قراءة في رواية (وجهُ الله)

سعد عبدالله الغريبي*

صدرت رواية (وجه الله) للأحوازي (مصطفى مستور) باللغة الفارسية عام 2001 فكانت الرواية الأفضل، وطبعت أربعا وثلاثين طبعة على مدى عشر السنوات التالية. ثم ترجمها للعربية غسان حمدان وصدرت سنة 2014.

بطل الرواية (يونس) يُعِدُّ رسالة الدكتوراه في علم الاجتماع عن أسباب انتحار أستاذ الفيزياء الجامعي الدكتور (محسن بارسا) قبل سنتين. الجامعة تستعجله لإنهاء الرسالة، ووالد خطيبته يعلق زواجهما بحصوله على الدكتوراه.

 كان (مهرداد) زميلا ليونس؛ يدرسان الفلسفة معا في جامعة طهران. تعرف على فتاة أمريكية (جوليا) عن طريق المراسلة، فسافر إليها.. تزوجا ورزقا بطفلة هي الآن في الرابعة، ويُحضِّر حاليا الماجستير في علم الفلك. عاد بعد تسع سنوات من الغربة ليأخذ أمه وتعيش معه لترعى ابنته التي تعاني والدتها من السرطان، وتنتظر الرحيل كل يوم.

كلما ازدادت آلام جوليا ازدادت تساؤلاتها القلقة: لماذا جاءت إلى الكون؟ أللمرض والعذاب ثم الموت؟ أمن الإنصاف أن يواجه الإنسان صعوبات لا يقدر عليها؟

بعد أن عاد لشقته ارتفعت درجة حرارته، وتذكر أمه المريضة منذ سنوات، وأخته التي ترعاها.. وأخذ يفكر في تساؤلات جوليا.. حدَّث نفسه: لو لم يكن الله موجودا لماذا نحن موجودون؟ وإذا كان موجودا فلمَ هذا العذاب؟ ولمَ يتفشى الظلم والمرض والفقر في العالم؟!

خطيبة يونس (ساية) تعد أطروحتها في الشريعة عن (كلام الله لموسى عليه السلام). اتصلت به لتسأله: ما معنى أن يطلب الله من موسى خلع نعليه؟ أهي إشارة إلى الوصول؟ أجابها: ربما. لا تريد ربما. تريد تأييدا لرأيها.

استيقظ في العاشرة صباحا على زيارة (ساية) له. معها كتاب صغير عن موسى الكليم. تقرأ من الكتاب ويعلق بأنها أساطير. تغضب وتتهمه في عقله. ويرد عليها: إنه في أحسن حالاته اليوم..

عاد لشقته فوجد رسالة من أخته تقول إن أمها ازداد مرضها وفي حاجة لدواء لم تجده عندها. خرج ليبحث عن الدواء فلم يجده إلا في السوق السوداء يباع كالمخدرات.

اتصل به صديقه علي رضا يطلب منه إعارته سيارته لينقل صديقه المريض للمستشفى, فذهب بنفسه ليحملا المريض الذي توفي قبل وصولهم المستشفى، ليقفز السؤال على لسانه: لماذا هذه الأمراض؟

واصل يونس بحثه عن كل ماله صلة بموضوع رسالته. زار المحكمة والتقى بقاضي التحقيق في القضية، واطلع على ملف بارسا في الأرشيف. اكتشف أنه رمى نفسه من نافذة مكتب مبيعات مبيدات حشرية بالطابق الثامن من بناية (نكين آبي)، وأنه لم يكن بفعل فاعل.

ذهب مع صديقه مهرداد لبيت (بارسا) فاستقبلتهما والدته وأخبرتهما أنه قبل شهرين فقط تغيرت عاداته، فلم يعد يستيقظ مبكرا ولا يمارس رياضته واعتزل في مكتبه. زار طبيبا نفسيا مرة وطمأنه أنه بخير. وسألها مهردار إن كان قد وقع في حب؟ قالت: لا. وجد يونس دفتر مذكراته فاستعاره منها. وطلب منها السماح بنسخ ملفات الدكتور من حاسبه الآلي.

تسعة عشر طالبا وطالبة حضروا المحاضرة الأخيرة للأستاذ (بارسا) قبل انتحاره. التقى بهم جميعا ليسألهم إن كان قد صرح بشيء عن نيته في الانتحار ودوافعه، ماعدا (شهرة بنيادي) التي انتقلت إلى أصفهان و(مهتاب كرانة) التي اعتذرت عن الدراسة هذا العام.. سافر لأصفهان والتقى (بنيادي). لم ترحب به ولا بالحديث عن الدكتور سابا لكنها أخيرا تحدثت. أخبرته عن غرام الدكتور بـ (مهتاب) وعن غرابة حبهما.. كان يحب سماع صوتها ولو شَتْمًا. يحب التحديق في عينيها. امتزج وجوده كليا بروحها وفاض حبه لدرجة أنه لا يريد الزواج منها!. وبعد الحادث مرضت مرضا شديدا وتركت الدراسة.

ذهب لزيارة مهتاب في شقتها. فوجئ أنها تسكن العمارة المقابلة للشرفة التي ألقى الدكتور نفسه منها، فعرف سبب انتحاره وأيقن أن رسالته لا تمت لعلم الاجتماع بصلة!.

انقطعت خطيبته عنه فزارها في بيتها.. وجدها تصلي فانتظرها، أخبرته أنها اتصلت بعلي وأنه طمأنها بأن ما يمر به خطيبها شيء طبعي، مجرد رحلة شك سيعود منها.

قال: وإذا توقفتُ عند هذه المحطة؟

قالت: لا يمكن. لا أحد ينكر وجود الله.

شكا إليها تلكؤ والدها في زواجهما.

قالت إن قدرة الله أكبر من قدرة أبي وأمي. كنت أحلم بالسعادة معك لكن الحب يختلف عن السعادة.. فإما أن أنسى الله من أجلك، وإما أن أضحي بحبك لله، وقد اخترت الطريق الثاني!.

خرج من عندها إلى الحديقة. جلس على أحد الكراسي يفكر.. يتمنى أن لديه إيمان ساية ويقين علي.. يحسد الحارس والكناس والفاكهي على إيمانهم.. يحسد سائق التاكسي الذي تصدق بدخله اليومي على امرأة فقيرة لوجه الله!  

امتد بصره لأطفال يلعبون بطائرات ورقية.. ارتفعت طائرة أحدهم فصرخ مبتهجا:

– وصلت طائرتي إلى السماء.. وصلت إلى الله!

كاتب سعودي*

samghsa11@gmail.com

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *