أركان الأغنية

سعد عبدالله الغريبي*

رحم الله زمانا كان فيه المذيع يقدم الأغنية بقوله “من كلمات … وألحان … يغني لنا الفنان …” كان من المسلم به أن الأغنية لها ثلاثة أركان؛ شاعر وملحن ومؤدٍّ، لا يقل دور أحدهم عن الآخر؛ بل كانت الكلمة وصاحبها مقدمين على اللحن والأداء!.

زمنٌ كان المغني يركض وراء الشاعر سواء أكان غنائيا أم لم يكن؛ ليبحث عن كلمة صادقة تحمل عاطفة سامية ومعنى راقيا.

زمنٌ كان يفتخر الشاعر فيه بأن فلانا غنى له، ويفخر المغني أن ذلك الشاعر كتب له، وبينهما ملحن لا يغامر بجهده ووقته إلا إذا اطلع على النص، وأدرك أنه جدير بالاعتناء!

ولذلك تشكلت الثنائيات بين المؤدي والشاعر، والثلاثيات بينهما وبين الملحن. ولا يجد أحدهم ضيرا في البحث عن الآخر لأن كلا منهم يشعر أنه لا يمكن أن يستقل بالعمل الفني واحد، أو أن ينسب له لوحده؛ بل لا بد من اشتراكهم ثلاثتهم.

ولم يمنع وجود هذا التضامن بين الطرفين، أو الأطراف الثلاثة من الانفصال المؤقت حين يجد المؤدي نصا نادرا يجب اقتناصه، أو ملحنا بارزا يمكن التعاون معه، وكذلك يفعل الشاعر والملحن حين يجد من يستحق التعاون معه من المؤدين.

كان المطرب من أولئك مثقفا ومطلعا على الشعر العربي، يقضي وقتا للبحث في دواوين الشعراء الكبار قديما وحديثا ليصطاد نصا يناسب ذوق العصر ويحمل المشاعر الإنسانية النبيلة. تبحث أم كلثوم  فتجد في ديوان أبي فراس الحمداني قصيدة (أراك عصي الدمع) – وهي من بحر الطويل – فتطير بها إلى عبده الحامولي عام 1926 ليلحنها لها، وبعد ما يقرب من عشرين عاما (1944) تؤديها بلحن زكريا أحمد، ثم بعد عشرين عاما أخر (1964) تؤديها بألحان رياض السنباطي!

وتبحث في دواوين العرب فتغني لابن النبيه والإمام عبدالله الشيرازي وابن النطاح والشريف الرضي وغيرهم.

وتبحث لدى المعاصرين لها من شعراء مصر المعروفين فتغني لأحمد شوقي وحافظ إبراهيم وأحمد رامي إلى جانب علي الجارم ومحمد الأسمر ومحمود حسن إسماعيل وعبد الفتاح مصطفى وأحمد فتحي وغيرهم.

وفي خطة منها لإشراك الوطن العربي في إنتاجها الشعري، وليس الاستماع إليه فحسب؛ تغني لعبدالله الفيصل من السعودية وأحمد العدواني من الكويت وجورج جورداق من لبنان والهادي آدم من السودان ولنزار قباني من سوريا، ولو امتد بها العمر لوجدناها تغني لشعراء من كافة الوطن العربي.

حينها كان الشاعر الغنائي لا يقل احتراما وتقديرا ومعرفة من الجمهور عن الملحن والمطرب.. بل إن هناك من الشعراء الكبار من لم يعرفهم الجمهور إلا من خلال قصائدهم المغناة.. صحيح أنهم معروفون في الوسط الأدبي والثقافي لكن الشعب لم يعرفهم إلا من خلال غناء قصائدهم. ولنا في الهادي آدم وقصيدته (أغدا ألقاك) وجورج جورداق وقصيدته (هذه ليلتي) خير مثال.

*كاتب سعودي

samghsa11@gmail.com

2 thoughts on “أركان الأغنية

  1. شكرا لحضورك البهي د. هناء. موضوعي لغرض إيضاح دور الشاعر كاتب كلمات الأغنية الذي لا يقل بحال عن دور الملحن أو المؤدي وما يحصل اليوم من هدر تام لحق الكاتب. أما انتقال لحن من بلد لبلد وأخذ بعضهم من بعض فهذا موضوع آخر لعل هناك من يستهويه البحث فيه من المؤرخين للفن. أكرر شكري دكتورة هناء

  2. شكرا على هذه المقالة المركزة التي تضع النقاط على الحروف …أنا معك في كل ماذكرته في هذه المقالة … لكن من خلال إقامتي في أسطنبول ومتابعتي للأغاني والألحان التركية اكتشفت الكثير من الألحان العربية تطابق تماما الألحان التركية من بينها أغنية أنت عمري لأم كلثوم وأغاني أخرى لفيروز وفريد الأطرش ومحمد عبد الوهاب …فمن أخذ من من ؟ في ذلك الوقت لم يكن النت منتشرا حتى تكتشف السرقات بهذه البساطة …أتمنى لو تطرقت الى هذا الموضوع حتى لو في مقالة اخرى … والى مزيد من التألق…تحياتي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *