مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

محمد المحسن* هو ذا الشاعر التونسي الكبير د. طاهر مشي.. عيناه ترصدان الإبداع المت …

نصوص إبداعية عابرة للحدود

منذ أسبوعين

45

0

محمد المحسن*

هو ذا الشاعر التونسي الكبير د. طاهر مشي.. عيناه ترصدان الإبداع المتمثّل في سنابل شعرية.. تنحني للقطاف.

هي سيرة حياة مذهلة، أعتبرها أطول قصيدة كتبها، جبلها من ترابه ورصعها بفسيفساء أتقن اسرارها ورسم بألوانها.

بدا لنا كمتذوق يلتهم الزمن ويتأنى في تذوقه، ينافس نفسه بصدق وعناد، ويأبى أن يقلب حياته على جمر حارق.

أحب الحياة كعاشقٍ أبدي مهما جانب توقعاته، وانتصر دومًا على ضعفها وراودها عن تأذيته، وواجهها بملامح ونظرات جُبلت على التحدي والصبر والذكاء.

الحياة عنده قطار طويلة سكته، بها محطات للذة الارتحال.. والكتابة عنده رحلة لا يرجو منها وصولًا ولا راحة… هي نسق حياة، سبحة لا نهائية.. ومحطات وظلال تكمل بهجة الاستكشاف، يعاند الصعاب ليراهن على الكلمة ووحيها، يصطفيها كميثاق خلاص، يرميها كنردٍ تأكد من ربحه أو يناوشها كأفعى في جحرها.

إن التكامل الجمالي -في قصائد هذا الشاعر المتألق -تونسيًّا وعربيًّا- يكمن في روح البناء الكلية، من حيث الشفافية والعمق والتماسك الجمالي بين الأنساق، فثمة قيمة جمالية في الاندماج والتلاحم بين الأنساق الوصفية والمضافة، ما يرتد على إيقاع القصيد بشكل عام، لاسيما في العلاقات الجدلية التي تعطي جمالياتها الشكل النسقي التضافري الذي تشكله القصيدة.

إن خصوصية التجربة الشعرية والقصصية لدى د. طاهر مشي، تمتاز باكتنازها بالرؤى والدلالات المراوغة التي تباغت القارئ في مسارها النصي، وهذا يعني أن الحياكة الجمالية في قصائد وقصص د. طاهر حياكة فنية يطغى عليها الفكر التأملي والإحساس الوجودي، وكشف الواقع بمؤثراته جميعها..

إن الحياكة الجمالية في قصائد وقصص د. طاهر مشي ترتكز على المخيلة الإبداعية، ومستوى استثارتها، الأمر الذي يؤدي إلى تكثيف الرؤى، وتحقيق متغيرها الجمالي.

ذهب في قصائده إلى أقصى العذاب كما إلى أقاصي العشق، متقنًا شهوة الاسترسال وبراعة الومض.. يكتب ويكتب كأن الكلمات تتوالد وتنساب بسعادة إلى القارئ من أصابعه المتعرشة على قلم لا ينضب حبره.

لا يحاول الشاعر التونسي القدير أن يسترضي قارئه أو يستميله او يمجّد إبداعاته العذبة.

هو يصافح البؤس البشري، ويروي -أحيانًا- سقوط الإنسان في هاويته، ويفتح بجرأةٍ ستارة تفضح ما نود أن نخفي لإراحة ضمائرنا.

يكتب الحياة مشددًا على وجهها المُعتم؛ كي يحتفي ببهائها المتعالي على التراب المُعّفر.

مثل ساحر متمكّن يقود القارئ في كل قصيدة من قصائده، أو في كل قصة من قصصه اللذيذة، يقوده سيرًا حينًا وركضًا في كثير من الأحيان. نتابع الكلمات والأحداث بلهفة الفضول والحيرة ونلتهم الكلمات التهامًا، ومن ثم لا نملك فرصة للهرب من فتنة سرده، منذ أول جملة في القصيدة أو القصة، حتى آخر نقطة في آخر صفحة.

لا نستطيع أن نهرب من فتنة حكاياته المتداخلة، حيث تتحول اللغة إلى مجرد أداة، وتصبح مثل إزميل النحات أو فرشاة الرسام، ولا تكون في أحايين كثيرة محور القصيدة أو القصة، مثلما تعودنا من بعض الكتاب العرب الذين يهتمون باللغة وزركشتها على حساب الحكاية وأحداث البنية القصصية أو الشعرية.

سواء في القصيدة أو القصة القصيرة، تكشف لنا أعمال الشاعر والقاص التونسي د. طاهر حياكة تشي عن مدى قدرته على الانتفاع من معارفه الأدبية والثقافية والفكرية، دون أن يسقط في نرجسية «ذات الكاتب»، التي تقول: «أنا موجود بالقوة». إنما يستثمر كل ذخائره مراعيًا حدود الجنس الأدبي، ومحافظًا على الحس الجمالي والأثر الفني للعمل الأدبي.

ختامًا أقول:

الشاعر التونسي السامق د. طاهر، إنما هو شاعر يكتب بحبر الروح ودم القصيدة، تخضع المفردات لأحاسيسه الجيّاشة، فتنتظم أجمل القصائد وأكثرها شاعريّة، معجم مفردات ثريّ قائم بذاته، تتناثر الكلمات منه كورود شاردة من حطام الحياة، تلامس عباراته شغاف القلب فنرقص على إيقاعها رقصة زوربا اليوناني.

كلّ لحظة يعيشها، نعيشها معه في قصيدة تخترق وجداننا وتلامس أرواحنا.

تحبس مشاعره الكون، فتتحرّر قصائده محمّلة بأسرار الأرض ومكنونات السّماء، ولعلّ الوضع السّياسيّ وما تمرّ به بلادنا العربيّة، جعل -أحيانًا- من اليأس تربة خصبة، ليزرع فيها قصائده الحزينة كناي مكسور، لتنمو في الرّوح كقسوة السيف.

خير مدافع عن اللغة العربيّة الّتي يعتبرها الهويّة والأصل والجذور، كتب القصيدة الخليليّة، واستهوته قصيدة التفعيلة والنثر.

سار على درب الإبداع بخطى ثابتة.. مثل خطى الأنهار في حقولٍ تجري فيها وتكسوها ثياب الاخضرار.

شعره يصدق وصفه بأنه حقولٌ تترامى فيها السنابل الذهبية المتمثلة بحبَّاتها الدانية إلى روّاد قطافها القادرين على النفاذ إلى الجوهر الشعري، كأنّها السحر الحلال، أبدعها الخيال الخلاق. أنت حر كالسحاب.. يا الطاهر.

مبارك عطاؤك المتميز.. وإلى المزيد منه. وأدعو الملحنين إلى تلحين نماذج من أشعارك، كي يتغنى بها القادمون.. في موكب الآتي الجليل.

* كاتب صحفي وناقد تونسي

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود