حديث الزنبقة البيضاء

أمل مطلق مرزوق الحربي*

حديث الزنبقة البيضاء

عاد (أسعد) متأخراً بعد سهرة قضاها في الحفل الذي اقامتهُ لهُ الشركة بمناسبة انْتِهاء خدمته وإحالته للتقاعد، ورغم ذلك استيقظ مبكراً، شرب قهوته الفرنسية على عجل، أكمل لبسه وأحكم ربطة عنقه، وخرج مثل كل يوم للشركة حيث اعْتادَ على الحضور قبل بداية الدوام  منذ ثلاثين عاما.
دخل مكتبه الفاخر الأثاث أرخى رأسه على كرسيه  الوثير شعر كأنه يحتضنه بدفء، وأن ذراعيه تعانقهُ  بحنان يحتويه من رأسه حتى قدميه.
أحيانا يفتح الزمان دفاتر مغلقة بقرار من القدر، حيث لا خوف من  دوائر المكان، استدار نحو المرآة  نظر لنفسه وكأنه يرأها للمرة الأولى بدأ متعجبا ًمن نفسه، كيف مضتْ ثلاثون  عاماً من عمري بهذه السرعة؟
مرَّرَ يدهُ على رأسهِ ليصدمهُ الزمن مرة أخرى كيف اتسعت تلك المساحة الفارغة من شعري  دون أن أنتبه لها؟!
وهذه التجاعيد كيف تمكنت من ملامح وجهي دون  مقاومة مني؟!
منذ متى لم أنظر لنفسي بالمرآة ؟!، وكأني كبرتُ فجأة؟!، فمنذ وفاة زوجتي (منى) والعمل سلوتي الوحيدة،  لقد أنهكها السرطان حتى قطعت رحلة الحياة بعد زواجنا بسنة، وتركتني قصة تكتبها الأيام بلا بطولة، ورواية يرويها الزمان بلا نهاية، وحديث رواه قاص دون تتمة.
ومنذ رحيلها وأنا إنسان  يقتات على الوحدة، ويتحدث مع الغروب، مكبل بالحنين، هارب للماضي، مترنح في مستنقع  الذكريات.
رحيلها كان الأقوى لقد رحلتْ وجعلتني أصارع  الغياب بالرحيل من نفسي الحائرة.
(قطع صمت المكان صوت خطوات مشي العامل -أبا إبراهيم- وهو يسير نحو المكتب ليطرق الباب مستأذنا بالدخول).
– ادخل عَمَّ (أبا إبراهيم).
– يا سيدي استغربت حضورك اليوم !.
– (يطرق رأسه للأرض وبهدوء) يرد وحتى أنا استغربت ذلك.
– سيدي أنت تعبت طول ثلاثين  سنة وحان الوقت لترتاح.
– أخرج علبة السجائر من جيبه وأشعل سيجارة وسرح شاردا بفكره، استيقظ كل يوم مبكراً لأهيئ لنفسي حلما واهنًا، وأملا باهتًا، وشمسًا دون شروق.
– عَمَّ (أبا إبراهيم) فضلاً أريد  فنجان قهوة.
– في خدمتك (ياسيدي).
ويعود (أسعد) ليتهاوى على الأريكة التي وضعها في زاوية المكتب  ليأخذ قسطًا من الراحة كلما أحس بالإرهاق حينها  شعر أن الأثاث يقترب منه ليخنقه بصمت، من المؤلم أن تشعر بأنّك خسرت أشياء كثيرة لم يعد عمرك يسمح باسترجاعها!، وأن تصل إلى قناعة أنّ كل من مرّ بك أخذ جزءًا منك ومضى!
أخذ يقلب نظرة في أنحاء مكتبه الذي قضى معظم سنوات عمره معه، لتقع عينه على تلك اللوحة التي رسمها منذ ثلاثين عاماً.
أقترب منها وهو ينظر إليها وكأنه يراها لأول مره سرح نظره في زهور الزنابق البيضاء التي تحملها تلك الفتاة الريفية ذات العينين الزرقاوين، والشعر الذهبي، شعر أنها حزينة رغم أنوثتها الفاتنة، وأن باقة الزنابق البيضاء شاحبة رغم روعتها، وأن المكان موحش رغم الطيور التي لا تكف عن التغريد  فيه، اقترب منها وابتسم لها تأمل تلك الزنابق في اللوحة مَدَّ يده نحوها شعر حينها أن لوحته التي رسمها منذ ثلاثين عاماً ينقصها شي يجهله، وأن شفتيها تصرخ بلا صوت، وعينها تبكي بلا دموع، وقلبها ينبض بلا حياة.
– قطع صوت طرق الباب حديثهُ مع نفسه.
– تفضل.
– سيدي تفضل القهوة.
-شكراً جزيلاً هل يمكنك مساعدتي في حمل هذه اللوحة للسيارة؟
– تحت أمرك سيدي.
(سار بسيارته ليتوقف فجأة عند مكتبة قديمة اعتاد أن يشتري منها الألوان وفرش الرسم منذ زمن)، محدثا نفسه: ما زال في العمر بقية للبحث عن كنز لم يعثر عليه قرصان، ومسامرة  زنبقة لم يسمعها أحد، ومطاردة حلم لم يكتمل لما لا!؛ فالأحلام لا تموت، إنما قد تختبئ في أدارج حياتنا، ولعلها تظهر يوما ما.

قاصة من السعودية*

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *