مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

تغطية_ عبدالعزيز قاسم* أمضينا بالأمس فترةَ ما بعد الظهيرة بمدينة “المندق&# …

سياحة في جنوبنا الغالي.. بلادُ “زهران”..وحديثٌ عن بطلها “بخروش بن علّاس”

منذ سنتين

4463

0

تغطية_ عبدالعزيز قاسم*

أمضينا بالأمس فترةَ ما بعد الظهيرة بمدينة “المندق” في “بلاد زهران”، حيث اخترنا حديقةً رائعةً تُشرف على مطلٍّ جميلٍ، اسمها حديقة “المبرد”، ولها من اسمها نصيب، إذا نسمات الهواء الباردة تصافح وجهك بشكل لذيذ..
.
استروحنا فيها، وقام الصديق د. عبدالله المطرفي بإعداد القهوة والشاي.. ويا لروعة الجلسة!
.
مدينة المندق تتبع بلاد زهران، وقبيلة زهران التي تستوطنُ هذه المنطقة من بلادنا الغالية؛ نُسبت إلى الجدِّ زهران بن كعب بن الحارث بن كعب من أزد شنؤة.
.
ويقينًا أن الأغلبية منا إلا ويعرف أخًا زهرانيًّا كريمًا، فقد انتشروا في كل المملكة، ويتميزُ معظمهم بالشهامة والفزعة وطيبة الجوار ونقاء القلب، وحتى اسمهم زهران، عندما تعود إلى اللغة؛ فالكلمة تعني الوضوح والسطوع وهي صفةٌ للبياض، يقال: أزهر الشجر، إذا نوَّرَ وظهر زهره، والأزهرُ هو الحسن الأبيض من الرجال، ومعظمهم -لعمرو الله- كذلك.
.
شخصيًا أحاط بمجموعة كبيرة من إخوتي الزهارين الذين أفتخر بصداقاتهم وإخوتهم، بل إن شقيقي الأصغر متزوجٌ من عائلة كريمة منهم.
.
2) الصورة في “المندق” الجميلة.. والحقيقة أننا طيلة مسيرنا من الطائف وعبر الطريق السياحي؛ لمسنا تناثرَ الحدائقِ الجميلة في كل محافظة، وتباري بلدياتهم في نظافتها، والاهتمام بمرافقها من دوراتِ مياهٍ أو مصليات.
.
محافظة “المندق”؛ هي محافظةٌ تتبع منطقة “الباحة”، وعاصمتها الإدارية هي مدينة “المندق” التي نحن فيها، والتي تقعُ على مرتفعات جبال السروات التي تطلُّ على “تهامة”، وترتفع عن سطح البحر بحوالي 2243م، وتبعد عن مدينة “الباحة” بحوالي 40 كم، وتقدر مساحة “المندق” بحوالي 650 كم، ويتبعها أكثر من 100 قرية.
.
نَعُمنا بظهيرةٍ رائعةٍ هناك في الحديقة، حيث وجدنا كشكًا فارغًا ما لبثنا أن بسطنا فرشتنا هناك، وارتشفت الرفقة القهوة السعودية التي أعدَّها صديقنا د. المطرفي، وكذلك قهوة “القشر” التي أعدَّها الصديق عبدالرحمن الزهراني الذي يدمنها.. بينما أخوكم أبو أسامة لا يستطعمُ إلا الشاي الأحمر بالنعناع في هذا الوقت، ومع المكسرات التي أتينا بهاٌ قضينا وقتًا رائعًا في أحاديث متنوعة، ولا بدَّ من ذكر التعدد والزواج الثاني في مجالسنا نحن المتقاعدين، فهو أروع مادة للحديث الذي لا ينتهي، والذي نبث فيه أمنياتٍ وأحلامًا فقط، تنتهي بانتهاء ذلك المجلس، ونعود كالخراف ساكنين لبيوتنا.
.

3) لا أباشرُ أيَّة رحلة مع الرفقة، إلا وأخطِّطُ مسارها، والأماكنَ التي سنغشاها، فكان من مخططنا زيارة قلعةٍ لفارسٍ شهير، وقائدٍ اتَّسم بالشجاعة والحكمة في آنٍ، وكان من قادة الدولة السعودية الأولى المخلصين لها، وأتحدثُ هنا عن قائد بلاد زهران العظيمة، ومن حَفرَ اسمه وتأريخه بأحرفٍ من ذهب: “بخروش بن علَّاس القرشي الزهراني”.
.
حسنًا فعلت وزارة السياحة أن قامت بترميم هذه القلعة التاريخية، التي تحصَّن فيها سيِّدُ بلاد زهران أمام جحافل الترك الذين حاصروه، وقبل أن أبدأ بالحديث عن جولتنا في القلعة، أودُّ أن أعطيكم مكانة هذا الفارس، الذي وُلد في قرية “العُدَيّة”، بالقرب من مدينة الأطاولة، حاضرة بلاد زهران، وفي عام 1170هـ (تقريباً) الموافق 1756م.
.
قرأتُ مقالاتٍ عديدةٍ عن بطلنا، ولكن ما كتبه الباحث محمد بن زياد الزهراني في “المجلة العربية” ربما كانت من أفضل تلك الكتابات، حيث أورد ما قاله بعض الباحثين عنه، مثل المؤرخ الإيطالي (جيوفاني فيناتي) الذي رافق الحملة التركية على الجزيرة العربية، فقال عن بخروش: (لم يشهد العرب أشجع من بخروش في زمانه).
.
أما المستشرق جون لويس بوركهارت الذي رافق هو الآخر الحملة التركية على الجزيرة العربية فقد قال في كتابه «البدو والوهابية»: (بخروش واحد من أكثر الزعماء الوهابيين حكمة).
.
4) عندما أتينا القلعة أصيلَ يوم الأحد الموافق 21 يوليو 2024، إذا بنا على قمةِ جبلٍ مرتفعٍ قليلا عن الخط العام، وبمجرَّد دخولنا هبَّت علينا نسمةُ الماضي، والذي أومضَ بنا لنستغرق بالكلية في دقائقه، وانقطعنا عن كل شيء إلا غرف تلك القلعة، التي بنيت قبل 270 عاما تقريبًا، فإذا بنا نجول في غرفات تلك القلعة المظلمة، ودهشنا من تصميمها الحربي، فالقلعة على قمة جبلٍ وتحيط بها منحدرات حادة من ثلاث جهات، لتكون قلعة مراقبة من الجهة الرابعة. يربط ما بين قلاعها الخمس مبانٍ حجرية محكمة، تساعد على قوة الدفاع والتصدي لقذائف الترك العثمانيين.
.
تُقدَّرُ مساحة القلعة بحوالي 2000 متر مربع، و في كل حصنٍ حوالي 70 فتحة مخصصة للرماة، مصممةٌ بطريقةٍ هندسيةٍ توفر الحماية للرماة، مع كشفٍ كاملٍ للمنطقة المحيطة، بينما يتوسط القلعة حصنٌ مربع الشكل، يتكون من خمسة طوابق، انهدم طابقان منها وبقي ثلاثة طوابق. كما يوجد داخل القلعة بركة دائرية الشكل يبلغ قطرها حوالي 4 أمتار وبعمق يصل إلى 6 أمتار وقد استخدم لتخزين الماء داخل القلعة.
.
5) كان من ضمن فريق رحلتنا الأستاذ الخلوق عبدالرحمن الزهراني، والذي كان أكثرنا تأثرًا وفخرًا، فقام يحكي عن قائد قبيلته الشهير هذا بكل حماسة، وهو من يتقدمنا في تلكم الغرف والسراديب، وكم تمنيت على وزارة السياحة أن تضع لافتات تعريفية بكل الغرف والمداخل، تساعد الزوار مثلنا على معرفة أجزاء القلعة.
.
وعودًا لسيرة بطلنا الزهراني، فعندما غزا الأتراك بلاد زهران، قادمين من الطائف في غزوتهم الأولى قبل عام 1230هـ، قرَّر بخروش مقاومتهم، فجمع علية القوم، وشاورهم في الأمر، ولمَّا وجد الدعم والمساندة؛ شكَّل جيشًا شعبيًا من قومه قريش زهران ومن عاونهم من زهران والقبائل الأخرى، ومنهم إخوتهم غامد، وزودهم بما توافر من سلاح، واعتمد في حربه على أسلوب «الكرِّ والفرِّ»، و«اضرب واهرب»، حيث لا يوجد لديهم معدات حرب متطورة مثلما عند الجيش التركي الذي كان جيشًا نظاميًا، ومدربًا تدريبًا عاليًا، ويمتلك معدات ثقيلة كالمدافع التي تجرها الخيول، والتي كانت سببًا فيما بعد في هزيمتهم النكراء، نتيجة لصعوبة تحركها عبر الجبال والأودية، وتعرضهم للهجوم المباغت من قبل جيش زهران.. وكان من أسلوب الأمير بخروش في إدارة الحرب مباغتة الأعداء في أنصاف الليالي، عندما يخلدون للراحة من عناء الحرب والعطش والجوع.
.
بالطبع دُحر أولئك الغزاة الترك، وانهزموا شرَّ هزيمة.

.
6) سترون في السنابات، تلكم الغرف التي كان يتحصَّن فيها بطلنا بخروش، وحسنًا فعلت وزارة التعليم لدينا بالتعريف بهؤلاء الأبطال، الذين كانوا سندًا لملوكنا من آل سعود من نشأة دولتنا المباركة، والتي نتفيأ إلى اليوم ظلالها ونعيش في خيرها، وقد ضحى أولئك الأجداد بأرواحهم في سبيل وحدة هذه البلاد.
.
كانت نهاية البطل بخروش أيضًا درامية، فبعد أن أعيت القيادة التركية القبض على بخروش حيًّا أو ميتًا؛ لجأوا إلى الحيلة، فألقوا القبض على بعض قومه وسجنوهم، واشترطوا حتى يطلق سراحهم تسليمهم بخروش، وبعد أن تأكد الخونة من وجوده في منزله في قريته “العدية”؛ حاصروا بيته ونقبوا جداره، ودخلوا عليه وهو نائم، وسلاحه ليس معه، فاستطاعوا القبض عليه، ووضعوا الأغلال في يديه ورجليه، ورحَّلوه على وجه السرعة لمقر القيادة في (القوز) ناحية القنفذة.
.
وفي صبيحة اليوم التالي قابل قائد الحامية هناك الأمير بخروش فقال له: لماذا فعلت بجنودنا ما فعلت؟ قال بخروش في ثباتٍ ووضوحٍ، وهو مكبَّل بالأغلال: أنتم غزاةٌ مجرمون، ومن حقي مقاومتكم، وما دمتُ حيًّا؛ سوف أفعل ما أريد. قال له القائد: وأنا سوف أعاملك بنفس المعاملة، ووجه جنوده بإعادته إلى سجنه في نفس الخيمة التي كان يسكنها الأمير الأسير طامي بن شعيب العسيري.
.
حاول بخروش الهرب من معتقله، بيد أنه ألقي القبض عليه وأعيد إلى خيمته، مع رفيق دربه في الفداء والتضحية طامي، ثم أمر القائد التركي الجند بعدم قتله مباشرة، وإنما وخز جسمه بالحراب حتى ينزف ويموت موتًا بطيئًا انتقامًا منه، وتقول الروايات التاريخية إنه رغم الآلام والنزيف المستمر؛ لم يتوسل ذلك الزهراني الأبيُّ لأحد منهم ويطلب الرحمة، بل لم يتأوَّه من شدة آلام الحراب، واستمر الحال كما هو حتى لقي ربه.
.
بعد وفاته -يرحمه الله وأعلى منزلته في الجنة- دفنوا جثمانه في مقر القيادة قرب القنفذة، وقطعوا رأسه، ورحَّلوه مع البطل طامي بن شعيب حيًا إلى القاهرة، وهناك وضعوا رأس بخروش على كتف طامي بن شعيب، وطافوا بهما شوارع القاهرة مع رفع الأعلام على كوكبة من الخيول وعزفوا الموسيقى ابتهاجاً بالنصر الخالي من المضمون، ثم نقلوهما بعد ذلك إلى إسطنبول، وقاموا بنفس الحركة ثم دفنوهما في قبر واحد.
.
يرحم الله الأمير البطل بخروش الزهراني، ودعوة لمحبي التأريخ والآثار، زيارة هذه القلعة التاريخية، وما أجمل زهران وبلاد زهران ورجالات زهران!

 

 

*إعلامي وكاتب صحفي

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود