مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

* لا بد أن يتحرر المثقف من أدلجته وبرمجته، حتى يقول الحقيقة * الثقافة نخبوية وإذ …

الأديب إبراهيم التركي: الثقافة نخبوية، وحسي الرقابي معدوم

منذ أسبوعين

115

0

* لا بد أن يتحرر المثقف من أدلجته وبرمجته، حتى يقول الحقيقة

* الثقافة نخبوية وإذا أردت أن تؤثر في الجماهير، فاكسب النخب

* التطوع زكاة البدن، الإنسان لا يضيف إليه بمقدار ما يضيف إليه التطوع

* الكتابة هي التي تأتي إليك ولا تأتي إليها

* الاستنساخ دائمًا لا ينتج ثقافة قوية 

* اقرأ كأنك تعيش أبدًا، واكتب كأنك تموت غدًا

حوار_أحلام الجهني 

الدكتور والأديب الكبير/ إبراهيم بن عبد الرحمن التركي العمرو من مواليد عنيزة 1956م. 

كاتب وأديب وشاعر سعودي، تولى مناصب ثقافية وتربوية وإعلامية عدة، رئيس تحرير المجلة الثقافية بصحيفة الجزيرة السعودية، عمل في الصفحات الثقافية في جريدة الجزيرة لمدة ثمانية وثلاثين عامًا 1985-2022م. 

من مؤلفاته:

  1. سفر في منفى الشمس: قراءات في اغتراب الكلمة، 1996م.
  2. عبد الله العلي النعيم: الإدارة بالإرادة 2002م.
  3. ما لم يقله الحاوي: قراءات في اغتراب الكلمة 2004م.
  4. كان اسمه الغد: مقاربات في ثقافة التخلف 2004م.
  5. كيلا يؤرخ أيلول: معطيات في شرعية الاختلاف 2006م.
  6. وفق التوقيت العربي: سيرة جيل لم يأتلف 2006م.
  7. خارج الإطار. 2006م.
  8. من حكايات الشيخ عبد الرحمن بن سعدي. 2006م.
  9. الإطار يكفي. 2006م.
  10. دوائر ليس إلا. 2009م.
  11. فواصل في مآزق الثقافة العربية. 2011م.
  12. إمضاء لذاكرة الوفاء. 2011م.
  13. سيرة كرسي ثقافي. 2015م.
  14. خيمة وألف صمت (ديون شعر). 2018م.
  15. المضادات الثقافية: معطيات النص والشخص. 2018م.
  16. الذاكرة والعقل: قراءة في المتغيرات الثقافية. 2021.

* من الإدارة إلى الإعلام!

_ دكتور ابراهيم. كيف كانت تجربتكم في تحرير الشؤون الثقافية في جريدة الجزيرة؟ وهل كان لديكم رؤية خاصة رغبتم في تحقيقها من خلال عملكم الصحفي؟

تجربتي في الجزيرة الثقافية تأخذ أكثر من بعد، البعد الأول لا شك أنها تجربة ثرية غنية امتدت لأعوام طويلة، أعتقد أنني بهذه التجربة ربما أطول من أشرفوا على الصفحات والملاحق والعطاء الثقافي الصحفي، وهذا جانب؛ والجانب الآخر أنني لم أنو أن ألتحق أصلًا بالعمل الصحفي مطلقًا، سواء أكان ببعده الثقافي أم بأبعاد أخرى، وإنما جاءت بها الصدفة التي رويتها في الواقع في أكثر من مكان، ولا أود أن أكررها، ومن بينها كتابي “سيرة كرسي ثقافي”. 

النقطة الثانية أنني حينما ابتدأت أيضًا لم أمر بمرحلة واحدة، وإنما مررت بعدة مراحل، وهذه أيضًا كانت لها ظروفها، فأنا جئت في فترة كانت فترة مختلفة عن الفترات العادية، يعني حينما يأتي الإنسان إلى التحرير الثقافي، مثلًا بشكل طبيعي، يعني الأمر سيسير بصعوبة، سيسير بتحديات، سيسير باختلافات، لكن بالأخير هذا امتداد طبيعي.

_ كنتَ مديرًا اداريًّا في معهد الإدارة العامة، وبعيدًا تمامًا عن المجال الإعلامي، ثم انتقلتَ إلى العمل في جريدة الجزيرة، حدثنا عن قصة الانتقال المفاجئ هذا؟

كنتُ منهمكًا ومركزًا بعملي في معهد الإدارة، بالتالي، فوجئت أنهم حينما طلبوا مني أن أشرف على تحرير الثقافي على صفحة أدب وثقافة كما كانت تسمى، وكانت صفحة يومية، أنه لم يكن هناك أي محرر فيها، إنما أيضًا ليس لأنها خالية، بل لأن من كانوا فيها أُبعدوا وأسباب هذا شرحتها أكثر من مرة.

لكني جئت ولم أجد في القسم الثقافي في صحيفة الجزيرة أحدًا، لأن جميع من في القسم الثقافي أبعدوا، وأنا لم أدر عن هذا الإبعاد، لأنني كنت بعيدًا تمامًا عن المجال الإعلامي، ولا علاقة لي به. لكن الأساس في الموضوع هو أنه بعد نشر قصيدة الدكتور غازي القصيبي عليه رحمة الله، رسالة المتنبي الأخيرة إلى سيف الدولة، وما تبع ذلك من خطوات تمثلت في استقالة الدكتور غازي من عمله، واستقالة الدكتور الأستاذ خالد المالك أيضًا، يعني أن رؤية القسم الثقافي كان هو السبب في مثل هذه الضجة التي أحدثتها تلك القصيدة، بالتالي أبعدوا وأتيت أنا، وأنا لا أعرف، وحينما جئت إلى الصحيفة على أساس أنها شهر وامتد هذا الشهر،  38 عامًا.

_ عملية التأقلم على العمل الجديد والبدء في التأثير فيه، بالتأكيد مرت بمراحل وخبرتكم الإدارية في معهد الإدارة ساعدكم على تخطي هذه المراحل، حدثنا عن هذه الفترة؟

أعتقد أني عشت أربعة تجارب، لا تجربة واحدة. كانت التجربة الأولى هي تجربة التسيير، كنت حريصًا على أن أسير العمل لمدة شهر، بالتالي أنا إنسان مؤقت أريد أن أسيره كما كان، أو كما أستطيع أن أقدمه، الشهر امتد، فجاءتني مرحلة أخرى أسميها مرحلة التجسير، كنت أحتاج إلى أن أرتبط بالوسط الثقافي، لأنني لا أعرف فيه أحدًا، ولم أنتم إليه أبدًا، نعم، لدي الأنشطة الثقافية كانت في أيام المدرسة في أيام المعهد العلمي، أيام المركز الصيفي، لكن هذا لا يشفع لأن أكون مشرفًا ثقافيًّا، لا أعرف أحدًا في الوسط، فبدأت في مرحلة التجسير، وابتدأت بزيارات لكثير من المثقفين، بل رموز لرموز المثقفين، وعملت حوارات امتدت 44 حوارًا أسبوعيًّا تحت مسمى قراءة في مكتبة، وستصدر إن شاء الله في كتاب، وكان من بين من ذهبت إليهم الشيخ حمد الجاسر، الشيخ عبد الله بن خميس، الشيخ أبو عبد الرحمن بن عقير، الشيخ عبد الله بن إدريس، الأستاذ محمد حسين زيدان، وهكذا البقية يعني سيظهرون إن شاء الله في الكتاب، هذه المرحلة الثانية وهي مرحلة التجسير. 

المرحلة الثالثة أسميتها مرحلة التغيير، والتغيير تم في الواقع بعد فترة، لأنني خلالها بعد أن عرفت أن هذا قدر بالنسبة لي، طبعًا ظللت متعاونًا، لكن هذا القدر جعلني أسعى لأن أطور هذه المنظومة الثقافية، ومن ثم أوجدت ملحقًا ثقافيًّا، بدلًا من أن تكون صفحة ثقافية، بعد هذا أوجدت ملحقين ثقافيين كل أسبوع يوم الأحد ويوم الخميس، وهذه سابقة في الصحافة الثقافية، ولا أعتقد حسب علمي هناك من سبقها، ولا أدري حتى إذا كانت تبعت أو لم تتبع هذه المرحلة الثانية.

_ هل كان لديكم رؤية خاصة رغبتم في تحقيقها من خلال عملكم الصحفي؟

حينما أوكل لي الإشراف على ثقافة الجزيرة بدءًا من كونها صفحة واحدة، ثم ملحقًا، ثم ملحقين، ثم مجلة ثقافية، كنت أدرك  بعدًا مهمًّا، وهو أن إشرافي لا يمنحني الحق في أن أقرب من أشاء وأبعد من أشاء، كانت بالنسبة لي العملية واضحة، أنا مؤتمن على هذه المساحة الثقافية، بمعنى أن أتركها لجميع الأطياف، لا يمكن أن يتفوق طيف على طيف ولا يمكن أن أخصصها لأناس دون غيرهم، لا يمكن أن تكون مناطقية أو مذهبية، أو قبلية، أو حتى في إطار النظريات التي قامت أن تكون حداثية أو تقليدية، كنت أرى أنها انعكاس لهذا المجتمع بكل أطيافه الثقافية. 

بالتالي لكل هذه الأطياف أن يظهر صوتها، أن تبرز عطاءاتها، أن تكون موجودة بشخوصها ونصوصها، وهذا ولله الحمد الذي سرت عليه طيلة الفترة، ولم أجد في الواقع أنني انتميت أو نميت الصفحات الثقافية أو الملحقة والمجلة الثقافية، لطيف دون طيف. هذا منهج اختطته. أعرف أن هناك من الإخوة من يعتب على هذا، ومن يرى أن المفترض في المجلة الثقافية، أو في الصحيفة الثقافية، أو في الصفحة الثقافية أن تكون معبرة عن تيار معين، هذا كنت أرفضه، ولا أزال أرفضه، ولو عاد وعدت مرة أخرى سأرفضه،  فأنا مؤتمن فقط لأتيح هذه المساحة الثقافية للجميع، مع مراعاة هامش بسيط جدَّا يتعلق بالخط أو القلم الأحمر الذي لا يمكن أن يجتازه الرقيب، وهي أمور بسيطة جدًّا، وأجزم أنني لم أستخدمها إلا نادرًا وبالتفاهم مع الكتاب والكاتبات حينما يطرأ أمر يستدعي مثل تدخل رقيب أو تدخل القلب أخبره أو أخبرها، بالتالي نتفق على صيغة مناسبة ليعبروا، وهذا نادر جدًّا. 

_ كيف يمكن أن تصف الدور الذي لعبته الثقافة في حياتكم الشخصية والمهنية؟ وكيف نشأت بذور الثقافة لديكم؟

الدور الذي لعبته الثقافة في حياتي، طبعًا الجميع يتلمسون خطاهم منذ نشأتهم الأولى، بالتالي هذه النشأة مؤثرة في اختيار الطريق الذي تسلكه، وبالنسبة لي لم أسلك طريق الثقافة مباشرة؛ إنما عبرت بأكثر من ممر، الممر الأول كان عملية الرياضة، الكرة وكرة القدم تحديدًا، لكنني وجدت نفسي فاشلًا فيها، حاولت أيضًا في مجال الرسم والفن التشكيلي، وأنا طالب في المرحلة الابتدائية، وجدت نفسي لا أستطيع أن أرسم حتى نخلة أو شجرة، وحتى هذه اللحظة لا أستطيع، ألحقت أيضًا بالأشبال، والكشافة أصلها الأشبال التي يتطور منها الفرد أو الطفل إلى أن يكون عضوًا في الكشافة، أيضًا لم أنجح ولم أستمر، ولم أجد نفسي فيها، اتجهت إلى عملية العناية بنقطتين، النقطة الأولى مرافقة الوالد عليه رحمة الله، الوالد خريج كلية اللغة العربية ومثقف، ولدينا مكتبة في منزلنا، وهي مكتبة عامرة، وهذا الجانب أساسي في العملية، الجانب الثاني أنني اتجهت وأنا طالب في المرحلة الابتدائية إلى أن أهتم بالثقافة، فأذكر أنني اختاروني كي أكتب حكمة اليوم. طبعًا اختاروها لي، ووضعت على مدخل المدرسة الفيصلية بعنيزة، وكانت لوحة كبيرة وفيها حكمة اليوم، وكتبوا اختيار الطالب، كنت في الصف الثالث الابتدائي أي ما يعادل ثمان سنوات، باعتبار أنني دخلت المدرسة الابتدائية وأنا في الرابعة لظرف سبق أن شرحته، المهم، هذا الجانب في الصف الرابع الابتدائي، أعطوني كلمة الطلبة في الحفل الختامي وألقيتها أمامهم، يعني ألقيتها في المسرح أمام الطلبة، وطبعًا هو جانب يعني جدًّا مشجع ومحفز، كانت لدينا مكتبة في المدرسة الفيصلية، وأذكر أنني استعرت منها أول كتاب، وهو كتاب قصصي من الكتب التي تحكي عن بعض الروايات.

هذا الكتاب في الواقع جذبني إلى أن أتجه أيضًا إلى عملية قراءة كتب مماثلة، كان اسم الكتاب “المدينة المسحورة” إلى أن استقام عودي، وبدأت في عملية القراءة، والثقافة، بالنسبة لي كانت اختيارًا من متعدد، ووصلت إليها، وبالتالي اقتنعت بأن هذا هو المسار الذي أسلكه، حينما انتقلت للمرحلة المتوسطة والثانوية، كنت نشيطًا جدًّا في الإذاعة المدرسية في النادي الطلابي، في الحفلات، في المكتبة، كنت عضوًا مشرفا على المكتبة، في المركز الصيفي أيضًا، عملت فقط في المجال الثقافي، لم أعمل في مجال رياضي ولا فني ولا حتى خدمي، يعني كنت دائمًا في هذا الإطار، كانت هناك مسابقات تعمل وليست مسابقة ثقافية، بمعنى سين جيم، إنما كانت مسابقات بحثية يفرض المركز الصيفي وهو ذو ال50 يومًا، مسابقة معينة عن شخصية معينة، وأتذكر منهم الإمام أحمد بن حنبل، الإمام شيخ الإسلام بن تيمية الإمام محمد بن عبد الوهاب، وكان البحث يطلب منا، ونحن لم نزل فيما بين المرحلة المتوسطة والثانوية، يعني لم أصل بعد إلى السابعة عشرة، طبعًا انتقلت إلى الرياض لدراسة الجامعية، فكل هذا الكلام كان سابقًا للمرحلة الجامعية، البحوث نعدها نحن، يعني يقال لنا إن البحث عن هذا الشخص، وهذه هي العناصر، فنعد البحوث نحن، يعني نبحث في المكتبات إلى آخره، بالتالي يأتي وقت الاختبار، لا يقولون لنا قدموا أوراقًا، وإنما يدخلوننا قاعة فيها رقابة متباعدة المقاعد، هذه القاعة يطلب منا أن نكتب في العناصر، وليس معنا أي شيء أبدًا، إنما ما استوعبناه وكتبناه ولله الحمد، يعني حزت في السنوات الأربع التي دخلتها على المركز الأول في هذه المسابقة، وجائزة كل عام 500 ريال و500 ريال في ذلك الوقت تعني شيئًا كبيرًا، بالتالي حصلت من هذا المجال على يعني 2000 ريال، طبعًا سلمتها للوالد رحمه الله.

فهذا المسار الثقافي وجهني إلى اتجاه، أنا أجد نفسي فيه أو على الأقل لا أجد نفسي في غيره، فمن هنا طبعًا استمرت العملية في الجامعة، حينما سافرت إلى الولايات المتحدة هدأ هذا النشاط، لكنني كنت قارئًا منتظمًا حريصًا على عملية القراءة، كنت أنتقي الكتب وتحديدًا الكتب ذات القيمة، وكان من بينها مثلًا المكتبات التي تفترش الأرض أمام الجامع الكبير في الرياض، فاشتريت منها، وكان أول كتاب اشتريته العقل، اشتريته من هذه المكتبات، كانت لدينا مجموعة من الكتب سواء في المرحلة المتوسطة أو الثانوية، وكنت، ولله الحمد والشكر، متفوقًا وترتيبي الأول دائمًا، المهم هذه الكتب المفترشة الأرض أمام الجامع، أذكر أني اشتريت منها كتاب العقل المنطلق، وترجمه الدكتور فؤاد زكريا، وهو من الكتب التي أثرت بي، بالتالي وجدت نفسي في هذا الإطار، حينما ساقتني المشيئة، مشيئة الله سبحانه وتعالى، إلى أن أعمل في المجال الثقافي الصحفي عبر الجزيرة أو المجال الثقافي الإذاعي، حتى اقتصرت في تقديمي وفي إعدادي على البرامج الثقافية، لا شك أنها كونت صورة كبيرة بالنسبة لي، ليست صورة زاهية بالمعنى المادي، لذلك أنا لم أتفرغ للإعلام الثقافي، لم أتفرغ لا للجريدة ولم أتفرغ للإذاعة، إنما كان عملي مختلفًا، كنت في معهد الإدارة أستاذًا ومديرًا عامًا لعدد من الإدارات، ثم في القطاع الخاص أيضًا، صرت مسؤولًا قياديًّا، ولا أزال حتى اليوم في القطاع الخاص وغيره، بالتالي كانت الثقافة رافدا أساسيا في حياتي، هيأني ـ ليس لطلب  الرزق أو للعيش، أبدًا، لم يكن لها أي دور في هذا المجال، وإنما كان لها دور في صقل الشخصية.

_ ما أهم التحديات التي واجهتكم ككاتب وشاعر في المشهد الثقافي السعودي خلال السنوات الثلاثين الماضية؟

في الواقع بالنسبة للتحديات لا بد أن نحرر مصطلح التحديات، لأن التحدي قد يكون إيجابيًّا، بمعنى أن التحدي يولد تحديًّا مواجهًا، بالتالي هذا التحدي المواجه ستكون ثمرته إيجابية وستنعكس على الفرد سواء بصفته الشخصية أو بصفته العملية، والتحديات التي واجهتني في مسيرتي الثقافية عندما أشرفت على صفحات الجزيرة، ثم ملحقاتها، ثم المجلة الثقافية، أعتقد أنها كانت تحديات دافعة، كانت تحديات منتجة، كانت تحديات، يعني فعلًا قدمتني بشكل تدرجي وبشكل أيضًا هادئ، بالتالي لم أخش من تلك التحديات.

* الإشراف والحس الرقابي

_ عاصرتم الصراع المحتدم بين الحداثيين والتقليدين، هل اتخذتم موقفًا معينًا، وكيف تعاملتم مع الطرفين كتحدٍ لحرية الرأي في الصحافة؟

الوسط الثقافي، حينما أشرفت على الصفحات الثقافية في الجزيرة، كان ملتهبًا بالصراع المحتدم بين الحداثيين والتقليدين، هنا أخذت الموقف الآخر، يعني لم أنسق مع هؤلاء ولم أنسق مع أولئك ونشرت لهؤلاء كما نشرت لأولئك، بالتالي أخذنا موقف الذي يريد أن يعطي كل ذي حق حقه بحيث لا يمنع أحدًا بسبب وجود اتجاه معين، وهذا هذا شيء بالنسبة لي، أصبح معروفًا أنني لم أنتصر لاتجاه على اتجاه ولا  رغبتي أو علاقتي أو ميولي، بالتالي هذه التحديات التي مرت كانت بالعكس، أعتقد أنها تحديات إيجابية.

_ الحس الرقابي وتشجيع الإبداع الثقافي قد يشكل أحد الصعوبات في العمل الإشرافي؛ لكم تجربة ثرية فيه، ما الصعوبات؟

الصعوبات هو أن الجانب الإشرافي يتطلب في جزء من الجانب الرقابي والجانب الرقابي أو الحس الرقابي لدي معدوم حقيقة، يعني أنا لا أطيق أن أحذف سطرًا أو سطرين أو جملة من كاتب بعث بها إلا حينما أجد أنها أو أنني استنفذت جميع الوسائل، وكنت دائمًا أسأل هل هذه الجملة حينما تعبر هل سيترتب عليها إقفال الصحيفة؟ إذا لم يترتب عليها إقفال الصحيفة، فكل شيء قابل لأن نتفاهم معه لأن الإبداع ليس وجهًا واحدًا، ليس صورة واحدة، ليس شكلًا واحدًا، لا أستطيع أن أقوّم هذه العبارة بمفهومي أنا، فقد أقرأها بشكل ويقرأها غيري بشكل. بالتالي ما دامت العملية تعددية فلتكن، لأنه ليست هناك تعليمات حقيقة في الرقابة ولذلك الحمد لله، أنا أعتقد هذا الجانب بالنسبة لي كان جانبًا متوازنًا متزنًا، هناك مثلًا من يريد فعلًا أن تلغى كل جملة تختلف مع هواه، هذا طبعًا لا يجوز ولا يمكن. ولا ولم أمارسه، ولا يمكن أن أبرر لمن يمارسه من هذا المنطلق، وهذه حصلت لي، ليس بصفتي مشرفًا، بصفتي كاتبًا، حصلت أن مقالًا يشطب، ويقال لي اكتب، بدله، ثم أعده بعد فترة، وهو يسير، لأن المعيار ليس معيارًا دقيقًا، وليست هناك مثلًا تعليمات معينة يستطيع الإنسان أن يسير عليها، المسألة خاضعة للتجربة الشخصية وللثقافة، لرؤية الإنسان، إلا أن وضعك مشرفًا ثقافيًّا، لا يتيح لك أن يعني أن تشعل إشارة الضوء الأخضر، أو أن توقف المسيرة بالضوء الأحمر.

* لا بد أن يتحرر المثقف من أدلجته وبرمجته، حتى يقول الحقيقة

_ دعنا ننتقل معكم عبر رحلتكم المهنية الشيقة في مجالي الثقافة والأدب:

كيف يمكن للثقافة والأدب أن يسهما في تعزيز التواصل والفهم المتبادل بين الثقافات؟

في إطار تعزيز التواصل بين الثقافات، لا شك أن الثقافة هي المنطلق الأساسي لهذا التعزيز؛ لأن الثقافة هي الكلمة، بالتالي الكلمة هي التي تصل بيننا، سواء أكنا أفرادًا جماعات أم مجموعات عرقية، مجموعات دينية، مجموعات متعددة، بالتالي سنجد أن هذه الكلمة هي التي تفعل فعلها في الربط بين الناس، ولا شك أن الثقافة هي التي عرفتنا بالشرق وعرفتنا بالغرب وعرفت الشرق والغرب بنا، بالتالي دور الثقافة مهم، ربما الأشياء الأخرى أو الأنشطة الأخرى لا تعزز التواصل بمقدار ما تعززه الثقافة سواء الثقافة التأليفية، أو الثقافة المقالية، الثقافة التشكيلية باللوحة، يعني جميع أنواع الثقافات لا شك أنها عامل يربط بين الناس بمختلف ثقافاتهم، بمختلف اهتماماتهم، بمختلف تعدداتهم العرقية والدينية، ودور الثقافة، لا شك أنه مهم، ومن ثم نحتاج أيضًا إلى أن نبرز ثقافتنا بمن يستطيعون إبرازها، يعني ليس كل من كتب قادرًا على أن يوصل فكرته بشكل أمثل، ليس كل من تأدلج أو من تبرمج  أيضًا قادرًا، يعني لا بد أن يتحرر المثقف من أدلجته وبرمجته، بالتالي يقول الحقيقة، ومن هنا نحن نتصل بالآخرين سواء أكانوا عربًا أو غير عرب، عن طريق الثقافة.

_ كيف ترون مستقبل الثقافة والأدب في المملكة العربية السعودية؟

مستقبل الثقافة في المملكة، بلا شك مستقبل واعد ومشرق، دون أدنى شك، يعني نحن عشنا في فترات لم يكن فيها التعليم منتشرًا بهذا الشكل، لم تكن الصحافة موجودة بهذه الصورة، لم يكن الإعلام سواء الإعلام التقليدي أم الإعلام الرقمي الجديد، لم يكن بهذه الصورة، ومع ذلك انتقلت ثقافتنا إلى خارج الوطن أيضًا، ضاء أدبنا وشعرنا ووجودنا الثقافي سواء في داخل المملكة أو في المحيط القريب، الآن أنا أعتقد أنه انتشر أيضًا في محيط أكبر بفعل الترجمات وبفعل الوسائط التواصلية التي صار الجميع يبحثون عنها وينضمون إليها، ويسهمون فيها، بالتالي لا أعتقد أن هناك خوفًا على الثقافة، حتى لو زاحمتها أشياء أخرى.

* الثقافة نخبوية وإذا أردت أن تؤثر في الجماهير، فاكسب النخب

_ “الثقافة نخبوية ” عبارة تلخص الكثير، حبذا لو سعادتكم يتحفنا بالتوضيح. 

هذه طبيعة الثقافة، الثقافة نخبوية؛ يعني لا بد أن ننظر إلى الثقافة على أنها العنصر الأقل جماهيرية من الوسائط الأخرى، لكن النخبوي يقود، والشعبوي لا يقود، إذا أردت أن تؤثر في الجماهير، فاكسب النخب، لكن لا يمكن أن تكسب النخب من خلال الجماهير، وهذه المعادلة جدًّا مهمة، النخب هم الأقلية، لكن هم المؤثرون ووزنهم المعياري كبير، لكن الجماهير العادية وزنها المعياري بسيط جدًّا، حتى لو كانت بمئات الآلاف أو بالملايين، والمثقفون صاروا مثلًا  أعدادًا قليلة جدًّا، يعني بالعشرات أو بالمئات، فالمستقبل بإذن الله واعد، ولا مشكلة في هذا الإطار.

* التطوع زكاة البدن، الإنسان لا يضيف إليه بمقدار ما يضيف إليه التطوع

لكم رحلة طويلة في العمل التطوعي في مجالات مختلفة، ما دور الكاتب الماهر في العمل التطوعي، وهل يواجه تحديات في التوازن بين الكتابة والعمل التطوعي؟

لعلني أول من قال -ولا أدري أحدًا قبلي-  لكنني كنت أقول ومنذ سنوات بعيدة إن “التطوع زكاة البدن”، والكلمة شاعت وذاعت لأننا بالفعل نحن نزكي أموالنا، لكننا لا نزكي أبداننا أو بعضنا لا يزكي بدنه، وفيه نعمة كبيرة، ويستحق الإنسان إضافة إلى زكاة أمواله أن يزكي بدنه، لذلك نظرتي إلى العمل التطوعي أنه خير، وأنه إضافة للإنسان، الإنسان لا يضيف إليه بمقدار ما يضيف إليه التطوع، لذلك أنا أذكر أنني منذ الصغر وأنا مهتم بالعمل التطوعي، حينما كنت مثلًا في الأنشطة المدرسية في المركز الصيفي وكنا نخدم المجتمع، كنت حريصًا على هذا، و عملت في عدة جمعيات، وكل أعمالي في الجمعيات سواء أكانت جمعيات ثقافية أم جمعيات أخرى اجتماعية، صحية، إعلامية، عملت في عدد كبير منها، ولم أتقاض ريالًا واحدًا، وكنت أعد عملي، هذا زكاة البدن، بالنسبة لي.

في واحدة من الجمعيات رأست لجنة التطوع وتجمع عندي من المتطوعين حوالي 2000، ومعظمهم من شباب الجامعات المؤهلين في الكليات، في كليات الطب وسواها، بالتالي أعتقد أن هذا المفهوم الآن الحمد لله، سادَ، أتكلم عن فترة سابقة، الفترة السابقة ربما لم يكن ينظر إلى العمل التطوعي بمثل ما ينظر إليه الآن، ربما هناك أناس إلى الآن يسألون، وماذا تعطونني؟ وماذا تقدمون لي؟ لكن بالنسبة لي هذا الجانب كان واضحًا لأنني أريده بالفعل زكاة بدن.

_ ما الأعمال التطوعية التي أثرت فيكم وأدت إلى إصدار مؤلفات؟

بالنسبة للتأليف، نعم، أكثر من كتاب كتبته بناء على عمل تطوعي، كان بإمكاني أن أتقاضى مقابله مالًا، لكنني أبدًا لم أتقاض، وهذه نماذج لا أريد أن أتحدث عنها بالتفصيل.

لكن أيضًا حتى في كتبي الأخرى، كنت أعطيها للموزعين، للناشرين، للمكتبات، من يطلبها، ولا آخذ مقابلًا، كنت أعطيهم إياها لتكون لهم، وليبيعوا ويستفيدوا، فقط كنت أطلب أن يكون السعر معقولًا، بمعنى أن حظي أو نصيبي من هذا السعر يكون للمشتري لمن يطلب الكتاب، للقارئ، يعني أعتقد أن العمل التطوعي عمل رائع، عمل يقدمه الإنسان لنفسه قبل أن يقدمه لغيره.

* الكتابة هي التي تأتي إليك ولا تأتي إليها

_ لا بد أنكم عشتم ساعات ولادة الفكرة.. ما أول فكرة جعلتكم تنطلقون في مسار الكتابة، وما الكلمة التي ألهمتكم لتأليف كتابك الأول؟

في رأيي أن الكتابة هي التي تأتي إليك ولا تأتي إليها، بمعنى أن الإنسان القادر على الكتابة سيجد أن القلم يأتي إليه، وأن القلم نفسه هو الذي يكتب الفكرة التي يشاؤها. منذ أن كنت طالبًا صغيرًا، وهذا كلام أعتقد أنني سبق أن أشرت إليه، دخلت في مجال الكتابة العادية، يعني الصحافة المدرسية الحائطية، ثم الصحافة التي تنتهي بمجلة، مجلة مطبوعة.

في نهاية الدورات، المركز الصيفي أو في المعهد العلمي، بعدها حينما جئت إلى الجريدة طلب مني قبل أن أنضم إليها أن أكون كاتبًا، لكنني اعتذرت، وحينما تهيأت فرصٌ أتت لي ولم آت إليها، بدأت أكتب، أعتقد من يجربها سيعلم أنه لا يسعى إليها، بل هي التي تسعى إليه، هذه هي حقيقة، إلا الكاتب الموظف الذي يريد أن يتحدث عن فكرة معينة، وغالبًا ليست في الكتابات الثقافية، سنجدها في الكتابات الاجتماعية، أحيانًا في الكتابات الاقتصادية، ربما في الكتابات السياسية، لكن الكتابة الثقافية هذه كتابة مجردة، يعني لا أحد يستطيع أن يجبر نفسه على أن يكتب عن فكرة معينة، أحيانًا في مجاملات معينة لأشخاص، في مجاملات لكتب، هذه قد تأتي، لكن بالنسبة لي الكتابة لم تكن عملية ميسرة، لم تكن عملية تلقائية، كنت أعاني وأنا أريد أن أكتب حتى بعد أن أمضيت هذه الأعوام، ما زالت عملية المعاناة تأتيني لأنني كنت أُقدِّم الكتابة لتكون باقية، ثابتة، وليس لتكون متغيرة، لذلك كنت أشعر وأنا أكتب بأن هذا الكتاب أو هذا المقال سيكون جزءًا من تأليف معين، ومن هنا كان لها دور، هناك كتب كتبتها مستقلة، أبحاث وغيرها، وهناك كتب جمعتها، لأن الموضوع واحد عندي، يعني ليست مقالاتي المتن، وهنا لن تجد مقالًا اجتماعيًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا وثقافيًّا، كل كتاباتي مسارها ثقافي ومسارها حول مآزق الثقافة، حول تحديات الثقافة، حول إفرازات إنجازات الثقافة بهذا الإطار، ومن ثم هذه هي الفكرة التي ولدت والتي كانت أيضًا سبيلي للنشر، الكتاب الأول كان اسمه “سفر في منفى الشمس”، وكان العنوان الجانبي: قراءات واغتراب الكلمة، فكلها تدور حول الكلمة قراءة واغترابًا واقترابًا.

_ كيف تقومون بصياغة مقالاتكم وتغريداتكم بشكل فعّال؟

في كل مرة أمسك فيها لوحة المفاتيح، طبعًا لم نعد نمسك القلم الآن، أجد أنني أمام عملية جديدة، لا أذكر أنني كتبت مقالًا بيسر، يعني حتى ولو كان مقالًا قصيرًا، بالتالي يكون دائما الكتابة لدي هي إفراز تفكير، إفراز أيضًا قراءات، يعني لا يمكن أن أكتب مقالًا إلا وقد قرأت حتى في الموضوع نفسه الذي أكتب فيه، ومن ثم صياغة الفكرة، صياغة المقالة، حتى التغريدة، لذلك أعتقد أن أحد الأصدقاء عرض أن يجمع مثل هذه التغريدات كأنها كناشة، وفعلًا أعتزمها أو أريدها أن تكون كناشة بمعنى أن من يقرأها سيجد فيها شيئًا، ليست كتابة لتفريغ كلام، أو لإزجاء وقت، أو لمجرد بث تحايا، أو لمجاملات، لا، أنا أكتب فعلًا أفكارًا معينة، يأتي فيها الجانب الإنساني، مثلًا جانب تهنئة شخص بإنجاز أو تعزية شخص، لأنه تميز بشيء معين، هذه تأتي، أو إشارة إلى كتاب وردني إهداء، فيما عدا هذا أجد أنني ملتزم بالكتابة فكرة وفكرة مكثفة، وأعتقد أنها لو جمعت لمثلت كُناشة جيدة، أتمنى أن يتاح لي أن أجمعها في يوم من الأيام، بالتالي تصبح [كناشة إبراهيم التركي].

* نظرة على المؤلفات

_ نرغب في معرفة فكرة كل كتاب وسبب اهتمامكم بها، وهل التشويق في اختيار العناوين يعد جزءًا من استراتيجيتكم في الكتابة أم لا؟

كتبي الآن، الكتب التي ألفتها منفردًا هي 20 كتابًا، الكتاب ال20، الآن على وشك الصدور، وربما لا يُنشر هذا اللقاء إلا وقد صدر الكتاب، الكتب الأخرى بالمشاركة، سواء حينما كنت في معهد الإدارة أو في الجزيرة، أو في سواه، تجاوزت ربما 30 أو 40 كتابًا.

بالنسبة للكتب الخاصة، وهي التي أريد أن أتحدث عنها، هي طبعًا لا شك لكل منها فكرة، حينما جاء مثلًا الكتاب الأول كان عن اغتراب الكلمة، جاء الكتاب الثاني عن غياب النص، الكتاب الثالث جاء عن ثقافة التخلف، الكتاب الرابع جاء أيضًا عن عملية الجيل الذي لم يأتلف، ومع ذلك عاش حياته.

كتاب كي لا يؤرخ أيلول، كنت أريد منه أن ننسى حكاية أيلول، وأيلول المقصود بها سبتمبر والمشكلة التي حدثت فيها، كما تسمى 11 سبتمبر، ، لأن البعد الثقافي في الموضوع كبير.

كتاب سيرة كرسي ثقافي، واضحة جدًا لأنها كانت تحكي عن بعض الأشياء التي مررت بها، وهكذا، هناك كتاب مثلًا عن الإدارة بالإرادة هو مسيرة الشيخ عبد الله النعيم، لأنه بالفعل منهجه الإرادة، حكاية الشيخ عبد الرحمن السعدي رجل ميسر عاش في زمن سبقنا، ومع ذلك لم يظهر من تلاميذه مكفرًا أو مفجرًا، كما قلت، بالتالي يعطي عنوانًا لسماحة الإسلام ويسره ويدفع الاتهامات التي توجه إليه، هناك إمضاء لذاكرة الوفاء، وهذه كانت حكاية عن شخصيات، وأنا الحمد لله أعتقد أنني تحدثت عن شخصيات كثيرة تستحق ربما تجاوزت 200 شخصية، وكلها ولله الحمد حاولت أن أفي، ما دمت على المنبر الثقافي، للأساتذة الذين يستحقون أن تذكر أسماؤهم، وأن يشاد بها، ولم يكن هناك أبدًا أي شبهة مجاملة، بمعنى أنني كنت حريصًا على أن أنتقي الأشخاص وفق ما أراه، ليس معنى هذا أن انتقائي يكون صحيحًا، قد لا يكون، لكن كنت حريصًا على أن أنتقي.

كتاب واجهة ومواجهة، كان للحوارات التي أجريتها مع بعض الفاعلين في الوطن.

الكتاب الأخير وهو “في مكتباتهم”، وهذا مع 44 مثقفًا سجلت رؤيتهم وهكذا، هذا عن الكتب وفكرتها، بالتالي بالنسبة لي لا أنظر لا إلى تسويق ولا إلى مبيعات، بالنسبة للعناوين، بالعكس لامني من أقدرهم أنني لا أكتب العنوان مباشرة بطريقة تخسر قراءً لأنهم لم يستطيعوا قراءتها، يعني مثلًا سفر في منفى الشمس أو كان اسمه الغد أو ما لم يقله الحاوي، ربما هي عناوين غريبة أو عناوين ليست متكررة، لكن أعتقد أنني لو استقبلت من أمري ما استدبرت لوضعت العناوين واضحة أكثر، بمعنى أن أشير إلى المادة دون أن أجعل القارئ يبحث عن ماذا يعني هذا العنوان، بالتالي صحيح العناوين قد تكون متفردة، لكن أنا شخصيًّا لا أشجع مثل هذا الأسلوب، رغم أنني مررت به، وصدرت به مجموعة كبيرة ربما أكثر من نصف الكتب، يعني هناك كتب واضحة، مثل العولمة والتحول، كنت أتمنى أن أكون واضحًا فيها كلها.

_ الصحافة والإعلام وانعكاسهما على الثقافة.. كيف تقيم وضع الصحافة والإعلام في الوقت الحالي وما السلبيات التي تتمنى التغلب عليها؟

تغير الزمن يعني زمن سابق، عشت أنا وعاش كثيرون مثلي، كان الكُتّاب هم الأقلية و القرّاء هم الأكثرية، الآن أصبح الجميع يكتبون، وكل معتد بنفسه، بالتالي لا يلتفت إلى الكتابة الأخرى ولديه برنامجه الذي يستطيع أن يقدمه سواء كان عن طريق الوسائط الرقمية أو  عن طريق الوسائط التقليدية بإمكانه أن ينشئ بودكاست له، عن طريق سناب، عن طريق جميع هذه الوسائط التيك توك، إلى آخره، أنا أعتقد الوسائط الرقمية الآن غيرت المعادلة، بالتالي النظرة إلى الثقافة أو إلى الإعلام بالوضع الحاضر لا بد أن تكون نظرةً مختلفة، الجميع صاروا إعلاميين والجميع صاروا كتابًا والجميع صاروا معروفين مشهورين، بالتالي الآن أصبحت العملية عملية انتقائية.

هل هناك سلبيات؟ أعتقد أن من الصعب جدًّا الإحاطة بمثل هذه السلبيات إلا عن طريق التربية المتزنة السابقة، بالنسبة للشباب، للجيل الطالع أن يعرف ما يستحق أن يتابع وما يستحق أن يقرأ وما يستحق أن يكون به ثقافته، أما السلبيات وسواها حتى لو تحدثنا عن السلبيات، ليس هناك إمكانية، فنحن نعيش الآن في عصر السيل الإعلامي، سيل مندفع تمامًا، بالتالي لا أحد يستطيع أن يوقف هذا السيل.

* الاستنساخ دائمًا لا ينتج ثقافة قوية 

_ هل يجب تدريس الثقافة السعودية والصحافة في المدارس والجامعات؟

أعتقد أن تدريس الثقافة والصحافة السعودية في الجامعات، لا أرى هذا إلا من باب القراءة التاريخية أو حتى القراءة التطبيقية، أما ما عدا هذا فلا أحد يعني الثقافة تسوق نفسها بنفسها، والصحافة تسوق نفسها بنفسها، ولا تستطيع أن تنفخ الروح فيما لا روح فيه، ولا تستطيع أن تعطي إطارًا كبيرًا لصورة صغيرة، أعتقد أن الثقافة بحد ذاتها ستسوق نفسها إذا كانت قادرة، وإذا كانت ممتلئة بالصحة والتكوين الذي يبرر لمن يتابعها أن يراها بهذا الشكل. قد تسوق لمنتج معين، وحينما يراه الآخرون يرونه لا يستحق، بالتالي قد يكون هذا سقوطًا، الجامعات ومناهجها ومدارسها، أعتقد يجب ألا تخضع لمثل هذه العوامل، ربما أقرأ تجربة أخرى خارجية أفضل من أن أقرأ تجربة داخلية، بالتالي أكرر نفسي وأضع وأكون في موقع الاستنساخ، والاستنساخ دائمًا لا ينتج ثقافة قوية، إنما ينتج ثقافة عادية مستنسخة، قابلة للموت وليست قابلة للحياة، أو أن تبعث الحياة في الآخرين.

* اقرأ كأنك تعيش أبدًا، واكتب كأنك تموت غدًا

_ ما النصائح التي تود أن تقدمها للشباب الطموح الذين يرغبون في دخول مجال الكتابة والصحافة الثقافية؟

لست ممن يؤهلون أنفسهم لتقديم النصائح، ولا أرى الواقع تقديم النصائح لأي أحد، حتى من يسألني ماذا أقرأ؟ أقول له اقرأ كل شيء، كيف أكتب؟ اكتب كما تملي عليك موهبتك، لكن راجع نفسك، ربما النقطة الوحيدة التي أنا أتمنى أن نعرفها أن هذه الكلمات التي نكتبها أو التي نذيعها، والتي نقرأها أو التي نقولها هي محسوبة علينا، غدًا سنحاسب عليها، سبق أن قلت، ستحاسب كل نفس بما كسبت، وكل يد بما كتبت، وسبق أن قلت اقرأ، كأنك تعيش أبدًا، واكتب كأنك تموت غدًا، لأن مراقبة الإنسان نفسه ستحميه من عملية الندم الذي قد يصل إليه حينما يرى أنه أخطأ بحق أحد، فضلًا عن أن يكون أخطأ أو جدف بحق الله سبحانه وتعالى، أو بحق الثوابت من الدين، هذه ناحية لا بد أن ينتبه إليها الإنسان قبل أن يخط أول حرف، لأن هذه أمور لن تذهب، أما فيما عدا ذلك فالإنسان يخوض غمار البحر، لا تحتاج إذا كانت لديك الوسائط المساعدة، فأنت تستطيع أن تعبر البحر وحيدًا، ولا عليك من أحد، إذا لم تكن لديك ولا تستطيع أن تسبح، فاترك العوم للآخرين وتفرّج.

_ من خلال تجربتكم العريضة في الصحافة والإعلام والمجال التطوعي، هل ترى أن التخصص أهم أم الموهبة؟

ليس لدي شك أن الموهبة أولًا والموهبة أخيرًا، بالتالي عملية الدراسة قد لا تخلق الجو الكافي، ولا تخلق الموهبة المكتملة، يعني نحن نرى كثيرين درسوا الإدارة، لكنهم لا يستطيعون أن يديروا، درسوا التربية ولا يستطيعون أن يعلِّموا، درسوا الإعلام وليس لديهم المهارة الإعلامية القادرة على التأثير، إذا اجتمعت الموهبة والتخصص لا شك أنها ستكون إضافة كبيرة، لكن الأساس بالنسبة لي هو الموهبة، التخصص يأتي رافدًا، وله دوره في الآخر، يعني دوره في عملية المحاكمة وفي عملية الحكم، في عملية التقويم، في عملية التدريب، لكن الإطار النظري دائمًا ليس هو الإطار القابل إذا لم تسنده الموهبة، فإذا سندته فقد اكتملت الصورة وأصبحت مبهجة.

* كلمة أخيرة

أشكر مجلة فرقد على دورها وحيويتها، أشكرها أيضًا لثقتها وأتمنى لها استمرار التألق، الثقافة بحاجة إلى أكثر من مصدر وأكثر من منبر وأكثر من وسيط، وأعتقد أن فرقد تقوم بهذا الدور.

 

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود