السيارات ذاتية القيادة: تحديات وآمال

د.جهاد فيصل العمري*

كنت في زيارة لأحد عروض سيارات شركة تسلا (Tesla) للسيارات مع ابنتي لُبنى ذات الاثنتي عشرة سنة، وعندما شاهدنا إمكانيات السيارة البرمجية وخيارات القيادة الذاتية فيها قالت لي ابنتي بحماس وثقة: “هذه سيارتي لما أكبر” تذكرت رد والدي حفظه الله عندما قلت له نفس العبارة، قبل أكثر من ثلاثين عاماً، عندما كنت في مثل سنها، واستعرت رده: “ستظهر في وقتك سيارات أكثر تطوراً وجاذبية فلا تستعجل”. أعلم ان والدي كان محقاً، فقد ظهرت سيارات أفضل بكثير من “المازدا السيدان” التي كنت أحلم بامتلاكها، لكن لا اعلم إن كنت محقاً بدوري بأن سيارات القيادة الذاتية (Autonomous Vehicles) ستتطور أكثر وتخرج من كونها سيارات تجريبية لتصبح سيارة متاحة للجميع عندما تصبح ابنتي في سن قيادة السيارة، أم أن القيود التقنية والقانونية ستبقيها في إطار التجارب العلمية واستعراض الإمكانيات التقنية.  لنكن مستعدين اجتماعيا ونفسياً لأي تغيير تقني وقانوني وبيئي قد يسرّع من انتشار السيارات ذاتية القيادة وتصبح جزءا من حياتنا فعلينا أن نتعرف على الإمكانيات التقنية للسيارات ذاتية القيادة والقضايا القانونية والأخلاقية المصاحبة لاعتماد تلك السيارات كإحدى وسائل الموصلات الرسمية، ولنتعلم الدرس مما حدث هذا العام تجاه استخدام تطبيقات التجارة والتعليم والتواصل الاجتماعي الإلكترونية  والتي أصبحت في يوم وليلة من تقنية متاحة لمن يريدها لأسلوب حياة لا غنى عنه، وذلك في ظل الحاجة للتباعد الاجتماعي بسبب وباء فيروس كورونا (راجع سلسلة مقالات الإبعاد الاجتماعي في عصر الإنترنت في مجلة فرقد).

شركات تصنيع السيارات تعتقد انها قادرة أن تنتج السيارات ذاتية القيادة خلال عام لعامين، حجتهم في هذا توفر التقنيات اللازمة لتصنيعها من رادارات وكاميرات عالية الدقة وبرامج الذكاء الصناعي والتعليم العميق والواقع الافتراضي والمعزز (راجع مقالتي الذكاء الصناعي والواقع المعزز) والتي تمكنهم من اكتشاف وتحديد المعالم والأشياء في الطرق حول السيارة، والتفاعل معها وتفاديها أثناء القيادة. إلا ان الكثير مازال يشكك في إمكانية تصنيع تلك السيارات في المستقبل القريب، وعلى رأسهم شركات الأجرة وهم أكثر المستفيدين المحتملين من السيارات ذاتية القيادة، حيث تسعى تلك الشركات أن توفر، إضافة إلى خدمات الحجز والدفع الإلكترونية لسيارات الأجرة عبر التطبيق، سيارات ذاتية القيادة لتزيد من فعالية رحلاتها وتوفر أجور السائقين لديها. بشكل عام تنقسم أسباب التشكيك في إمكانية وجود سيارات ذاتية القيادة في القريب العاجل إلى ثلاث مجموعات من الأسباب الأولى بيئية والثانية قانونية والثالثة أخلاقية.

من ناحية البيئة الحالية للطرق من أنظمة المرور والبنية التحتية فقد وضعت مؤسسة (KPMG) أربعة معايير لفحص جاهزية الدول للسيارات ذاتية القيادة، وهي التشريع والتقنية والبنية التحتية وقبول المستهلك. بخصوص التشريعات فهي تشمل تطوير أنظمة الحكومة في التعامل مع المعلومات الخاصة بالسيارات وأصحابها والموجودة بأنظمة الحاسب المشغلة للسيارة والحفاظ على خصوصيتها وأمنها، كما يشمل ذلك تنظيم إصدار رخص السيارات ذاتية القيادة وتقييم قيادتها في الطرق. كما ان البنية التحتية تشمل أولاً:

اختبار قيادة تلك السيارات في الطرق المبنية خصيصا لهذا الغرض بما فيها إشارات المرور وتقاطع الطرق وأماكن عبور المشاة وتتوفر بها نفس أجواء الطقس في تلك المدن من ضباب وغبار، أمطار وثلوج.

ثانياً: بناء وتعديل الطرق القديمة لتتناسب مع إمكانيات تلك السيارات ذاتية القيادة. أما من الناحية التقنية، فالمعيار هنا يركز على وجود الشركات التي لديها الخبرة التقنية لصناعة السيارات ذاتية القيادة في البلد محل التقييم. وأخيرا ينظر المعيار الرابع على مدى استعداد سكان الدول محل الدراسة في تقبل وجود السيارات ذاتية القيادة في بيئتهم. أظهرت هذه الدراسة والتي شملت 25 دولة حول العالم أن سنغافورة تتصدر من ناحتي التشريعات القانونية وقبول المستهلك بينما تتصدر هولندا من ناحية البنية التحتية وتتصدر أمريكا من الناحية التقنية.

أما بخصوص الأسباب القانونية فهناك عدة أسئلة قانونية يجب الإجابة عليها، منها من هو المسؤول قانونياً عندما تصطدم مركبة ذاتية القيادة بأحد المشاة أو بسائق آخر لا سمح الله؟ هل هو السائق (الراكب في هذه الحالة) الذي لم يسيطر على السيارة في المقام الأول؟ أم برنامج الذكاء الاصطناعي للقيادة أم من طوره؟ أم هو صانع السيارة والذي قام بتجميعها؟ أيضًا كيف يجب أن تتعامل شركات التأمين مع قضايا تلك الحوادث؟ وكيف يمكن تحديد ما يُعتبر قيادة آمنة أو قيادة محفوفة بالمخاطر عند إزالة دور سائق السيارة في القيادة وإعطاء التحكم لجهاز الكمبيوتر بالسيارة؟ وكيف سيتم التعامل مع الخصوصية والأمان؟ ومن يتحمل المسؤولية القانونية لأي حادثة تحصل للسيارة نتيجة تعرضها لعملية هجوم إلكتروني؟ وغيرها من القضايا القانونية المتعلقة بالاكتشاف الإلكتروني وقوانين الملكية الفكرية.

أما من الناحية الأخلاقية فالقضية الكبرى هي كيف يتخذ برنامج القيادة القرار؟ وما هي آلية عملية اتخاذ القرار؟ تذكرنا هذه الاسئلة بالتجربة الفكرية في علم الأخلاق والمسماة بمعضلة العربة (Trolley Problem). تفترض معضلة العربة بأن هناك عربة تجري على سكة حديد وأمامها خمسة عمال يعملون على تلك السكة أمام العربة ولسائق العربة الخيار أن يكمل الطريق ويدهس العمال الخمسة أو يحول مسار العربة إلى سكة أخرى يعمل بها عامل واحد ويدهسه، فما هو الحل؟ هل يبقي العربة في خطها ويدهس الخمسة أشخاص لتواجدهم في خط العربة النظامي أم يغير وجهة العربة ويتسبب في دهس شخص واحد لم يكن في طريق العربة في المقام الاول؟ لم يتفق المفكرون والفلاسفة على إجابة واحدة حتى الأن، فهل تقليل عدد الضحايا مبرر للتدخل؟ أم عدم التسبب في ضحية لم يكن مقدر لها ذلك مبرر لعدم التدخل؟ عندما يتعامل البشر مع ما يشبه معضلة العربة أثناء قيادة سيارته يتخذ قراره في لحظات سريعة بما يتناسب مع ضميره وبشريته وأياً كان قراره فهو محاسب عليه قانونياً وأخلاقيا، ولكن من سيكون المسؤول عندما نترك الخيار للبرنامج المشغل للسيارة ذاتية القيادة.

لنترك الفلسفة جانباً الان ونفكر بشكل تقني، رياضياً وحوسبياً فإن إتخاذ القرار إما أن يكون بنموذج رياضي يسمى عملية ماركوف لاتخاذ القرار (MDP) وهو نموذج مخصص لمختلف مشاكل التحكم والتخطيط في الهندسة والحوسبة. على سبيل المثال يعمل بشكل فعال في بيئة يمكن ملاحظتها وتوقعها تمامًا، ولها فترات زمنية منفصلة، وخيارات قليلة للعمل في ظروف مختلفة أو يكون بفرع من عملية ماركوف لاتخاذ القرار ولكن في البيئة المراقبة جزئيًا (POMDP) ​​حيث تكون البيئة متغيرة وبها مدخلات كثيرة وحالات زمنية متعددة. يمكن أن نعتبر أن لعبة الشطرنج تمثل عملية ماركوف لاتخاذ القرار حيث تعرف الخوارزمية البيئة بالكامل (اللوحة، القطع، القواعد) وتنتظر أن يقوم خصمها بالحركة. وبمجرد إجراء أي خطوة تقوم خوارزميات البرنامج بحساب جميع التحركات المحتملة التي لديها، مع خصم الحركات المستقبلية ثم اتخاذ القرار “الأفضل” أو “الأمثل” لمواجهتها. بينما تمثل السيارات ذاتية القيادة عملية ماركوف لاتخاذ القرار بالبيئة المراقبة جزئيًا حيث وبالرغم من استخدام أجهزة الاستشعار والكاميرات المتعددة، لا يتمكن النظام بالسيارة تكوين معرفة كاملة بالطرق الممتلئة بالمتغيرات المتحركة من أشخاص وسيارات وأمطار ورياح وغيرها من العوامل البيئية، وعليه فإن النظام في هذه الحالة يتخذ القرار باستخدام الملاحظات الحالية بالإضافة إلى مجموعة الملاحظات والإجراءات السابقة. حيث يقيس النظام هنا كل ما يستطيع عمله في حالة (حالات) معينة. تشكل مجموعة الحالات (أو ما يطلق عليه هنا البيئة) معلومات يرمز لها بمثلا (س1، س2، س3 …) وتتشكل على إثرها القرارات أو الإجراءات التي يمكن ان يرمز لها (أ1، أ2، أ3 ….)، وبالتالي، في أي حالة معينة، يقرر النظام ما هو الإجراء الذي يجب اتخاذه بناءً على حالته الحالية، وحالته السابقة (إن وجدت)، وحالته الانتقالية المستقبلية المتوقعة. وبالتالي فإن نظام القيادة الذاتية يعمل في بيئة غير معروفة تماما مما يشكل عدم اليقين عند اتخاذ القرار، ولا يحدث التعلم إلا بعد اتخاذ القرار ومراجعته وإضافة نتيجته لذاكرة البرنامج. كما أن محتوى هذه الذاكرة من القرارات السابقة متواضع مقابل قدراته في حفظ المهام والأنظمة المصمم عليها. في هذه الحالة يستلزم على راكب السيارة كامل الانتباه للطريق وعدم الانشغال بالعمل او التسلية أو النوم حتى يستطيع التدخل في حال مرور السيارة ذاتية القيادة التي يركبها بحالة لم يبرمج عليها أو لم يحفظها بذاكرته مما يخرجها من صفة ذاتية القيادة التي كنا نتوقعها منا.

في الختام نأمل أن تُعالج العوائق البيئية والقانونية والأخلاقية لاستخدام السيارات ذاتية القيادة ونتمتع بأقرب وقت بامتلاك تلك السيارات ونستمتع خلالها بالرحلة دون الانتباه للطريق، ولكن حتى ذلك الحين لتظل أعيننا على الطريق ونحن نردد “القيادة فن وذوق وأخلاق”.

*كاتب سعودي

حساب تويتر: @GH574_1

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *