مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

 هاني الغيتاوي* الاعتياد على رؤية الكتب يضفي البهجة والارتياح، ثمة شعور بالسلام …

سر المكتبة التي خلقت عبقرية عباس محمود العقاد

منذ أسبوعين

396

0

 هاني الغيتاوي*

الاعتياد على رؤية الكتب يضفي البهجة والارتياح، ثمة شعور بالسلام ينتاب من يتأمل منظر الكتب، فهي كمحاريب العبادة والأماكن المقدسة تُنزل السكينة على نفس من يراها فتشعره بالراحة والاطمئنان، فالمكتبة عنوان الفكر والوعي والثقافة وعالم الإدراك والمعرفة، هكذا يكون مفهوم المكتبة عند كل من يراها، حتى لو كان من أولئك الذين لا تستهويهم القراءة ولا يغريهم حب الاطلاع، فالمكتبة بما تحتويه من كتب لها رمزيتها وقدسيتها عند الجميع إن لم تهف إليها النفس، أنزلت عليه الوقار والاحترام والتقدير.

وفي ظني أن المكتبة في البيت تمثل إشعاع نور يغمر جميع ساكنيه لما لها من جاذبية في لفت الانتباه واسترعاء المشاعر، فالمعرفة هي أساس الوجود، والمكتبة وإن كانت لا تحوي كل المعرفة، فهي تدل عليها، فمن خلال المكتبة يميل الإنسان إلى محاولة محو جهله ومعرفة نفسه والتعرّف على عالمه، ووسيلته في ذلك القراءة، وحب القراءة والشغف بالمعرفة لا يورّث، لكن وجود المكتبة ورؤية من يرتادها ويقرأ فيها، ينقل الشغف إلى النشء الذي يرى ذلك، فيُعزّز فكرة التجربة لديه، وعندما يجرّب في الغالب الأعم تتحول إلى تقليد، ثم سلوك حتى ترتقي إلى أسلوب ومنهج حياة.

لذلك تعد مكتبة البيت هي بوابة العبور إلى الحياة، وتخلق في نفس صاحبها الشغف وحب المعرفة ليعرف نفسه والعالم، فالقراءة كما تُنمّي القدرات والملكات اللغوية، تُنمّي الفكر والقدرات التخيلية، كما أنها تساهم في تكوين شخصية الفرد؛ لأنها تجعله يعيش حيوات كثيرة، وتجعل حياته أكثر ثراءً وعمقًا، يقول الأديب عباس محمود العقاد  “أهوى القراءة لأن عندي حياة واحدة في هذه الدنيا، وحياة واحدة لا تكفيني ولا تحرك كل ما في ضميري من بواعث الحركة، والقراءة دون غيرها هي التي تعطيني أكثر من حياة واحدة في مدى عمر الإنسان الواحد، لأنها تزيد هذه الحياة من ناحية العمق، وإن كانت لا تطيلها بمقادير الحساب”. 

هكذا كان رأي العقاد هذا الكاتب والمفكر الكبير، صاحب الإدراك القوي واللغة العميقة الجزلة التي تهتم أكثر ما تهتم بالمعنى، وما كان ليمتلك العقاد لغته ولا فلسفته من غير القراءة، فأسلوب العقاد الدقيق، المكتسي بلغة المنطق والاستقراء والاستنباط والاستنتاج والتحليل بلغة راقية اكتسبها من المطالعة والقراءة، فالعقاد لم يكمل تعليمًا نظاميًا، لكنه فجّر موهبة روت الثقافة والفكر وأثرت الساحة الأدبية، وكان قبلة لكل نهم للثقافة ومحب للفكر، ويرجع الفضل في تكوين شخصية هذا المبدع الكبير رؤيته للكتاب في مكتبة بيتهم الصغيرة، فرغم بساطة الحال، فإن أباه كان حريصًا على اقتناء بعض الكتب، التي أغرت العقاد في مجالستها والاطلاع عليها وقراءتها، يقول العقاد “جميل ما أذكره لذلك الأب الكريم، أنني مدين له بالكثير، وأنني لم أرث منه مالًا يغنيني، لكنني استفدت منه ما لا أقدره بمال” وهو يقصد بذلك ما غرسه فيه والده من حب القراءة، من خلال مكتبتهم الصغيرة التي كانت تحوي كتب الفرائض والعبادات وبعض كتب التاريخ، لاسيما تاريخ السيرة النبوية وتراجم الأولياء والصالحين، كما كان الأب حريصًا على شراء الصحف، فعثر العقاد على صحيفة الطائف لعبدالله النديم، وصحيفة العروة الوثقى لجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، ولم يكتف العقاد بمكتبة بيتهم الصغير، فوجد عند أخواله مكتبة صغيرة تحتوي على كتب التصوف والأدب الديني، لاسيما كتب الغزالي ومحيي الدين بن عربي وطائفة من المتصوفة الآخرين.

من رحم هذه المكتبة الصغيرة في بيت العقاد تشكلت ملامح عبقريته، ولم يكتف العقاد بهذه المكتبة التي خلقت فيه الشغف وعززت لديه حب المعرفة، فسارع في تكوين مكتبته الصغيرة من خلال نقود معدودة كان يتحصل عليها كمصروف أسبوعي، يقول العقاد “فلا أحسب أن المكتبة التي اشتريتها بنقودي في حياتي زاد ثمنها على خمسين قرشًا أو نحو الخمسين”.

*كاتب وأديب مصري

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود