مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

سارة الانصاري* على هيئة مريض، كعجوز غائرة العينين كإنسان بلا روح، بيدين نحيلتين …

صراع

منذ أسبوعين

31

0

سارة الانصاري*

على هيئة مريض، كعجوز غائرة العينين كإنسان بلا روح، بيدين نحيلتين تغسل وجهها بالدموع، على هيئة إنسان خرج من ثقب الظلام إلى شعاع النور، بالكاد تفتح عينيها، على هذا النحو وجدت جارتي بهية، صديقة عشرين عامًا من شبابي ورفيقة وجعي ومسرتي. كان لكلينا وجع عميق غامض لا يظهر للعالم، كلانا يحمل خلف صدره سره العظيم، لكن ما إن نشعر بمرارته تتصاعد إلى حناجرنا حتى نبحث عن بعضنا لنتقيأ الموت، حيث تشد كل منا بيد الأخرى من أجل البقاء.

إنها معجزة الصداقة، سند في لحظات الشدة وعون في ساعات الحاجة، وأم في أيام الحنين، وعائلة في لحظات الفقد. في ليلة مظلمة، في وقت يحمل كآبة غير معهودة، وأنا في طريقي إلى البيت قابلتها تمشي بثقل شديد، كأن وطنها قد احتل وتسير في الطرقات بلا مأوى، بيدها دمية لا رأس لها متمسكة بها كآخر أمل للأمان. إنها القطعة الوحيدة التي عبرت معه مسافات الوجع وفاجعة الضياع.

أمسكت بيديها كلتا يدي: بهية! أم آدم! هل أنت بخير يا عزيزتي؟
ببطء شديد رفعت رأسها لتتحقق من ملامحي من خلال ثقوب عينيها المدفونتين تحت أجفانها من البكاء، وبصمت مفعم بالحسرة ألقت بنفسها على صدري كشجرة سقطت إثر ضربة فأس، وصاحت: تعبت يا طيف، تعبت يا طيف.
تواترت الأسئلة في ذهني، لم تحملني قدماي وكدنا نسقط أرضًا، لولا أنها حملت عني ثقلها بكل هدوء.
قالت: أنا لست بخير أبدًا، أحتاجك يا طيف، لا تتركيني.
آخر يوم عرفت فيه كيف يمكن أن يكون الإنسان بخير، كان عمري حينها ستة عشر عامًا، واليوم أحاول عبثًا أن أخرج من ظلام روحي ربما أتخلص من ثقل هذا العالم، ربما أجد نفسي التي غادرتني دون مشيئتي. سئمت من الاختباء خلف الأقنعة، الأمومة والشجاعة والسعادة. سئمت من البكاء، تعبت من صمتي الممتد كجبل نحو السماء، أرهقني ضجيج ارتطام روحي كل ليلة بحائط الخوف والخيبة، سئمت من الحقيقة التي تسكنني وثقلت علي روحي، فما عاد قلبي قادرًا على الصمود.

أمسكت بها وسرنا معًا نحو البيت. كان هناك مقعد خشبي في حديقة صغيرة، وضعت عليه جسدها البارد وجلست بجوارها ممسكة بيدها، واضعة رأسها على صدري. يُحيطنا الظلام، دقائق معدودة تعددت فيها الفصول، جبينها يتصبب عرقًا ويديها كقطعة ثلج، جسمها يرتعش وتأخذ نفسها بعمق بالغ الصعوبة كمن يفارق الحياة على مهل. وأنا أخفض رأسي لأختلس النظر إليها، هي الساقطة على صدري كالقدر. وبصوت يغرق في الدموع، وبحروف متقطعة وكلمات مخنوقة وشفتين ترتجفان بملامح تنم عن المهلكة جاء صوتها: سنوات كثيرة وأيام طوال، أحداث وحكايات، مواقف وتفاصيل اقتحمت حياتي. كل ليلة يا طيف يُخلق مني إنسان آخر. على مدار عشرين عامًا التي عشتها معكِ وأنا أمر بذات الوجع.
حاولت تهدئتها قائلة: لا بأس يا بهية، كل إنسان منا يحمل خلف أضلعه ألمًا لا يتشاركه مع أحد. ما من إنسان لا يعيش معاركه فيهزم وحيدًا، وإن انتصر وجد نفسه وحيدًا، وحري به أن يصبر ويواجه الصعاب من أجل نفسه.
اعتدلت بهية بإعياء، حملت جسدها عن صدري وجلست وكأنها استندت على كلماتي، وقالت: ليس إنسانًا من لم يسرح في أحلامه كل ليلة، يسأل نفسه ماذا يُخبئ له الغد. ليس إنسانًا من لم يسع ليعيش بسلام تام، وليس بالأمر البسيط أن يمنح الإنسان نفسه السلام كل مرة. جميع الكائنات تسعى لذلك، في بطون القيعان وسطحها، وعمق البحر، على الشواهق وفي السهول والكثبان والأمواج. السلام هو الحقيقة الوحيدة والسر الأعظم لإمكانية امتداد الكائنات في الأمكنة.
طيف: لأول مرة يا صديقتي أطلب منكِ التحرر، أرجوكِ تكلمي، افرغي ما في صدرك، أرفقي على هذه الروح. في حديثك غموض مؤلم، أرجوكِ تنفسي بعمق هذا الألم، وامنحي نفسك فرصة للخلاص، دائمًا هناك طريق للنجاة، أيضًا أنا هنا بجانبك.

استعادت بهية قليلًا من قوتها بجهد شديد، نظرت إلى موطأ قدميها وقالت: سُلبت مني روحي وانتزعت مني الإنسانية منذ أن كان عمري ستة عشر عامًا، حين سرقت جدتي قلبًا من صدر امرأة لا ذنب لها لتقدمه لي كقالب حلوى فاخرة. وجهه صغير مستدير كالقمر المكتمل، ناعم كالحرير، أصابعه الصغيرة المتقاربة تشبه حبات اللوز المغلفة بالشوكولاتة البيضاء، أنفاسه الهادئة والعذبة كانت كنفحات الفانيليا، تبعث في القلوب سكينة وحلاوة لا تُوصف. كان الطفل يبدو كقطعة سكرية تفيض براءة وجمالًا، وتملأ المكان بعبق الحب، قدمته لي دون أن تترك لي خيارًا للقبول او الرفض سلب قلبي دون خيار آخر.
– ماذا؟ هل قتلت جدتكِ أحدًا؟
– لقد سرقت جدتي طفلًا عمره لحظة من وصوله على متن هذه الحياة، انتشلته من رحم السلام قبل أن يعيش لحظة في حضن أمه وجلبته لي بدم بارد، فقط لأنني لم أنجب طفلًا بعد مرور عام واحد من زواجي.
– آدم ليس ولدي يا طيف، ولو كان يعرف أنه سيفقد حياته الحقيقية لفضّل أن يُقتل هو أيضًا، لم تترك له جدتي خيارًا آخر. قتلتني حين قتلت إنسانيتي، فلم يعد لي حاجة للغد والسلام والطمأنينة، وما حاجتي بجسد لا روح فيه؟
قتلتني دون أن تُزهق روحي من أجل أن تمنحني السلام. كنت طفلة صغيرة مات والدها وهي في الثامنة، وأُرغمت على الزواج بابن عمي، في حين فارقت أمي الحياة في وقت مبكر تاركة خلفها فتاة بلا سند. مرت الأيام ثم أصبحت أرملة عمرها ستة عشر عامًا، فأشفقت عليّ جدتي لأمي وأذاعت خبر حملي الكاذب في اليوم الأول من وفاة زوجي، واتفقت مع ممرضة في هذا الحي الذي كانت تسكنه من حينها انتقلت للعيش معها. فارقت جدتي الحياة إثر مصارعتها لأمراض عجز الأطباء عن تشخيصها.
في تلك اللحظة تسربت إلى أطرافي قشعريرة، بدأت نبضات قلبي تتسارع، همست بصعوبة بالغة بصوت خافت جدًا أحاول النطق، شعرت بأن بلعومي يبتلع الكلمات. وضعت يدي على رأسي وجحظت عيناي. ارتعشت أطراف بهية (أم آدم) وتعرق جبينها واضطربت نظراتها، وأصبحت تلتف حول نفسها، صاحت: طيف، ماذا بكِ؟ وكلما علا صوتها تلبسني ذهول مرعب، استمر سريان القشعريرة في جسدي.
خوف يصحبه دوار وبجسم يكاد أن يسقط على وجهه، برقبة تدور حول نفسها وربما كحبل يحمل رأسًا، كثقل صخرة.. لا أعلم!
– طيف: هل كان في جبين جدتك المزدحم بالتجاعيد وشم يبدأ من بين عينيها صعودًا إلى جبينها كشجرة؟
– بهية: نعم، أيضًا في سبابة يدها اليمنى.
– طيف، مقاطعة بهية: أشكال مبهمة مثل المثلثات؟
– بهية: نعم، وهل سبق وأخبرتكِ عنها؟
– طيف: إنها المرأة التي انتزعت قلبي من صدري بلا رحمة، رأيت تلك العينين واليدين وهي هاربة بنصف روحي تاركة نصفها الآخر عالقًا في الفضاء عشرين عامًا من الاحتضار. كنت في سفر مع زوجي عندما جاءني المخاض في شهري السابع. مررت من هنا عابرة وبقيت محتجزة، كل ليلة أفتح تابوتي أخرج رأسي بحذر انظر للسماء وأتنفس الهواء الذي يتنفسه الطفل الذي تم انتزاعه مني، ولم أحظَ سوى بصوت بكائه.
سقطت طيف مغشيًا عليها، عبثًا تحاول أن تلتقط أنفاسها.
– بهية: لا تذهبي يا طيف، انتظري، لا تتركيني لظلام أكبر من ظلمات نفسي. مر الوقت أسرع مما تصورت أم آدم، ما كان ينبغي أن أحفظ هذا السر عنك عشرين عامًا.
بهية: إنها الشخص الوحيد الذي ضمني إلى صدره بكل قوة، وكانت تنقذني في كل مرة أكون غارقًة في الألم، في اللحظة التي ساقها القدر لتربت على كتف الضياع وتمسح الحزن الملتصق بثوب ذاكرتي، وتقبض على أوجاعي بقوة لتمنحني السلام، قُبضت روحها ورحلت أم آدم الحقيقية.
وها أنا الآن أمامكم، أقف يوم تأبين صديقتي الغالية الكاتبة الأديبة بعجز قصي، صفرًا كالعدم، لا تراني ولا تسمع ندمي. ألتقط أنفاسي ببطء وعمق شديد، أفتح عيني خلسة، رويدًا رويدًا أرى أطياف طيف بين يدي ملفوفة في قطعة بيضاء تنام بقنوط. بينما يجلس أمامي آدم متجاسرًا يقاوم الضياع، متأرجحًا بين الكسر والجبر، يتمنى صفعة أقوى من هذه ليفيق من كابوس ذريع، مخيف مثل هذا.
آدم: في الواقع، لا شيء يحدث عبثًا دون طائل، كل الأمور التي تمر بنا تترك خلفها ندوبًا نحملها من عهد إلى آخر، وعزائي الوحيد أنها كانت أمي الروحية.

* كاتبة من السعودية 

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود