الرسائل الجامعية

عندما أزمع القراءة في موضوع ما ويتنامى إلى علمي أن هناك من كانت رسالته الجامعية في هذا الموضوع، وأنه قد طبعها في كتاب؛ أسعى للحصول عليه، لاعتقادي أنه سوف يريحني من الركض خلف المراجع والمصادر المتعددة، لأنه غالباً ما يكون اختصاراً لكل ما سبقه من دراسات وبحوث، وأنه لن يخلو من رأي وتعليق على ما سبقه من مؤلفات.

لكنني ما إن أبدأ في مطالعة بعض هذه الرسائل حتى تتلاشى بهجتي وأصدم ببعض ما يقلل استمتاعي بالمطالعة. ومن ذلك أن أجد الباحث قد أثقل رسالته بالنقولات المطولة والمكررة التي يوردها للتدليل على كل مسألة حتى وإن كانت غاية في البداهة. ولا يبدأ مبحثاً إلا بعد أن يمضي في تعريف مفردات عنوانه كلمة كلمة تعريفا لغوياً واصطلاحيا، ولا يستغني بمعجم أو بمعجمين ومصدر أو مصدرين، بل يزدحم المبحث بالنقولات المتشابهة التي ليس بينها إلا اختلاف يسير، لأن طبيعة الكتب – ولا سيما كتب المتقدمين – هي أن اللاحق ينقل عن السابق؛ سواءً أشار إليه أم لم يفعل، وكأن الباحث بهذا الفعل يسعى إلى زيادة عدد المصادر والمراجع التي لجأ إليها.

بل إن كثيرًا من الباحثين من يلجأ لاستشهادات من مراجع الغرب مترجمةً؛ مع أنه ليس فيها ما يستدعي الرجوع إليها لا لشيء إلا لتطعيم قائمة مراجعه بالكتب والدوريات الأجنبية.

وقد أجد هذا الباحث أو ذاك يأتي بالعجيب من الآراء، والنادر من وجهات النظر لأن المنهج العلمي يفرض على الباحث ألا يقف عند حدود النقل؛ بل لا بد أن يكون له رأي واضح، وحبذا أن يكون مغايرًا لآراء من سبقوه.

 لقد أتيحت لي فرصة الحوار مع بعض هؤلاء الباحثين وحين ذكرت لهم غرابة آرائهم صرحوا بأنهم غير مقتنعين بما كتبوا، لكن المشرف على رسائلهم يطالبهم بأن يكون لهم رأي، وأنه يقيِّم عملهم بمقدار ما يكون لهم من آراء. بل هناك من صرح بأنه غير مقتنع بما كتب، لكنه يعرف أن هذا هو رأي أستاذه المشرف وأنه – أي المشرف – يعجبه أن يتبنى تلميذه أفكاره وآراءه.

وإذا كانت الرسالة دراسة لعالمٍ أو أديبٍ راحلٍ أو معاصرٍ وجدت الباحث معنياً بالثناء على المبحوث، محاولاً إبراز ما لديه من جوانب إبداعية أو نظريات لغوية أو تربوية حتى إنه ليتكلف ذلك تكلفا، وكأن من مهمات الباحث أن يظهر حسنات المبحوث وميزاته. وهناك من هو بعكس هذا تماماً يحاول تتبع سقطات المبحوث، وتسفيه آرائه حتى وإن اضطر لافتعال ذلك.

وأرجو ألا يفهم من حديثي هذا أنني ضد التوثيق العلمي في الرسائل الجامعية، وضد قتل الموضوع بحثاح؛ لكن الذي أريد الوصول إليه أن الرسالة الجامعية إذا نوقشت وأعلنت نتيجة المناقشة فإن الرسالة تصبح ملكاً للجامعة وللباحث تحفظ لديهما بوصفها وثيقة علمية. أما إن أراد صاحب الرسالة إخراجها للملأ على شكل كتاب فلا بد من إعادة النظر في رسالته هذه، وإعادة صياغتها لتكون قابلة للقراءة والفهم، وأن يحذف منها كل ما كان الداعي لكتابته نيل رضا المشرف والمناقشين، أو مسايرة منهج الجامعة، وأن يكون الكتاب بصيغته الجديدة معبرًا عن رأي صاحب الكتاب لا صاحب الرسالة.

 

*كاتب سعودي

samghsa11@gmail.com

شارك المقال عبر

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on telegram

يسعدني رأيك

%d مدونون معجبون بهذه: