الأكثر مشاهدة

كنت في أملج! رحلة التاريخ والشعر والجمال  د. يوسف حسن العارف    (1) فاتحة ش …

كنت في أملج

منذ أسبوعين

23

0

كنت في أملج!

رحلة التاريخ والشعر والجمال 

د. يوسف حسن العارف

 

 (1) فاتحة شعرية:

(*) إهداء لـ(أملج) وأهلها الأكارم.. بمناسبة إقامة الأمسية التاريخية/ الشعرية في ديوانية المناخة التراثي مساء الإثنين 9/8/1445هـ احتفاءً بيوم التأسيس 1445هـ. بعنوان: أملج المليحة/ الجميلة:

 

إلى الحوراء/ أملج.. يا السنافي
تحرك بالمعاني والقوافي

وغرد ما استطعت بشِعْرِ حُبٍّ
فصيح القول.. لا يخفيه خافي

تأكد أن فيك اليوم نبضٌ
من التاريخ.. والأمس الخرافي

دعته لك الظنون فلا تبالي
أيصحو مورقًا… من كان غافي

فلا تدع القوافي مُشْرعاتٍ
على كلِّ اليقين… فأنت جافي

تعلَّم من زمانِك فالرَّزايا
حبيباتٍ إلى القُلْبِ الرِّهافِ

مضت أيّامُنا تُطْوَى سراعًا
وما ندري.. أحقًّا ما نُصَافي

أم الدُّنيَا تُرينا مُبتغَاها
ونحن على النَّقيضِ بلا ائتلاف

سمونا في مداريج كِرامٍ
عليهم من سنا الأيام سافِي

بنو (الحوراء) يبنون المعالي
ويرتفعون في الجُبُلِ الشِّراف

لهم أمجادهُم منذ ارتوينا
سواقيهم، وما زالوا نِيَافي

وأرضُهُمُ الَّتي نمشي عليها
هي (التِّبْرِ) المكلل بالعطافِ

وبحرهم الذي يأوي الحيارى..
إلى شطآنه… دون اختلافِ

(جبل حسَّان) من جُزُرٍ كِثارٍ
عليها الفجر… يورق بانكسافِ

و(يَا أم السَّحرْ) طبتي وطابت
لياليك… فأنت السِّحر ضافي

وتلك (رمالُك البيضاءْ)… صارت
تنادي للتَّصافي والتَّعَافي

فأنت مليحةٌ في عين عيني
وأنت جميلة… دون انحرافِ

عليك من الفؤادِ سلامُ حُبٍّ
يُرَددُ في الشَّواتي والصوافي

جدة مساء الجمعة 29/7/1445هـ 

مساء الإثنين 2/8/1445هـ 

مساء الجمعة 6/8/1445هـ

*   *   *

(2) وذات مساءٍ.. جاءتني الدعوة من أخي الدكتور ناصر الحميدي (أبو سعد)، لإحياء أمسية تاريخية/ شعرية بديوانية المناخة التراثية في أملج/ الحوراء/ الزهراء، والتي رتبوا لها أن تكون مساء الإثنين 9/8/1445هـ الموافق 19/2/2024م، بعد صلاة العشاء(1).

واتفقنا على أن يكون المسير والرفقة صباح يوم الأحد 8/8/1445هـ، والعودة يوم الثلاثاء 10/8/1445هـ، بمشيئة الله تعالى.. وهذا ما كان؛ ففي صباح الأحد وبعد صلاة الفجر كان وصول الزميل/ الرفيق الدكتور ناصر الحميدي، إلى داري بحي النعيم بجدة، قادمًا من الطائف ومكة، وانطلقنا في رحلة برية، طوينا فيها الأميال والساعات حتى أشرقت علينا شمس النهار ونحن أمام (مستورة)! تلك القرية/ المدينة التابعة لمحافظة رابغ والواقعة على ساحل البحر على بعد 200 كلم غرب جدة. وما أن شارفناها حتى تذكرت (وذكرت ذلك لأخي ورفيقي الدكتور ناصر الحميدي) أننا كنا نمر بها في طريقنا إلى المدينة المنورة يوم كان الخط والطريق بمحاذاتها، ونستريح فيها إما للغداء أو العشاء، وكانت قرية مزدهرة يؤمها الحجيج وزوار المدينة المنورة، لكنها اليوم أضحت في منأى عن الطريق الجديد الرابط بين مكة والمدينة/ طريق الهجرة!

وتشير المصادر إلى أنها كانت استراحة للمحمل المصري القادم للحج ومعه كسوة الكعبة المشرفة، وأنها سميت بهذا الاسم؛ لأن معركة قديمة وقعت فيها وماتت/ أو قتلت إحدى النساء، فوجدوها مكتسية بحلة تستر كامل جسدها، فردد المتقاتلون كلمة (دعوها فإنها مستورة!)(2) وقيل إن رحالة وصلوا إلى بئر في هذه المنطقة فوجدوا عندها امرأة ملقاة وبادية العورة، فصاح من رآها استروها فهي مستورة(3)

وفي رأي ثالـث قالـوا إن شـريـف مكة محمـد بن بركــات الذي حـكم فيما بين 859-903م، في القرن الحاري عشر، هو الذي أنشأ هذه البئر وسماها (مستورة) لنفع الحجيج والقوافل(4)

لكن الذي أميل إليه وتطمئن إليه النفس أن البئر نسبته لامرأة اسمها (مستورة)، وقد يكون شريف مكة أحياها وجدد بناءها للقوافل والحجاج المارين بها، وبذلك اشتهرت المنطقة، ونمت حتى وصلت إلى هذا العهد السعودي الزاهر واستمر المسمى حتى يومنا الحاضر!

هنا، وبجوار الجسر المنشأ حديثًا ليربط بين الخط السريع جدة – ينبع – أملج، والموصل إلى (مستورة) أنخنا ركابنا، وفرشنا سفرتنا إيذانًا بتناول طعام الإفطار الذي أعدته لنا – مشكورة – (أم سلطان وابنتها رهف) احتفاءً بهذه الرحلة الميمون، وكان طعامًا سعوديًّا (من جازان (المرسة)، ومن مكة حلويات أبو نار ومخللاته، ومن جدة خبز الحطب والملَّة) مع القهوة والتمرة، والشاي المعطر بأزهار المدينة النبوية، والحمد لله على نعمه وأفضاله(5)

وبعد استراحة الإفطار، غادرنا المكان متوجهين إلى أملج، وعلى بعد ساعة من الزمن تقريبًا توقفنا عند محطة ساسكو لنستريح ونصلِّي صلاة الضحى ونتزود بما نحتاج لمواصلة المسير، فأمامنا ساعتان تقريبًا لنصل إلى وجهتنا إن شاء الله.

وهنا نحن مع مطلع الساعة العاشرة صباحًا نتفيأ ظلال أملج/ الحوراء وتستقبلنا نسائم بحرها العليلة، وهواؤها المنعش البارد، ونشاهد مبانيها الحديثة وحدائقها الخضراء، خاصة الطريق العام على الساحل والكورنيش (طريق الملك عبدالله) لنصل إلى شمال المدينة، حيث حي (الدقم) الذي يحتوي على كثير من الفنادق والشقق المفروشة التي بدأت تنمو وتتكاثر في مدينة المستقبل وبمواجهة شاطئ (الدقم).

وبعد جولة وبحث عن المكان المناسب، وقع الاختيار على فندق (حياة تاون 3)، الذي استقبلنا أحسن استقبال واختار لنا الغرفة 107 في الدور الأول المجهزة بكل وسائل الراحة، لنلقي عصا الترحال بعد رحلة صباحية طويلة ومتعبة والحمد لله.

*    *    *

(3) رأيت أن أترك الغرفة لأخي قائد الرحلة ليرتاح وينام فوراءه –بعد ساعة تقريبًا– محاضرة جامعية وطلابه ينتظرونه والمفروض أن يأخذ قسطًا من الرحلة بعد عناء الطريق والسفر، فاستأذنته للخروج إلى الشاطئ فالجو نهاريٌّ دافئ، والشمس تختبئ تحت سحاب يروح ويجيء في جو السماء، والمكان فارغ من الناس، وكل ذلك يدعو لرياضة المشي التي إعدتها يوميًّا.

وها أنا في شاطئ (الدقم) الذي تكسوه أشجار النخيل والرمال البيضاء الناعمة، والطبيعة البحرية بمياهها الزرقاء اللازوردية وأمواجها الخفيفة، وحدائقه الوسطية المرتبة والمزينة بأنواع الزهور!

وقفت أمام ذلك المجسم الجمالي الذي يتوسط الطريق، وهو عبارة عن شكل دائري أرضيته مركب شراعي برزقة البحر، وصارية ومجسم سمكة وأشعة الشمس بأحد الأطراف العلوية من الدائرة وسعف النخيل.. وتحيط به نصف دائرة مزروعة بالنخيل الجمالية كأرضية للمجسم الذي يدل –بكل تشكلاته– على الشاطئ محتوياته، ويزين ذلك كله كلمة (أملج) وسط المجسم!

وقد أبدع الفنان الذي شكل هذه اللوحة الجمالية، وأتقنت البلدية اختيار الموقع، لكنه يحتاج إلى تجديد وإعادة تأهيل حتى يبرز في أحسن حلة تتماشى مع التطور الذي تعيشه هذه المحافظة الجميلة!

لقد زرت (أملج) في العام 1437هـ، وقلت عنها: إنها مدينة قديمة تتجدد، وحديثة تسابق الزمن، مدينة يحملها النور إلى آفاق المستقبل أراه نديًّا، فاعلًا، متألقًا.

جئتها ضيفًا منشدًا، وأعود منها شاكرًا ومؤملًا، أن تكون إحدى واجهات بلادي البحرية، وإحدى المدن السياحية، وإحدى المعالم الحضارية والآثارية، ففيها كل الإمكانات التي تجعلها كذلك(6).

واليوم –وأنا في أملج عام 1445هـ- أراها تسابق الزمن وتخطو إليه بثبات وخطط تطويرية، المنشآت الفندقية تزداد على شاطئ الدقم وما حوله، والعمالات تملأ المدينة؛ لأن شركات التنمية والتطوير تعمل ليل نهار والشواطئ تزداد جمالًا وتنمية، والفعاليات الثقافية والمجتمعية تتوالى فرحًا وطربًا.

إن هذه المدينة/ الحلم، أصبحت تسجل حضورها البهي في كل مجالات العمل ثقافة، صحة، منشآت، سياحة، وآثار.

إنها مدينة تسجل إنجازاتها التي يشعر بها السكان فيفتخرون ويفاخرون بها والمستقبل لها بإذن الله، أكثر من المتوقع في ظل قيادة واعية حكيمة، ورؤية وطنية تنموية قادمة –بكل تأكيد– وما 2030 عنا ببعيد!

وهكذا أخذتني هذه الجولة الرياضية إلى تخوم الذكريات والماضي، لكنها قادتني أيضًا إلى الواقع والمستقبل، وعبر كل هذه الإرهاصات والتجليات على هذا الشاطئ الجميل ترنمت ببعض الأبيات الشعرية على أنموذج (الكسرة) التي تشتهر بها الفنون الآدانية في أملج ومدن الساحل الغربي بشكل عام، قلت فيها:

“على شط البحر تختال أملج
وتروي للوطن يوم البدايات

نقول احنا مع التاريخ في مدرج
بنينا المجد على طول المسافات

مشينا مع أول من بنى المنهج
مؤسس دولة فيها الحضارات

وحتى اليوم بالدعوات نلهج
ونرفع في السما رايات راياتي

سلام الله على أملج وأهل أملج
ومن جازان أهديكم تحياتي”

أملج/ ظهر الأحد 8/8/1445هـ 

   18 فبراير 2024هـ

*     *     *

(4) بعد ساعة وأكثر، عدت للفندق، لأجد صديقي الدكتور ناصر قد استيقظ واستعد للذهاب للجامعة، فطلابه بانتظاره وهو الحريص على إفادتهم واللقاء بهم وأداء الأمانة التعليمية التي تحملها، وهو أهلٌ لها، بارك الله في علمه وجهوده. وبعد أداء صلاتي الظهر والعصر جمعًا وقصرًا خلوت بنفسي لأستريح من عناء الرحلة والجولة الشاطئية، وهذا ما كان خلال الساعتين قبيل وقت العصر وعودة الدكتور ناصر من الجامعة لنلتقي سنويًّا على مائدة الغداء التي كانت بقايا الإفطار (المرسة) التي تناولناها في الطريق! ولعمري كانت أحلى الغداءات التي مرت علينا أنا وصديقي وزميل الرحلة الدكتور ناصر الحميدي، والتي لن ننساها فهي في سجل العمر والتاريخ!

وبعد العصر زارنا الأستاذ مساعد بن حمزة القوفي المشرف على الصالون الثقافي بديوانية المناخة التراثية، للتعارف والتآلف وبعد الشاي والقهوة، أخذنا بسيارته في جولة تعريفية في البلدة القديمة وبعض أسواق أملج، وصولًا إلى المتحف التراثي لصاحبه اللواء الدكتور مساعد بن سلامة الفايدي (يرحمه الله) الذي أنشأه عام 2015م = 1435هـ.

وقد سبق لي أن زرته أثناء جولتنا مع جمعية الأدب في زيارتنا لمحافظة ينبع، وكتبت عما شاهدته فيه من مقتنيات شخصية، وتراثيات قديمة، وكانت في تنظيم مبهر، وبشكل جميل، مما جعله موقعًا سياحيًّا يؤمه الكثير من زوار أملج وأهل السياحة فيها(7).

لكني أضيف هنا أنه سمي بـ(المناخة) لأن هذا الموقع الذي هو فيه اليوم كان (مناخًا) للإبل (تنوخ) فيه؛ أي تجلس وترتوي من بئر ماء أثرية قديمة في نفس الموقع. وهذا (الاسم) يذكرنا بـ(مناخة) المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام.

ويبدو على المتحف الصبغة العسكرية، لأن صاحبه رجل عسكري وصل رتبة (لواء ركن) في قيادة قطاع حرس الحدود بالمنطقة الشرقية إلى أن تقاعد في العام 1433هـ، فاستثمر تقاعده وأنشأ هذا المتحف الذي افتتحه في العام 1435هـ/ 1436هـ/2015م.

ويحتوي المتحف أول ما تدخله على عدة أجنحة، ففي المدخل نجد قاعة المقتنبات الشخصية من شهادات ودروع وأوسمة وهدايا تذكارية ولوحة تعريفية بالمتحف وصاحبه. وفي القاعة اليمنى نجد المكتبة التاريخية والملابس الشعبية وسجل الزيارات الذي تشرفت وسجلت فيه كلمة بمناسبة هذه الزيارة. وفي الجناح الأيسر نجد القاعة الكبرى التي تحتوي على الأسلحة من بنادق وسيوف وخناجر، وتراثيات قديمة ومنحوتات حجرية وعملات معدنيَّة وورقية وغيرها.

وفي جناح خارجي نجد السيارات القديمة، والصحف وبعض أنواع الأشجار والنباتات النادرة. وكل ذلك في تنظيم وتبويب متحفي جعلت منه متحفًا سياحيًّا معترفًا به من قبل وزارة السياحة.

ولعل أبرز وأندر الموجودات والمقتنيات في هذا المتحف:

– الخناجر الحجرية التي تعود للعهد الحميري.

– العملة السعودية التي لم يتم تداولها بل كانت عملة تذكارية تعود للعام 1354هـ.

– عظام الديناصور لأكثر من 65 مليون سنة اقتناها منذ 40 سنة مضت.

وقد رافقنا في هذه الجولة الأستاذ أحمد بن مساعد الفايدي ابن صاحب المتحف، الذي أتحفنا بروحه المرحة، ومعلوماته الوافية الكاملة عن كل جزء من محتويات المتحف، فله كل الشكر والتقدير.

وفي نهاية الجولة تعرفنا على مجموعة من الإخوة الشعراء والمثقفين ورجال أملج البارزين الذين استضافونا على مائدة من الأحاديث الثقافية الوافرة، ومعالم من أملج البارزة وقصص من التقدم والتطوير ماتعة، ثم أولموا بنا على مائدة عشاء فاخرة، فلهم جزيل الشكر والثناء الجميل.

*    *    *

(5) عدنا إلى نزلنا للراحة والسكن، من عناء الجولة الماضية، ولنسهر مع صديقنا الدكتور ناصر الحميدي الذي أفادنا بمنجزاته البحثية الأخيرة، فقد نشر له بحثًا محكمًا بعنوان: التشكيل البصري وشعرية اللغة في ديوان (التباس) للشاعر حسن الزهراني، وهو بحث في السيميائية والأسلوبية، نلمس فيه حسن التذوق وبراعة النقد، وحداثة التصور النقدي والشعري، في متلازمات أسلوبية اعتادها الدكتور الباحث/ الناقد منذ بحثه السابق: التشكيل البنائي والدلالي في ديوان (الجائحة) ليوسف العارف، الذي نشره عام 2022م، والدكتور/ الصديق ناصر الحميد، ي يملك حاسة نقدية مائزة يوظفها في أبحاثه ودراساته التي أنجزها طوال مسيرته العملية مثل:

– البيئة السردية في القصص القصيرة جدًا للقاص خلف القرشي، 2023م.

– البدايات والنهايات في قصص حكيمة الحربي، 2024م.

– البنية اللغوية والبلاغية والإيقاعية في أناشيد المرحلة الابتدائية 2019م.

وغيرها الكثير والكثير، التي تدل على اهتماماته البحثية في المنجز الأدبي السعودي المعاصر.

والدكتور ناصر الحميدي يعجبك إذا تحدث بانسيابية لغته، وفصاحة مقولة، ودماثة خلقه، ويعجبك في إنسانيته وروحه الإيجابية، وهو ممن يؤثرون غيرهم وإن كان الأحوج! صحبته في كثير من السفريات؛ فإذا به أخ كريم وحسن رفقة، وصلاح طوية، ودين، وسماحة وخلق قويم. بارك الله في زمالته، ومتعنا برفقته، وأدام عليه الفضل العميم.

أصبحنا يوم الإثنين 9/8/1445هـ، على صوت المؤذن، وكان المسجد قريبًا، مما شجعنا على الصلاة فيه، فوجدنا المؤذن –وهو من طلاب الدكتور ناصر– يقدمه للإمامة، فأمَّنا بكل خشوع وتلاوة نقيَّة، ثم عدنا للنزل حيث قررنا ممارسة رياضة المشي بجوار الفندق، فعلى كورنيش (الدقم) أقامت البلدية ممشًى رياضيًّا ومرتبًا وملونًا يحفز ويشجع على الممارسات الرياضية، وأخذنا من الوقت ما يقرب من الساعة مشيًا وذكرًا لأذكار الصباح، ونقاشًا في فعاليات هذا اليوم حتى موعد الأمسية بعد صلاة العشاء.

وبعد النشاط الرياضي اقترح زميل الرحلة أن نذهب للإفطار في أحد المطاعم الصباحيَّة وهذا ما كان، ثم عدنا للسكن، الدكتور يستعد لمحاضرته الجامعية، وأنا أستعد لأمسيتي التاريخ/ شعرية/ وطنية، وما أن غادر الدكتور حتى أويت لفراشي مستعينًا بالله في قيلولة طويلة حتى عاد الدكتور ناصر مع أذان صلاة الظهر لنصليها جمعًا وقصرًا، والحمد لله.

وما أن حان موعد الغداء، حتى كنَّا على موعد مع أجمل وأغرب غداء مرَّ علينا –شبيه بغداء الأمس– حيث كانت ما تبقى من (نواشف) الإفطار(8) الشهي الذي تناولناه عند جسر (مستورة)! ولك أن تتخيل كمية الزهد والتقشف التي عشناها خروجًا عن المألوف وتجديدًا في العادات والتقاليد، وبعيدًا عن الرسميات، وهكذا نحن –أبناء الطائف– تستهوينا هذه التفاعلات التجديدية.

وما أن حل العصر حتى استعد زميلنا الدكتور ناصر لمحاضرته المسائية (عن بعد) لمجموعة من الطالبات، فانفرد بنفسه في بهو الفندق، وكنت أسمعه في حوار ونقاش مع الطالبات وأسئلة وجوابات؛ ما يدل على التفاعل الإيجابي بين الأستاذ المحاضر والطالبات المستفيدات.

وبينما هو كذلك، إذ أطل علينا رئيس الصالون الثقافي بديوانية المناخة التراثية الأستاذ مساعد بن حمزة القوفي، الذي صلى العصر بجوارنا وأتى للمؤانسة ومزيد التعارف، وأهداني كتابين من كتبه وتآليفه وهما:

– رحلة إلى بئر السبع (رواية) نشرت عام 1440هـ.

– أملج الحوراء من الألف إلى الياء (تاريخ) نشر عام 1437هـ.

والكتابان ماتعان ومفيدان تصفحتهما على عجل وسجلت بعض الملحوظات والانطباعات، فرواية (رحلة إلى بئر السبع) عبارة عن قصة واقعية وقفت أحداثها لثلاثة رجال من أهالي أملج عام 1362هـ/1942م، لكنه بأسلوبه الأدبي يحولها من قصة واقعية إلى قصة أدبية فيها من الخيال والأسلوبية ما يجعلها مقروءة ضمن السياق الرحلي/ السردي، ويسميها –على استحياء– رواية، لكنها –في الواقع– قصة سردية طويلة.

ويتضح للناقد/ القارئ أنها تتنامى من خلال مفهوم النص السردي القروي، لاعتمادها على كثير من المفردات والكلمات الشعبية/ المحلية الدارجة عند أهالي أملج، وفيها ذكر لأشياء معروفة من التراث الشعبي والمحلي، والتي يضع لها تعريفات تقريبية في الهوامش أسفل صفحات الكتاب.

كما يتضح اتكاء المؤلف على ما يسمى نقديًّا بـ(التناص) وهو الاستشهاد بالشعر والأقوال المأثورة سواء الفصيح منها أو العامية/ الشعبية.

ونجد فيها كثير من فنيات وجماليات النصوص السردية/ القصصية في نماذجها العالية، مثل (الفيد باك) الاسترجاع الماضوي، والحوار الثنائي بين شخصيات العمل، والاستشراقات المستقبلية، والزمكانية، حيث كان الفصل الأول ما بين أملج والوجه، والفصل الثاني ما بين الوجه وبئر السبع، والثالث ما بين بئر السبع وأملج.

وهنا تتشكل إحدى جماليات النص السردي حيث الحركة الدائرية بدءاً ومنتهى! فقد بدأت الرحلة من أملج وانتهت بالعودة إليها وفي ذلك دلالة على تقلبات الإنسان وتطوراته من الوطن والهجرة ثم الغربة ثم العودة للوطن!

أما كتاب أملج الحوراء، فهو كتاب تاريخي/اجتماعي يوثق لمراحل تطور هذه المدينة (أملج)، ويمكن تقسيمه إلى أربعة مستويات:

المستوى الأول: التعريف بـ(أملج) عبر بعدها الجغرافي، وبعدها (التاريخي) تعريفًا يضع القارئ أمام صورة استدعاء للماضي، عبر مراحله التاريخية من قبل الميلاد وعبر العصور الإسلامية والعصور الوسيطة، وعصرنا الحديث.

والمستوى الثاني: الحديث عن (أملج) والحياة الاجتماعية فيها، ومواقع السياحة والآثار والمهن البحرية والموانئ المستفاد منها.

والمستوى الثالث: استعراض بعض قصص وتجارب وبطولات رجال البحر (البحارة) وأحداثهم التاريخية.

والمستوى الأخير (الرابع) يورد المؤلف مختارات من الأشعار التي يتعاطاها البحارة في رحلاتهم البحرية للصيد أو السفر عبر البحر.

وفي كل تلك المستويات نجد الباحث الجاد، والمعلومة الموثقة، وبهذا يشكل الكتاب مرجعًا يحتاجه الباحثون والدارسون، وموردًا عذبًا للشعراء والكتاب والساردين أصحاب الميول السردية/ القصصية.

هذه إشارات عاجلة –بعد قراءات أولية– ولعلي أفرغ لقراءتهما والاستفادة مما فيهما، إن شاء الله تعالى.

وها نحن بانتظار صلاة المغرب، وما هي إلا دقائق معدودة، فتركنا الدكتور ناصر مع طالباته لينهي محاضرته ويلحقنا إلى المسجد للصلاة، بينما أنا والأخ مساعد القوفي ركبنا سيارته وذهبنا للمسجد فصيلنا وعدنا إلى الفندق. أما صاحبنا الدكتور ناصر فأكمل محاضرته ولم يدرك الجماعة فصلى منفردًا وخرج مسرعًا واتجه نحو ديوانية المناخة التراثية، حيث ستقام الأمسية على توقع منه أني سآتي مع الأستاذ مساعد القوفي، وهنا يحصل الموقف الطريف فأنا في الفندق بانتظار الدكتور ناصر لنذهب سويًّا للديوانية، والأخ مساعد القوفي تركني وذهب للديوانية، وناصر سبقنا إلى هناك، وظللت وحدي منتظرًا حتى قارب وقت العشاء، فاتصلت بالدكتور ناصر مستفسرًا أينه ومتى نذهب للديوانية؟! فكانت المفاجأة والطرافة والضحك الذي يشبه البكاء!

ولم يجد بدًّا رئيس الصالون الثقافي إلى العودة للفندق واصطحابي للمحاضرة.. وهذا من أجمل المواقف التي ما زلنا نتندر بها أنا وزميلي الدكتور ناصر الحميدي.

*    *   *

(6) ومباشرة بعد صلاة العشاء واكتمال الحضور والجمهور الذي لم يتجاوز العشرين من مثقفي المحافظة، بدأت الأمسية بكلمة ترحيبية من المشرف على الصالون الثقافي الأستاذ مساعد بن حمزة القوفي، ثم بدأ الدكتور ناصر مدير الحوار والأمسية ثم أُعطيت الكلمة لأبدأ المحاضرة التي أسميتها مسامرة وحوارًا أخويًّا حول فضاءات (يوم التأسيس تاريخ وشعر) واخترت لها عنوانًا وهو: من التأسيس إلى الرؤية.

واستمرت الأمسية بين تاريخ وقصائد شعرية، ومشاركات من الحضور أبناء أملج في تعليق ومداخلة تراثية وتاريخية أو قصائد شعرية فصيحة ونبطية، وكان من القصائد التي ألقيتها قصيدة عن يوم التأسيس عنوانها: يوم البدايات، ومنها هذه الأبيات:

أسرى بي الشوق.. يا أرض الكرامات
إلى مواض مضت من أمسنا الشاتي

كانت بلادي جذاذات مفرقة
والأمن فيها جريح الغير والذات

ترنم الأمس والتاريخ منهمرٌ
آل السعود بنوا مجد البدايات

وأسسوا دولة هام الزمان بها
وفي التواريخ ذكر الأمس والآتي

… إلخ القصيدة(9).

وقصيدة أخرى بعنوان: صباح وصحو وانتماء، وجاء فيها:

لترنيمة الرمل/ تلك التي فاتحتني بعشقها/ صباح الفؤاد ونخلة حب تباسق طلعها من وريدي/ لها كل ما يعتري الطير/ إن بلَّل جانحاه المطر…

بلاد تفيق على الصحو/ تورق بالشعر/ وينمو على كاحليها الودق/ بلاد لها القلب أشرع أبوابه/ وسار على خطوة المجد أنا خطت(10)

وقصيدة ثالثة عن جازان بعنوان: جازان.. فاتنة الفؤاد ومنها هذه الأبيات:

وأتيت جازان الحبيبة أستقي
غيثاً تغايث بكرة وأصيلا

هامت بي الأشواق فوق ربوعها
فتجازن المكي.. زاد هطولا

جازان يا جازان جئتك أبتغي
وطناً تصاعد في الفؤاد ذهولا

إن الجمال إذا احتواك فضاؤه
قل فيك يا جازان صرت جميلا(11)
*   *   *

وغيرها من القصائد التي تفاعل معها الحضور استحسانًا وانسجامًا وتصفيقًا، والحمد لله.

كانت أمسية ماتعة، تناقلتها وسائل التواصل الاجتماعي، وغطتها الصحف الإلكترونية في أملج عبر الروابط التالية:

youtub.com

watch?v=x

htttps//twitter.com

(7) انتهت الأمسية، وحان وقت الوداع، فاستأذنا من مضيفينا الذين حرصوا على مواصلة السهرة التاريخية والأدبية في مكان آخر، لكننا –أنا وصديقي الدكتور ناصر- قد حزمنا أمرنا على العودة لعلنا نستجيب لدعوة أخينا الدكتور سعد الرفاعي وحضور الفعالية الثقافية لتدشين ديوان ينبع الشعري وتوزيع الجوائز على الفائزين، في المسابقة الشعرية التي ستقام مساء الثلاثاء 10/8/1445هـ، ومع حرصنا على ذلك فإن مستجدات السفر فرضت علينا المواصلة إلى جدة، فاعتذرنا من أخينا الدكتور الرفاعي، وعذرنا جزاه الله خيرًا. 

خرجنا من (أملج) ووصلنا (مستورة)، ثم شارفنا (ينبع) وفي الطريق تعب قائد السيارة صديقي الدكتور ناصر وأراد النوم في استراحة وغفوة خفيفة يستعيد فيها طاقته وجهده، لكني أشرت عليه بالشاي لعله يوقظ الحواس، ويبعد النوم فاتجهنا نحو إحدى الأكشاك التي تبيع القهوة والشاي والمكسرات وغيرها، فإذا بصاحبها شاب يترنح، ويتحدث بكلام غير مفهوم وأنه ذهب للقاهرة وحصلت له من المواقف والذكريات… وبدأ يهذي، فانصرفنا عنه وعن الشاي الذي يعده ويبيعه للمارين والمسافرين!

كان موقفًا طريفًا ومخيفًا نجونا منه والحمد لله، فواصلنا سيرنا حتى انتحينا جانبًا صحراويًّا، ليأخذ صاحبنا قسطًا من الراحة، وأنا أستدعي الأفكار والذكريات وأحاول النوم والاسترخاء، لكن المنطقة التي كنا فيها لا أنيس ولا جليس والليل مظلم ولا أنوار ولا سيارات أو شاحنات غير الطريق العام الذي يهدر بأصوات الشاحنات والسيارات المسرعة!

بعد سويعة استيقظ قائدنا، وواصلنا المسير الليلي حتى بلغنا جدة مع تباشير صلاة الفجر ونحن في ذكر ودعاء، وشعر وحكايات قطعنا بها ليلنا الطويل حتى وصلنا داري في حي النعيم، وما أن نزلت وودعت صديقي الدكتور وغادرني إلى مكة، حتى تذكرت هاتفي المحمول وأني نسيته في السيارة مع الدكتور ناصر الحميدي، فاتصلت عليه من هاتفي الثاني فإذا به قد وصل جسر بريمان متجهًا إلى مكة فاستوقفته حتى آتيه وأستعيد ما نسيته لديه! وكان موقفًا طريفًا يضاف إلى المواقف الجميلة في هذه الرحلة الثقافية!

*    *    *

(8) … وهكذ كانت رحلة تاريخية/ أدبية/ ثقافية، أدينا فيها الواجب تجاه وطننا الحبيب في ذكرى يوم التأسيس (يوم بدينا) الموافق للثاني والعشرين من فبراير كل عام، واستجبنا لدعوة إخواننا وأحبابنا من أهالي أملج الحوراء، وشاركناهم هذا الاحتفاء الوطني والتاريخي، في تظاهرة شكلت لنا بهجة واستئناسًا وتحفيزًا مستقبليًّا. 

الصور

 

والحمد لله رب العالمين.

****

جدة/ من مساء الأربعاء 11/ شعبان 1445هـ

إلى ظهر الثلاثاء 2/ رمضان 1445هـ

(1) انظر صورة الدعوة والبوشور الخاص بالمناسبة.

(2) انظر الشبكة العنكبوتية: موقع الويكيبيديا. 

(3) انظر الشبكة العنكبوتية، موقع موضوع، مقالة كتبها محمد مروان، 1 ديسمبر 2015م.

(4) جريدة الجزيرة، الأحد 25 شعبان 1433هـ، وراق الجزيرة، مقال بعنوان: بلدة مستورة بين ماضي تليد وحاضر مجيد، بقلم: محمد بن حميد الجحدلي الحربي.

(5) انظر الصورة المرفقة لمائدة الإفطار.

(6) د. يوسف العارف: بين يدي الحوراء! صدى رحلة شعرية إلى أملج الجمال والبياض، صحيفة الجزيرة، الملحق الثقافي، السبت 2/7/1437هـ.

(7) يوسف حسن العارف: أيام وليالي وأحداث في ينبع الحاضر والمستقبل والتراث، ص45.

(8) النواشف هي ما يؤكل باردًا، وغير مطبوخ ومأدوم، وهي الحلويات الشعبية، الجبنة، اللبنة، العسل، والزيتون والمخللات.

(9) قصيدة يوم التأسيس، وستنشر قريبًا، بإذن الله.

(10) قصيدة نشرت في ديواني يا دارميَّة، ص ص 75-76.

(11) من ديواني يا دارمية،  ص ص 129-130.

الكلمات المفتاحية

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود