افسحوا لهم الطريق

صالحة علي حكمي*

قال الشاعر أبو مدين ذات مرَّة:

ما لَذَّةُ العَيْشِ إِلَّا صُحْبَةُ الفُقَرا

هُمُ السلاطينُ والسَّاداتُ والأُمَرا

فاصْحَبْهُمُ وتأدَّبْ في مجالسِهِمْ

وخلِّ حظَّكَ مهما خلَّفوكَ ورا

فلخَّص ببيتَيْهِ حقيقةَ الفقِيرِ الغنِيِّ.. الذي أدار ظهرَه لأموال الدنيا، وملأَ قلبه بأنوارِ المعرفة. إنهم أفطنُ من أن يبيعوا عمرهم لشراء أموال، وأن يتركوا متعًا أعظم في مقابلِ بريقٍ يخفتُ كلما كَثُر..

ألم يَقُل المتنبي:

ومَنْ يُنفِقِ السّاعاتِ في جمعِ مالِهِ

مَخافَةَ فَقْرٍ فالذي فَعَلَ الفَقْرُ؟!

وصاحبنا بهذا المعنى ثري لا يخشى فقرًا..

ذاتَ مغربٍ أمسك به صديقٌ، وأقسَمَ ألَّا يتركَه إلا وقد أنشد قصيدة، ولهذا فقط أنشد.. فأطرب، وتمايلَتْ رمال الصحراء، فكأن الليل غشاءٌ لا يحجِبُ، أكاد أقسم أنَّ نِسْمةَ صيفٍ أقبلت ضاحكة، وأن ثمة نخلتين أثمرتا في غير موعدهما.. ما الشعر إلا السحر..نعم. وهذا الرجل – لا شك – ساحر!

فيه من المتنبي نشأته؛ لأبٍ فقير كلاهما وُلِد: لا زوجةَ.. لا منزلَ ثابت.. لا جَوَّالَ وبالطبع لا إنترنت. لا شيء سوى أحلام عظامٍ، وعزّةِ نَفْس تملأُ الصحراء، وإنِ احتواها جلبابٌ أبيض وخُطوات مُتئِدة!

مَدَح المتنبي الأمراء فكَسَوْه، وأبى شاعرُنا أن يمدح إلا نفسَه، وهجا المتنبيُّ أساطين عصرِه فأوجَعَ، وما هجا صاحبُنا إلا مخيِّبةَ الآمالِ التي تركته لا شيء في يده غيرُ دموع الفراق.. وكأي فقير سكت، فرددت الصحراء صَمْتَه، وبين صفا شعره ومروته جرى.. جرى.. فأمر الله بأن تتفجَّر بئرُ الشعر زمزمًا، وأن يجري لسان الفقيري بِذَهَبِ الغناء وسيفِه، وإذا الصحراء التي حوت وحدته تردِّد أهازيجَه، وإذا الوحوش الضارية تستكنُّ، والشمس التي لا تحتجب، تغمرها سحابة باسمة بدفء اللقاء الأول!

وظل ينتظر تصفيق مُحتَفٍ، أو بسمةَ جمهور، غير أن لسان حاله أنشد مع القاضي الأشرف:

ما ضَرَّ جَهْلُ الْجَاهِلِينَ ولا انْتَفَعْتُ أنا بِحِذْقِي

وزيادَتِي في الْحِذْقِ فهيَ زِيَادَةٌ في نَقْصِ رِزْقِي

فيئِسَ عبد الله الفقيري من جدوى ما يقولُ، وهجَرَ الشِّعرَ إلى الحَطَبِ، إذ رأى في الخشب لِينًا لم يَعْهَدْه في قلوب مَن كسروا أوتاد خيمتِهِ، غير أن لله تدبيرًا، وتكونُ – للمفارقة – التكنولوجيا، التي هي موطنُ إعراضِهِ، ومصدر إملالِهِ، هي نفسُها وسيلةُ شهرتِهِ، ومعرفةُ الملايين به.. وتصبح سيرة هذا الرجل القابع في منزله حديثَ أسمارِ المملكةِ كلها.

أنا لَنْ أُجادِلَكَ الوفاءَ فما مَضَى

قد يُستحالُ رُجُوعُهُ بجدالِ

لو أنَّ فيكَ من الوفاءِ بقيةً

لَذَكَرْتَ أيامًا مضَتْ وليالي

ووهبتَني أسمى خصالِكَ مثلما

أنا قد وهبُتُكَ من جميلِ خصالي

كم قُلْتُ إنكَ خيرُ مَنْ عاشرتُهُمْ

وأتيتَ أنتَ مخيِّبَ الآمالِ

قصائدُهُ دارجةٌ وفصيحةٌ، ولسانُهُ عذْبٌ يقطر أوزانًا منضبطةً مطبوعة، وفمه فم أبي تمام إذا أضيفت له رقَّة البحتري وحكمةُ أبي العتاهية، وأحرفُهُ تطيش حينًا لكنها تعود إلى أعتابه لتغفو، يرسلها في كل مكان فتنبتُ، حتى يُخيَّلَ إليكَ وأنت على أبواب قريته، أنك تغوص في بساتين وتشتمّ الرياحين لا في الرمال تطَأُ قدمك ولا أن محترِقَ الأخشاب يسدُّ عين الشمس!

عبد الله الفقيري ليس فقيرًا إلا بقدرِ ما كان الفقر فاضحًا لبلاغةِ البُلَغَاء، ولا يحتطب إلا في النهار؛ فلا يجمعُ من الغاباتِ إلا كُلَّ بِكْر،ٍ ولا ينشدُ إلا بما يوجِّهُهُ إليه لسانُه، وأفكارُهُ (كما قال الجاحظ) مُلقَاة في الطريق، وعلى أغصانِ الشَّجَر، وليس سواه (المحتطِبِ المفوَّه) هو الذي يهز الغصن فيسقُطُ رُطَبُ الإبداعِ الجَنِيُّ.

لا ينطق بغير إذن، ولا يسارِعُ في الحديث، ولا يجمِّل ما يقول، ولا يقف ساعةً قبل القصيدة ليعطيها اهتمامًا. وإنما يُلقيها على عَجَلٍ كأنما هي تهمة يريد أن يتخلَّص منها، يدعُ الناس في غفوتهم وتصفيقهم، ويقوم ليحمِلَ حزمةَ الحطَبِ من جديدٍ، يعلَمُ أن الوقت سينقضي، وأنه عما قريبٍ سيفرغ من هذا الحمل، ليعدَّ القهوة ويلزمُ غُرفَتَه محدثًا عنترة عن زمان أجربَ، والخيَّام عن كأس المنى وكفِّ القدر، والمتنبي عن شوارد القصائد، وهو كل ليلة يجمع فصحاء العرب، فيخطب مع يزيد، ويركب مع امرئ القيس، ويحول بين جرير والفرزدق، ويكفكف دمع أبي فِراسٍ.

ذلك المتواضِعُ المؤمن قد فكَّ طَلْسَمَ الشعر، الذي قال عنه الحطيئة:

فَالشِعرُ صَعبٌ وَطَويلٌ سُلَّمُه

إِذا اِرتَقى فيهِ الَّذي لا يَعلَمُه

زَلَّت بِهِ إِلى الحَضيضِ قَدَمُه

وَالشِعرُ لا يَسطَيعُهُ مَن يَظلِمُه

يُريدُ أَن يُعرِبَهُ فَيُعجِمُه

وأين يفعل ذلك؟! في جازان، موطن الشعراء، وعشّ البلابل، ومستقرِّ الإدهاشِ اللغوي.. يمشي مِشيةَ الواثق، ويصعدُ سُلَّم الشعر إلى ذُروةِ سنامِه، ويعرب أمام المعجمين، أهذا هو الحطيئة يصفق له مبتسمًا، أن عرف الطريق الوعرة وسلكها ناجيًا؟!

أليس في ذلك دليل ساطع على أن الشاعرَ الحقيقي لا تصنَعُهُ المدارس، وأن الموهبة لا تُباع ، وأنَّ الرجوعَ إلى الحياة الهادئة ومفارقة بهارج الدنيا يفتحان أبواب مملكة حقيقية أبوابها ذهبية وترابُها زعفرانُ الأدبِ وسماؤها لا ترعد.

يقول:

اللَّهُ أكْبَرُ.. لا إِلَهَ سِوَاهُ.. سُبحانَهُ وبحمدِهِ وعُلَاهُ

هو خالقُ الكونِ الفسيحِ بما حوى وَهْوَ العليُّ وخلفَه أدناهُ

أما بعدُ؛

فإنَّ ما أطنبتُ في وصفِهِ ليست إطراءً فارغًا، ولا إحياءً لبدعةِ المديح الذي يستحقُّ أن يُقابل بحثوةِ تراب.. إنه اعتراف بشاعر مُجيدٍ قلَّ أن نجد بين الأندية الأدبية مثله، وهو دعوة لأن نهبط من علياء اللقاءات السخيَّة، والجلساتِ المصوَّرة، والمقابلات المتلفزة، وبرودة التهنئات الجوفاء إلى دروب المملكة وطرقها الجانبية وقراها العامرة بدفء الحقيقة، نستطلع أشعار أهلها، ونسأل في ربوع بلادنا عمّن يعيد المجد العربي التليد، ويرفع رايةَ امرئِ القيسِ والمتنبي، فقيرًا كان أو غنيًا، وأن نُفسِح له في مجالسنا قليلًا، وأن نعطيَه الكلمة، لنشرحها، وأن ينشد لنفسِّر.. أن نترك المصطلحات المعقدة إلى متاحف اللغة وقاعات الدرس الأكاديمية، وأن نسمع منهم ونطرب، لعل قلوبنا تنبضُ من جديد؛ فلا يزال الشعر العربي يفاجئنا في مسيرته الحافلة بأنه لا يعبأ بشهادات الإجازة، ولا تراكم الدرجات العلمية، وإنما يأتي طائعًا ولو على لسان “الفقيري”. 

النهضة تأتي من هنا

ويُولد لنا كلَّ يومٍ متنبيّ جديد!

كاتبة سعودية*

br.0001@hotmail.com

One thought on “افسحوا لهم الطريق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *