مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

  حسن عبد الله العمري* كمية السكاكين التي يحملها أهل القرية متجهين إلى بيت …

صبيح

منذ أسبوعين

15

0

 

حسن عبد الله العمري*

كمية السكاكين التي يحملها أهل القرية متجهين إلى بيت (الأرملة هيلة)، توحي بأنهم ذاهبون إلى معركة.
ومنظرهم وهم يتداعون للقاء تحت شجرة السدر الكبيرة المعمرة بجوار منزلها، يوحي بأنهم متحمسون جدًّا.
كانت المعركة مع الثور الضخم (صبيح)، فقد أخبرتهم أنها قررت أن تتصدق بلحمه على روح زوجها الذي رأته في المنام يطلبها لحمًا، وهذه إشارة فهمتها على أنه محتاج للصدقة.
وحينما اكتمل القوم تحت ظل السدر الممتد الوارف، أطلت من شباك منزلها الحجري العالي وأعطتهم الإذن بأخذ (صبيح) من مربط البقر في السفل وذبحه وتوزيع لحمه على جميع سكان القرية المزدحمة بالبيوت المتجمعة حول نتوء بارز أسفل الجبل.
عادت إلى غرفتها تدعو الله أن يتقبل هذه الصدقة، وأن يكتبها في موازين حسنات زوجها العظيم.
وبينما هي تسبَح بذكرياتها وتمسح دموعها، إذا بصياح الرجال المخيف مختلطًا بطلب استغاثة، أطلت من شباكها ثم لفّت شرشفها الأبيض الكبير فوق ملابسها وعلى رأسها وتلثمت بطرفه، وساعدها وزنها الضئيل على النزول سريعًا من الدرج الحجري الخارجي. 
وصلت إلى حلبة المصارعة بين عشرة رجال وثور هائج، حمل أحدهم على قرنيه عاليًا ثم رماه على الحجارة.
فجأة رآها الثور، فترك الرجال وانطلق إليها، فأومأت إليه بشرشفها الأبيض، فكأنما هو شاحنة ضخمة مسرعة توقفت فجأة. 
مدت يدها إلى رقبته ومسحت عليها، ولم تنتبه أن الثور يمضغ طرف شرشفها إلا بعد أن نبهها زوج بنتها.
بكل هدوء أوصلته إلى المذبح على الصفا المائل قليلا جهة الوادي قريبا من السدر، ثم مسحت على ظهره حتى ربض على الأرض، دعت بماء فشرب وهدأ، وبحبل قيدت يديه الأماميتين معًا، ثم قيدت رجليه الخلفيتين بحبل معًا ثم ربطت الحبلين ببعضهما وغادرت وهي لا تلتفت إلى الثور المستسلم وتشير للجماعة.
مسحت دمعتيها بطرف الشرشف الأبيض فالتقت دموعها بلعاب الثور، فقد تفاجأت بأن طرف الشرشف هو الطرف نفسه الذي مضغه الثور.
توقفت تحت الدرج ورفعت يديها إلى السماء وقالت: ربِّ أنت القائل (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون)، اللهم تقبل.
بعد نصف ساعة رأت الثور معلقًا برجليه في السدر والسكاكين في أيدي الرجال تحيط به من كل جانب، وكان أكثرهم تقطيعًا ذلك الرجل الذي خبط به الثور على الأرض، وظل يسأل: أيها الرجال، لماذا لا ترون موتاكم في المنام مثل النساء لتتصدقوا؟
ولم تمض ساعة إلا وقد توزع اللحم وصعد إلى الجبل أو نزل إلى طرف السهل، واستقر في القدور التي وضعتها النساء على النار فكانت تغلي منذ رأينَ الثور معلقًا.

 

* كاتب من السعودية

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود