مادة القصيدة من أربعة وعشرين بيتا تنقسم إلى ثلاثة أصوات:
  • الصوت الأول يعتمد على ضمير المخاطب والنداء في البيتين الأول والثاني.
  • الصوت الثاني يعتمد ضمير الجماعة.
  • الصوت الثالث يعتمد ضمير المتكلم عبر نظام السرد.
  • الصوت الرابع يعتمد ضمير الغائب توسيعا لدائرة المعنى وجمعا للضمائر السابقة التي يحيل إليها السرد.

وهو ما يخرج الذات من أنانيتها حين تترك مساحة التعبير للآخرين وهو ما يناسب عطاء الأنوثة وقدرتها على استيعاب الأصوات الأخرى، وهو ما يناسب جماعية الطرح حين يخرج من الفردية أو الثنائية (الجمع في العربية يبدأ من ثلاثة والأصوات هنا أربعة)، ينضاف على ذلك استتار ضمير المتكلم حين يحيط نفسه ببقية الضمائر مسبوقا بالمخاطب والجمع ، ومتبوعا بالغائب. 

  1. القدرة على تغيير المفاهيم، مفاهيم الرجل عن الأنثى، مفهومه عن الرفق بها، والقدة على التغيير هنا تمثل دورا تربويا بالأساس، تكون المرأة فيه ممتلكة قدراتها على التغيير المعتمد على التربية قرينة الدور التعليمي للمرأة بوصفه دورا متأصلا في تكوينها النفسي، وهو ما اعتمده الشعر مدركا إياه منذ تأسسه على يد أحمد شوقي وحافظ إبراهيم فيما صار مفهوما متداولا في الثقافة العربية، يؤكده الواقع وأحداث التاريخ ويعايشه البشر في حياتهم على اختلاف ثقافاتهم، والشاعرة منذ مطلع القصيدة تجتهد في تغيير مفهوم الرفق:

أيـهـا الـنـاصحُ فـيـهم لــم تــذقْ
لـو تــذوقــتَ وجــربـتَ الــغـرقْ

لـيـسَ مــا تـأتـيه مــن رفــقٍ بـنا
أيُّ رفـقٍ، ذاكَ مـن بابِ الرَّهقْ؟!

معتمدة أسلوبا إنشائيا يقوم على التنبيه عبر النداء في مخاطبته الناصح (الناصح من يمتلك مفاهيم راسخة كما وكيفا تمنحه القدرة على إسداء النصح)، غير أن الشاعرة تعمد إلى تغيير مفهومه تأسيسا على التجربة، فمن لم يجرب لم يمارس ومن لم يمارس لن يختبر ومن لم يختبر لا يعول عليه في إصدار حكم على مالم يجربه، والشاعرة تنفي عن الناصح خبرته وتجربته لكونه لم يذق معتمدة حرف الامتناع لامتناع (لو) مستثمرة بلاغة الحذف (حذف جواب الشرط: لو تذوقت لأدركت وتوقفت عما تقول)، ومستثمرة بلاغة التعدد في معنى مفردة لها معانيها المتعددة توسيعا لمعناها: الرهق التي تمثل علامة على قائمة مطولة من المعاني: الجهل – خفة العقل – الكذب – الظلم – العيب – الاتهام – غشيان المحارم – السفه – الذلة والضعف. 

وهو إظهار  للمعنى الكامن في المفردة يتناسب تماما مع إظهار الشاعرة لسلطة الناصح ومفاهيمه، و إظهار  المفاجأة الكاشفة عن زيف مفهومه وما يعتنقه. 

  1. التلميح دون التصريح: 

“لــم نـكنْ نـرجو الـذي عـشنا بـه
مـن هــمــومٍ، وعـــذابٍ، وقــلـقْ

إنّــمــا أقــدارنــا قــــد قــسّـمـتْ
ذاك مـعـشوقٌ، وهــذا قـد عـشقْ”

كيلا لا تقيم الشاعرة قوة أخرى في مقابل قوة الناصح وتأكيدا للمفاهيم الجديدة التي تريد بثها أولا كما تريد تخصيب عقل الآخرين بها تصحيحا لمفاهيمهم، تستثمر الشاعرة طاقة ضمير الخطاب، وطاقة الإيحاء المناسب للأنوثة توسيعا للدلالة وتعميقا للرؤية في استيعابها الوجود، وكشفا لرؤياها الأصيلة ومكاشفتها الحقيقة الكونية: الأقدار في فعلها، والعالم في انقسامه قسمة عادلة: عاشق ومعشوق.

والشاعرة في تشكيلها الجمالي للنص تطرح الصوت الجماعي بوصفه حقيقة تقدمها الشاعرة في تعبيرات أقرب للتعبيرات الحقيقية منها للمجازية، حيث يكاد المقطع يخلو من الصور الاستعارية أو التشبيهات كما تستثمر الشاعر فيه بلاغة الإيجاز وفلسفة الطرح، كما يخلو من الأسئلة المباشرة التي تخرج الشاعر من دائرة الدلالة الخاصة بالتعبير إلى دلالة تتأسس على إجابة السؤال خارج دائرة التعبير، وإنما هي تحصر التلقي في دائرة النظام اللغوي وما ينتجه من دلالات داخل نطاق الجملة الشعرية وليس خارجها. 

  1. سردية التفاصيل / تفاصيل السرد: 

في الصوت الثالث تمنح الشاعرة الذات للتعبير عن نفسها فيما لا يمكن لضمير آخر القيام به أو تحمل عبئه، وحيث ضمير المتكلم يمنح مساحة من البوح تناسب الحالة المعبر عنها، والشاعرة حين تستهل الصوت بالتعبير عن حالة الألم عبر التأوه، فإنها تختزل أحداثا سابقة ترتب عليها أو نتج عنها الألم، وهو ما يجعل من السردية تنطلق من منطقة التشويق في إخفائها من الأحداث ما يكشف عما آلت إليه الأمور المؤدية إلى الألم: 

“آآه مـــن شــخـص بـعـيـدٍ كـلـمّا
هـجـعتْ عـيـنيّ فـي لـيـلٍ طـرقْ

وكــــأنّ الأرضَ لا مــــأوى بــهـا
غـيـر جـفـني ورمـوشي والـحَدقْ

ليسَ في وسعي، ولا في طـاقتي
كــلّ هــذا كـانَ مـن فرطِ الـعلقْ”

كاشفة عن تأثير ذلك الشخص البعيد على الذات في تعلقها به فتحملها مالا تطيق، والشاعرة ترصد ذلك عبر صورة مجازية شديدة العمق تتشكل من تركيب في صورة القصر (لا مأوى غير جفني ورموشي والحدق) بما يحمل التعبير استثمار لطاقة المجاز أولا وطاقة أسلوب القصر ثانيا، وطاقة الإخبار ثالثا.

وتتكرر الحالة بطاقتها الدلالية تعبيرا عن حالة الصراع بين الإقدام والإدبار، وكشفا عن فاعل جديد يدخل نطاق الصراع، مؤكدا دوره في سياق الحكي، وفاعلية السرد مع اعتماد صيغ مغايرة للتعبير  مع الحفاظ على الأسلوب الخبري بطاقته التقريرية:

“كــلــمّــا قــــــررتُ أن أهـــجـــرَهُ
وأجــازيـه بــمـا يَــجـزي الـحَـنِقْ

جـبـنـتْ روحـي وعــادتْ لـلـذي
ألـــفــتْــه مــــــن سُـــهـــادٍ وأرقْ

واســتـحـبـتْ أن تــلـقـى غــــدرَه
بـالذي تـطويه مـن حـسنِ الخلقْ” 

وفي تطور جديد تكشف الشاعرة سردا عن أبعاد شخصية المتصارعين، تلك الأبعاد النفسية بالأساس بوصفها البعد الأعمق في تشكيل الشخصية وبوصفها برنامج تشغيل الذات، تلك التي تحركها أفكارها، مستثمرة مساحة السرد لصالح البوح الذي يناسبه طول البوح وكمه تعبيرا عن الحالة، وهو ما يسوغ طول الصوت، صوت الذات وهي تبوح، طول يتفوق على بقية الأصوات، منتجا سلطة بلاغة الذات في التعبير عن نفسها وماتعانيه دون الاعتماد على أسلوب الاختزال في التعبير: 

“كــــلّ ذنــبــي أنــنــي أصــدقُــه
وأظـنّ الـصدقَ يُنْجي من صدقْ

كــنـتُ قـــد جـاريـتُـه فــي حـبّـه
زمــنَ الـوصـلِ فـمـارى واخـتـلق

قــصـةً مـــا صـاغـها مــن قـلـبهِ
فـاصـطلى مـنـها بـنـارٍ واحـترقْ

أو ســـرتْ أطـيـافُـها فـــي لـيـلهِ
فـانـتـشى قـلـبُ المـعنّى وخـفـقْ

بـعـدها غـابَ كـأنْ مـا كـانَ فـي
عـالـمي يــومًـا، ولا حـتـى خُـلـقْ

آه مـــــن لـــيــلٍ بــــه جــرّعـنـي
كــأسَ سُــمٍّ قـبـلَ هــذا لــم أذقْ

ثــــم خــلّانــي لــهـمـي مــــوردًا
ســاغـهُ هـمّـي فـعـشّى واغـتـبقْ

ذلــــك الــمـغـرورُ، لـو عـلـمـنـي
كيفَ يُؤتى الحبُّ من بابِ النَّزقْ

كــنـتُ عـامـلتُ بـمـثلٍ، لم أكــنْ
غِـــرّةً تُــؤتـى عــلـى أيّ الـطُّـرقْ

ثـــم مــازلـتُ عــلـى رغــم الأذى
أبـذلُ الـفضلَ وأطـوي مـا سـبقْ

ويـــحَ قـلـبـي والــهـوى يـصـرعُه
فـــإذا مـــا فـــاقَ غــنّـى ونـطـقْ

بـاسـمـه، لـــو كـــانَ لا يـسـعـفُه
جمعُ شملٍ، بعدما الشملُ افترقْ

ويأتي الصوت الأخير طرحا كاشفا عن العاشق شريطة ألا ينحصر العشق في مفهوم الحب، حب الآخر وإنما بالمعنى الوسع للعشق، من حيث هو فكر يعتنقه الإنسان فيكون بالنسبة له برنامج تشغيل لا تعرف الذات غيره مؤمنة به بوصفه نظامها:

ذلـــــكَ الــعـاشـقُ مــــا أجــبـنَـه
لــيـسَ لـلـعـاشقِ إلا مــا اعـتـنقْ

ذلّــــهُ فـــي حــبِّـه، فـــي جـبـنِـه
وصــريـحُ الـــذّلِ حـــبّ أو فَــرقْ

الضمائر السابقة تنتهي جميعها مجتمعة في  ضمير الغائب وتفضي إليه، وهو بدوره  يوسع مجال الرؤية متجاوزا ضيق الذات إلى اتساع العالم حيث الضمير يصلح أن ينطبق على ملايين الذوات بوصفه علامة على كل غائب دون الإحالة على غائب محدد، وكل عملية تلقي تحيل إلى غائب ضمني مما يؤكد فكرة اتساع دلالة الضمير، وما يعني تعدد الإحالة بتعدد أشكال التلقي وتواليها عبر الزمن، فكل قراءة تلق وكل تلق رهين بزمن ومع تجدد الزمن تتجدد الأشكال منتجة أعدادا لا حصر لها التلقي والإحالات والشاعرة حين تنتهي قصيدتها بضمير الغائب تحقق عددا من الأهداف الجمالية:

  • تضمن للنموذج تعدده.
  • تخرجه من دائرة الذات إلى دوائر الجماعة.
  • تجعل من الحالة نموذجا صالحا لكل من يدخل دائرة العشق.
  • توسيع مفهوم العشق نفسه، فالعشق هنا حالة فكرية أكثر منها حالة تواصل أو ارتباط مع الآخر أو مجرد حالة من الحب تعبر عن مفهوم ضيق من مفاهيم الثقافة العربية، و اعتماد الشاعرة تعبير (ما اعتنق) يجعل من العشق يقينا من الأفكار تلك التي تعد بمثابة نظام التشغيل (السوفت وير) الذي يجعل من الجسم فاعلا، فنحن لا نتحرك إلا بفعل أفكارنا، والعاشق بوصفه رمزا أو درجة أعلى تمثل نموذجا أسمى من البشر يتجاوز عشق الآخر إلى عشق كل ما في الوجود من أفكار وما فيها من موجودات، وما الحب بمعناه التواصلي إلا شكل من أشكال توسيع العالم بقبول الآخر في مساحة الوجود.

*أستاذ البلاغة والنقد – جامعة الإمام عبد الرحمن بن فيصل.

 

هوامش وإشارات. 

 

One thought on “بلاغة الأنوثة في قصيدة “ليس للعاشق إلا ما اعتنق”

  1. لا أدري هل أصفق للشاعرة على هذا الجمال المنثور في هذه القصيدة الآسرة، أم أصفق للدكتور مصطفى الضبع، على هذا التحليل البديع المائز والقراءة العميقة المستفيضة لهذا النص الفاره.

    لا كسر الله لكما قلما ، فهنا يتكامل الجمال الأدبي ويظهر جليا للقراء، بين شاعرة مبدعة، وناقد أظهر لنا مكامن الدر في القصيدة.

    شكرا فرقدنا الغراء على هذا الجمال الذي أتحفتينا به.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *