طرق خالدة

سلوى الأنصاري

 

‏لكل بقعة من بقاع هذه الأرض حكاية، ولها قصص تحكي ورواية.
وعبق أريجها يفوح في الأرجاء وينتشر كل ما فاتح كتاب من أجل غاية.
هناك طرقات سلكها الكثير، منها ما اندثر ذكره‏، ومنها ما هو في الكتب مسطر يقرؤه الصغير و الكبير.
وما زال ذكره يقرأ عبر الأثير.
والبعض منها يطؤه الناس في المسير.
ونجهل أنه قد سطر لها التاريخ بين طياته القصص التي بها قد نستنير.
قال تعالى: (رحلة الشتاء والصيف) تلك الرحلتان المشهورتان في تلك الحقبة كان لمدينة الطائف ‏أول المدن التي زارها الرسول صل الله عليه وسلم حض وافر، إذ أنها كانت المقرية لأولئك التجار، والمعبر نحو اليمن، والجسر الجميل الذي يربط مهوى الأفئدة بالكثير من المدن.
كانت القوافل تسير بين طرقاتها وكأنها درر منثورة و أنجم ساطعة منيرة.
من بين تلك الطرقات السيل الكبير ذلك الطريق الذي مشى فيه سيد الخلق ‏فأنتشى فرحاً، و أزهر ورداً، وكاد أن يحلق في السماء عالياً، فأنشد قائلا:

إِنّي تَفَرَّستُ فيكَ الخَيرَ أَعرِفُهُ ** وَاللَهُ يَعلَمُ أَن ما خانَني البَصَرُ

أَنتَ النَبِيُّ وَمَن يُحرَم شَفاعَتَهُ ** يَومَ الحِسابِ فَقَد أَزرى بِهِ القَدَرُ

فَثَبَّتَ اللَهُ ما آتاكَ مِن حَسَنٍ ** تَثبيتَ موسى وَنصراً كَالَّذي نُصِروا

يا آلَ هاشِمَ إِنَّ اللَهَ فَضَّلَكُم ** عَلى البَرِيَّةِ فَضلاً ما لَهُ غِيَرُ

لله در ذلك الوادي كيف كانت سعادته ورسول الله يمشي على حصبائه و يتنفس هوائه.
هنيئا له ذلك الشرف، وفخراً له بمن مر وبمن وقف رسول الهدى وجيشه مروا به، وهو سعيدٌ بهم قد انتشي، وفرح.
أما وادي وج ذلك الوادي العظيم الذي قسم الطائف وزادها بهاءً وجمالاً فقد قيل أن الطائف كانت تسمى سابقاً باسمه وتتغنى بجمال جنانه وبديع جماله فقد كانت المزارع الجميلة كالجنان على أطرافه ممتدة على مد البصر، يتنعم بجمالها كل من نظر.
أما شعابه فقد قيل أنها أكثر من التسعين، وقد حظى باهتمام ولاة الأمر حفظهم الله إذ تم إنشاء مشروع الكورنيش الذي زاده جمالاً ومواكبةً للعصر وللتطور العمراني.
ومن الاودية كذلك في مدينتنا الجميلة وادي ليه تحدث عنه الاستاذ حسن حسين الغامدي في موضوع عن الطائف الحبيبة في جريدة الرياض: “وادي ليّة: من أوسع أودية الطائف شهرة، يقع شرقي الطائف، ربط بالمدينة بطريق مزفلت، به محطة للأقمار الصناعية أنشئت حديثاً وتنحدر إليه من جبال السروات مياه الأمطار، التي كانت تذهب هدراً مما دعا إلى إنشاء سد حديث في أعلى الوادي لحجز مياه السيول واستعمالها في ري الأراضي الزراعية على امتداد الوادي، ويبلغ طول السد حوالي 250م ويحجز المياه خلفه لمسافة تتراوح بين2- 2,5 كم مكوناً بحيرة مستطيلة. ويبلغ عرض البحيرة في أقصى اتساعها 100م وعرضها في المتوسط حوالي 60م، ويحجز خلفه كمية من المياه تبلغ 10 ملايين م2 تروي الأراضي الزراعية خلف السد من نفق عبر إحدى التلال المجاورة لجسم السد بحري التحكم بفتحاته عند الحاجة.
وذكر العامري صاحب بهجة المحافل وبغية الأماثل بشرح (الاشخر) ما ملخصه أن الرسول صل الله عليه وسلم سلك في غزوة الطائف على ميقات أهل نجد (قرن المنازل) ثم على وادي لية وابتنى به مسجداً، وقتل هناك رجلاً من بني ليث بقتيل قتله من هذيل وهذا أول دم أقيد به في الإسلام، وأمر بهدم حصن مالك بن عوف النصري.”
أما وادي نخب وما أدراك ما ذلك الوادي العظيم الذي سار كذلك فيه سيد المرسلين مع الصحابة الغر الميامين. 
وقد جاء ذكر “نخب في ابن إسحاق وسيرة ابن هشام وهما من أوثق المصادر التاريخية لدى المسلمين. قال ابن هشام [2] نقلا عن ابن إسحاق عمرو بن شعيب في روايته لأحداث غزوة حنين أن الرسول صل الله عليه وسلم سلك في طريق يُقال لها الضيقة، فلما توجّه فيها سألعن اسمها فقال “ما اسم هذه الطريق”؟ فقيل له: الضيقة ، فقال: “بل هي اليسرى” ثم خرج منها على نخب” ص 1334. كما ذكر علامة الجزيرة العربية حمد الجاسر[3] في المعجم الجغرافي للبلاد العربية السعودية أن [وادي نخب بفتح النون وكسر الخاء المعجمة وآخره باء موحدة، وهم يُسكِنون الخاء ويكسرون النون (نِخب) من أودية الطائف، فيه قرى وزارعة] ص 1333. وأشار الرحالة خير الدين الزركلي[4] في كتاب “مارأيت وما سمعت” الذي سجل فيه تفاصيل رحلته للطائف عام 1339 هـ إلى أن لوادي نخب “ذكر في التاريخ والشعر وفيه بيوت كثيرة ونحو عشرة بساتين ويسكنه الآن عرب وقدان وهم من قبيلة عتيبة”. وجاء ذكر وادي نخب في معجم البلدان لـ ياقوت الحموي[5] الذي ذكر أن نخباً وادي بالطائف وأنشد شعرا عن السكوني:

حتى سمعت بكم ودعتمُ نخباً

ما كان هذا النفر بحين من نخب

و هناك الكثير من الأودية التي تحيط بالطائف كما تحيط القلادة بعنق العروس منها: وادي سيسد و ووادي لقيم ووادي رحاب و بسل ووادي أقيم وغيرها.
وكذلك يعد طريق القوافل الأثري ذلك الطريق الذي تشهد كل بقعة منه على مرور مالا يعد ولا يحصى من القوافل“ طريق الجمالة الحجري القديم”، من أهم المواقع الأثرية في الطائف، حيث يقدر تاريخ بنائه الى أكثر من 1000 عام حسب المصادر التاريخية، وهو طريق حجري ينحدر من قمم الطائف الجبلية الشاهقة التي تعانق السحاب متجهًا الى تهامة ومنها إلى كرا.
كرا ذلك الطريق الجميل الذي يصور لنا جمال الطبيعة في جميع فصول السنة.

“حيث ذكر لنا المؤرخون ما نصه: (بالطائف عقبة وهي مسيرة يوم للطالع من مكة، ونصف يوم للهابط إلى مكة، عَمرَها حسين بن سلامة وهو مولى لأبي الحسن بن زياد في حدود سنة 430 هـ؛ فعمر هذه العقبة عمارة يمشي في عرضها ثلاثة جمال بأحمالها)، وهذه العقبة هي عقبة (كرا) والتي تعرضت للعديد من الإصلاحات على مر الزمن بسبب هطول الأمطار وعوامل التعرية والإهمال، وقد تم تجديد عمارتها وبنائها سنة 1242هـ، ثم دمرت بسبب السيول والإهمال. وخلال السنوات الفائتة قامت لجنة التنشيط السياحي بالطائف بالتعاون مع إدارة التربية والتعليم ممثلة في الكشافة والآثار بالطائف في صيف عام 1417هـ بإعادة ترميم هذا الطريق، حتى أصبح معلمًا أثريًا يرتاده عدد من الزائرين والسياح، ويستمتع بمشاهدته ممتطو عربات التلفريك بالهدا، إذا يظهر لهم هذا الطريق القديم ليشكل منظرا جماليا بديعا.”

أليس جميلاً أن نسير ونستنير، ونعرف ما بمدينتنا من جمال وبهاء ليس له نظير؟

 

 

 

 

 

 

5 thoughts on “طرق خالدة

  1. مقال جميل ورحلة ماتعة عشتها وأنا أقرأ سطورًا من تاريخ مدينتي الجميلة يمتزج في هذه السطور عبق التاريخ وأصالته بنسيم الطائف المعطر بالورد والرياحين.
    شكرًا مبدعتنا ودمتِ بخير.

  2. بورك القلم مبدعتنا على هذا الجمال التاريخي التشكيلي… رحلة سعيدة عشتها في ثنايا حرفك ونثر ألوان لوحاتك الجميلة… شكرا بحجم السماء لكل فنان حرّك فرشاته لرسم الجمال الطائفي..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *