كتاب وقارىء (حصاد الملح والريح)_للسيد الجزايرلي

 

 

 

(حصاد الملح والريح ) للسيد الجزايرلي

الملحمة الشعرية الذاتية  

  

حمد حميد الرشيدي

 

(حصاد الملح والريح) هو آخر اصدارات الشاعر المصري الصديق والزميل /السيد الجزايرلي، الصادر عن (مركز المحروسة) بالقاهرة عام2018م.

   ويعد هذا الديوان من حيث الترتيب هو الديوان الرابع  للشاعر, وقد سبقه صدور ثلاثة دواوين له، هي على التوالي من الأقدم للأحدث:

  • سيرة العطش, الصادر عام 2011م.
  • أبجدية الوجع , الصادر عام 2014م.
  • مسك الغياب, الصادر عام 2015م.

ويلاحظ القارئ هنا توافق بين العنوان الفرعي لديوان حصاد الملح والريح(التجربة الكاملة لأبجدية الوجع) الذي هو محور حديثنا في هذه الدراسة وبين مسمى الديوان الثاني للشاعر(أبجدية الوجع) الصادر عام 2014م أي قبل صدور ديوانه الأخير بحوالي أربع سنوات.

   فهل هذا يعني وجود علاقة معينة بين الديوانين؟ وان كانت هناك علاقة فعلا، فما طبيعتها؟ أو ما علاقة كل من الديوانين بالآخر على وجه التحديد؟

    والحقيقة أنه لا يمكنني معرفة هذه العلاقة، لأنه لم يسبق لي أن اطلعت على ديوان (أبجدية الوجع)  لسوء الحظ، حتى استوضح هذه العلاقة بين الديوانين، ومن ثم أوضحها للقارئ الكريم، وقد كان نصيبي من قراءة شعر الجزايرلي منحصرا فقط في ديوانه الأول ” سيرة العطش” الذي اطلعت عليه قبل سنوات من صدوره، بالإضافة إلى ديوانه الأخير الموجود بين أيدينا الآن.

   لكن على أي حال يبقى “حصاد الملح والريح” هو (السيرة الشعرية الملحمية الكاملة) لشاعر عربي مصري، ارتبطت حياته بالأرض، هوية ولغة وتاريخا!

  وفي عبارة “الاهداء” التي تصدرت صفحات الديوان ما يعطينا مؤشرا واضحا على أن السيد الجزايرلي جعل من الانسان العربي وأرضه وهويته عبر مسار التاريخ  قضيته الأولى، وهاجسه الأوحد، وهو الأمر الذي يتمحور حوله شعره في ديوانه هذا، اذ يقول:

” الى العربي، ذلك الذي لم يعد قادرًا على حمل حصته الاجبارية من حصاد الملح والريح”.

   هذا فيما يخص المضمون، أما فيما يخص الشكل واللغة والأسلوب فقد كانت ذات طابع ملحمي ونفس شعري طويل، حيث قام الشاعر بتقسيم مادة الديوان الى ( أبجديات) أي حروف، كل حرف منها يندرج تحته جملة من المقطوعات الشعرية، شبه المستقلة عن بعضها، بعدد حروف المعجم، بحيث يمكن لكل مقطوعة منها أن تستقل عن سابقتها ولاحقتها، غير أنها كلها في نهاية الأمر تصب في بوتقة شعرية واحدة مشكلة ما يمكن أن نطلق عليه مسمى ( ديوان القصيدة الواحدة) أي أن الديوان كله عبارة عن قصيدة واحدة مطولة، مما جعل الديوان يأخذ شكل الملاحم الشعرية في شكله ولغته المسهبة في تفاصيلها.

  وهذه الملحمة هي (ملحمة ذاتية) تمثل السيرة الشخصية للشاعر نفسه، ونظرته للناس والحياة من حوله، بطلها الإنسان العربي (المتمثل في شخص الشاعر ذاته) ومسرحها أرضه، وأحداثها تاريخه، ولسانها لغته. وهي ليست (ملحمة شعبية ) أو أسطورية  على غرار تلك الملاحم القائمة على استلهام أفكارها من موروثات الشعوب وبطولاتها وأمجادها السابقة وتاريخها القديم، وحكاياتها وأساطيرها، بحيث تتبنى الملحمة هنا (صوت الجماعة) أو (الضمير الجمعي العام) وليس (الصوت الذاتي الشخصي).

   وهناك مؤشر – من حيث الشكل – يؤيد تسميتي لهذا النوع من الشعر بـ (الشعر الملحمي الذاتي ) لاتفاقه في مظهره العام مع شعر الملاحم، ألا وهو التزام الشاعر طوال امتداد صفحات ديوانه الذي يقارب 180 صفحة ببحر شعري واحد، لا يخالطه غيره من بحور الشعر العربي الأخرى المعروفة، ألا وهو بحر (الكامل) وتفعيلاته المعروفة في (القصيدة العربية التفعيلية) وهو الوجه المقابل تماما لملحمية القصيدة العربية (العمودية، أو ذات الشطرين)في شكلها الكلاسيكي المعروف، والتي يرى كثير من الشعراء العرب ممن عرفوا بكتابتها قديما وحديثا ضرورة التزامهم حين يكتبون ملاحمهم الشعرية الطويلة ببحر واحد، وقافية واحدة  أو روي موحد أيضا.

   وقد كان شاعر الديوان موفقا حين اختار هذا البحر لسرد (ملحمته الشخصية الفردية) أو لنقل سرد (ملحمته الشعرية الذاتية)  وذلك لما لبحر (الكامل) من ايقاع متواتر عال، ونبرة موسيقية حادة، تحاكي صخب الحياة الحديثة وضجيج حركة عجلتها. فهو يقول: في ” فاء الفخار”:

من سيرة الصلصال

تخرج في المساء هويتي

تتعلم الأسماء حرفا

تلو حرف

تستوي بعد الرفات سلالة

للكائن المخلوق من طين

السؤال

فلمن تبيع الريح أحلام الرمال؟

  ومن الواضح هنا في هذا المقطع أن الشاعر يتحدث عن طبيعة خلقه أساسا من طين، وهو ما يؤكد – بلا شك- علاقته الأزلية بالأرض وكيف أن الله – سبحانه وتعالى – علمه ما لم يكن يعلمه (… حرفا تلو حرف) موحيا بقصة خلق سيدنا آدم – عليه السلام- كما ورد ذكرها في القرآن الكريم (… وعلم آدم الأسماء كلها).

 كما يقول أيضا في (كاف التكوين):

للتين والزيتون

سر الكاف في التكوين

سر الحزن في موالنا العربي

سر الناي في أرض المواجع

والرسل.

    ويظهر لنا الشاعر هنا في هذا المقطع  وكأنه يتحدث عن واقعه الحالي – بعد أن تحدث لنا في المقطع السابق عن بداية خلقه وتاريخه القديم كانسان على الأرض بمعناها الواسع- كمواطن عربي لا زالت الأرض – بمعناها الجغرافي وامتدادها التاريخي – وستبقى جزءا لا يتجزأ من كينونته وهويته رغم ما يشعر به من آلام الحياة، ومواجعها ومتاعبها، مهما كانت الأحوال والظروف على مر السنين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *