محطات في مسيرة التشكيلي سلام جبار جياد (الجزء الثاني)

فاطمة الشريف

 

في مقال ماتع للغاية بعنوان الدهشة الفنية للكاتب والناقد العراقي مهند الداود على صفحة كبار الفنانين التشكيليين العرب على الفيس بوك نثر عبارات وكأنها الخارطة الوصفية التي أنارت الوقوف والتأمل لسيرة قامة تشكيلية من العراق، وليد بغداد الكرخ العطيفية، الفنان المبدع أ.د.سلام جبار جياد، قال فيها:

“وما من فنان قديماً وحديثاً، إلا وله سيرة خاصة ولعلها مميزة مع الدهشة المدهشة، التي لا تكاد تفارق المبدع أبداً، تحضر هذه الدهشة اسماً ووصفاً وفكرة في خطابه وبيانه ولا تغيب فكرياً ولسانياً، حين يدركها يلتفت إليها بشدة، وحين يتحدث عنها يلفت الانتباه إليها بشدة، لهذا فهو أفضل من يفهمها، وأفضل من يتفطن لها، وأفضل من يتحدث عنها. وبفضل هذه الدهشة أصبح الفنان يعرف أكثر من غيره بيقظة الفكر، وبات الفكر عنده لا يعرف الخمول والسكون ولا الجمود، وإنما هو في حالة يقظة شديدة ومستمرة، ولهذا نرى أن الفنان لا يمر على الظواهر الكبرى الفكرية والحسية، الفردية والاجتماعية، كما يمر عليها سائر الناس من دون توقف والتفات…”

هذه الدهشة التي سرت في جميع حواسي عندما أقرأ أو أسمع أ.د.سلام جبار جياد يتحدث عن الفن التشكيلي أو مسيرته الفنية الكثيفة والغنية بتجليات أجد وصف الداود لها تناسب سيرة أستاذنا الكبير سلام التشكيلية. نعم إنها تجليات “تثير الدهشة والمتعة من خلال سيميائية مساحة اللون بتجاربه التي يسعى من خلالها الى الأمل والتفاؤل المتزاوج مع الدهشة والغرابة التي يسلب بها عقل المتلقي ويأخذه باللاوعي الى مناطق تفكير راكدة ، ومن ثم يحركها باتجاه الترويض الفكري الذي يولد الافكار والمعرفة ليكون في صيرورة ذهنية تتوالد من خلالها حركات جمالية متواترة تحقق ديناميكية الحياة السعيدة التي تخرج الإنسانية من ضغوطات فرضتها قسوة الحياة…”

بعبارات الداود المضيئة استكمل الجزء الثاني لمقال سابق في مجلة الإبداع والمبدعين فرقد بعنوان: سلام جبار جياد قامة تشكيلية من بلاد الرافدين (الجزء الأول)، والذي يتمحور في محطات وتأملات في مسيرة الفنان أ.د.سلام التشكيلية، والتي نستلهم منها كيف أن الإبداع مراحل ومحطات تبدأ “بمرحلة الاحتضان للمعلومات والأفكار ذات العلاقة، والتركيز على كل ما هو ملائم ومفيد، ثم مرحلة الحضانة والإشراق التي في الغالب تفتح آفاقا جديدة وتحقق أهدافا بعيدة المدى، ثم تأتي مرحلة التحقق والتنفيذ للأهداف قصيرة المدى.”

محطة الاحتضان والعرفان في المراحل التعليمية الأولى:
قليل من يعترف بأهمية التعليم والمدرسة في صقل موهبة الفنان، ويصرح بأسماء من كان لهم أثر ملموس في تجاربه الناجحة. أ.د.سلام يؤكد دور التعليم الكبير، وأثر مرسم المدرسة في “تكوين شخصية الفنان سلام جبار اللاحقة”، فقد كانت المدرسة على حد تعبيره “تقدر درس الرسم والموسيقى أسوة بدرس الدين”، إيمانا من المدرسة العراقية خلال الستينات بأن العلوم الإنسانية تسير جنبا إلى العلوم الشرعية لتحقيق التوازن في العملية التعليمية دون مغالاة أو مجافاة، وإنما تنشئة معتدلة، وتثقيف شامل.

يحكي لنا البروفيسور سلام عن طفولته الفنية، كطالب ابتدائية قائلا:
“في المدرسة الابتدائية ورغم تفوقي الدراسي، عُرفت كرسام المدرسة، وكان وجودي بالمرسم اكثر من الصف، وكان لرعاية معلم الرسم – الفنان سالم الشماع – أثره الواضح، رسمت نسخة من عمل رامبرانت فان راين حراس الليل: (The Night Watch ) بقياهس يعتبر كبير جدا لعمر ثمان سنوات، وكان له أثر كبير في تأليف توجهي اللاحق للاعمال الكبيرة.”
هنا وقفة تأمل ابن الثمان سنوات يرسم لوحة من أشهر لوحات رامبرانت، تلك التي أظهرت قدرة رامبرانت في توزيع الظل والضوء، والتحكم في رسم انفعال وحركة حوالي سبعة عشر شخص في اللوحة.

هنا لك أن تتخيل وتتسأل كيف رسم الطفل سلام لوحة رامبرانت؟ وما الذي دفعه لرسم هذه اللوحة تحديدا؟
إنه التشجيع والرعاية من معلم الرسم، التي احتضنت ثقة وموهبة الطفل سلام، فدفعت به لمحاكاة واحدة من أعظم أعمال العهد الذهبي للفن الهولندي، إنها مشاعر القوة والشجاعة التي خالطت تلك الأيادي الصغيرة لرسم أعمال فنية كبيرة، إنها البدايات المزهرة التي أثارت الدهشة والمتعة لدى سلام الصغير.
يواصل حديثه الشجي عن نمو الموهبة وحسن رعايتها في المرحلة المتوسطة بمدرسة الغربية:
” المدرسة الأولى بالعراق في مطلع السبعينات، حيث كان مرسم المدرسة الكبير والفخم والبرجوازي بادارة الرائد الراحل الفنان خليل العزاوي، الذي عرفّني لأول مرة على الرائد الراحل الفنان فائق حسن، الذي كان له الأثر الكبير في دفعي للمشاركات المحلية والدولية، والتحاقي بحركة التشكيل العراقي وأنا طالب متوسطة، سيما بعد فوز لوحتي ” العامل البطل” في يوم العمال وبائعو النفط في أهم مسابقة دولية لفن التخطيط.
في الاعدادية المركزية ومرسمها مع الرائد الفنان طالب العلاق كانت التحولات الفكرية وبدء النضج الفكري والاطلاع على الأفكار والطروحات الموجودة بالعالم.” حيث عصفت به ذاكرة الماضي الجميل بلوحته “شمعة تحترق

لنتوقف قليلا متأملين موقف الفنان الراحل فائق حسن وأثره في تحفيز طالب الإعدادية للمشاركات المحلية والدولية.
فائق حسن الذي قيل عنه ” أضحى فائق حسن خلال النصف الثاني من القرن العشرين ظاهرة متميزة في الفن العراقي فهو المؤسس الأول – بلا منازع – لفن الرسم في (العراق).” كان موضوع الخيل العربي شغل فائق حسن الشاغل لفترة طويلة “حتى انه تمكن من إظهار الخيول العربية ومزاياها الجميله بقدر أذهل المتابعين.” ويضيف أ.د سلام عن تجربة مؤكداً ومصححاً لما نشر عنه الراحل فائق حسين قائلا: “كانت التحولات التجريبية والانتقالات الأسلوبية من أهم مميزات سيرته المعطاء ولم تكن الخيول إلا تجربة جزئية في فعل الفنان وإن برع فيها وتميز – فهو رسم بكل الأساليب والمدارس الفنية وبنفس الفاعلية.”
إنه درسا تربويا في كيف تكون حضانة واحتضان الموهبة التي تفتح الآفاق، وتحدد الرؤى، وترسم الأهداف بعيدة المدى، وكيف يكون الاستعداد والتركيز لدى الفنان الصغير سلام ليكون رقما مميزا في الفن العراقي التشكيلي. وكيف أن لوحات الطفولة والصبا هي إرث الفنان الوفي الذي لا زال يحتفظ بذكرياتها الجميلة وحيثياتها الحقيقية.

محطة الإشراق والأفق الممتد

يتابع حديثه ضيفنا المبدع قائلاً:
“في كلية العلوم جامعة بغداد، وفي مرسمها مرسم الانطباعيين بإدارة الفنان حافظ الدروبي أمضيت الفترة الأهم في تحولاتي الفنية للفترة من 1977 إلى 1980، سيما مع وجود فنان عراقي كبير ومهم هو الأستاذ الفنان رياض الخياط الذي ظل ملازما لنا، مع تجمع فني من خيرة فناني العراق الشباب في الكلية أقمنا خلالها أكثر من أربعين معرضا لأنواع الفنون التشكيلية.”
لم تتوقف المشاركات الفنية للطالب الجامعي سلام بالمعارض الجماعية، بل أقام معارض شخصية داخل العراق وخارجها وفي الكويت تحديدا. إضافة إلى منجزه التشكيلي لخدمة العلم العسكرية، الذي كان ميدانا تطبيقيا لما عُرف عنه كرسام عراقي؛ ليواصل مسيرته الفنية عبر مئات المعارض الوطنية والمحلية والعالمية.
يستكمل التشكيلي سلام إنجازاته الفنية في الحرم الجامعي معيدا ثم أستاذا منتجاً معطاءاً في كلية الفنون الجميلة لمدة ثلاث عقود، زامل فيها “أعظم أساطين الفن العراقي من فائق حسن، وإسماعيل الشيخلي، وإسماعيل فتّاح، ومحمد غني حكمت، ومن قبلهم كاظم حيدر رحمهم الله جميعا.”
لك أن تتأمل هذه الأسماء، وتتوقف عند كل أسم؛ لتبحث وتقرأ عن الخلفية الموسوعية التشكيلية الداعمة التي كانت سندا وعونا بعد توفيق الله للإنتاج التشكيلي لمبدعنا أ.د.سلام. فقد قدّم خلال هذه المصاحبة الثرية الآف الأعمال التشكيلية الموزعة بالعالم. فضلاً عن افتخاره بأن مرسمه خرّج أغلب التجارب الشبابية المعتبرة اليوم بالساحة التشكيلية العراقية ممن يديرون دفة العملية التعليمية الفنية بالعراق والساحة التشكيلية العالمية. أمثال: قيل خريف، زهراء البغدادي، وسام جزي، نبيل علي، وضاح مهدي، حيدر فاخر، محمد العنزي، وميض العبدلي، حسنين صباح، مراد ابراهيم، قصي الخزعلي علاء كاظم، رسل مظفر، سهاد حسن، جابر السراي، رحمن القزويني، وميض باهض، غسان ابراهيم.

وعشرات الاسماء الذين يشكلون اليوم وريث التشكيل العراقي بمختلف أساليبه وهم في صفوف أهم مدرسي الفنون في كليات ومعاهد الفنون بالعراق.

فضلا عن إشرافه الأكاديمي على مئات الرسائل والأطاريح ومشاريع التخرج الناجحة. إضافة إلى تنفيذ مئات الأعمال المتحفية في مواقع الدولة والمواقع الخاصة.

 

مرحلة التحقق والتحولات الفنية المتعددة
في وقفات وتأملات مع أعمال مبدعنا أ.د.سلام التشكيلية التي تعكس لمحات جيل كامل من الفنانين العراقيين، فقد كانت تجربته الفنية تحكي أسطورة التحول الأسلوبي والموضوعي لفنان لم ينتم إلى واحدة من الأساليب الفنية بل كانت إنطلاقات جوهرية في اتجاهات حداثية فنية معاصرة. بهذا الشأن يؤكد أنه اشتغل في رحلته الفنية بجميع الأساليب التي مرت على تحولات معرفية من الواقعية والتعبيرية والرمزية والسريالية والتجريدية والمفاهيمية والرقمية والواقعية الفائقة والواقعية الذاتية والتطبيقية الواقعية، مع ميله الشديد للرمزية التعبيرية؛ لأنها كما يعتبرها سلاح الفنان في التورية والتعبير الذي يحتمل التأويل.. كما أنه أهتم باللون كعلم موظفا مهاراته الاحترافية الأكاديمية كمختص بالمعادن والصخور. إضافة إلى تجريبه جميع الاتجاهات الفنية الحديثة والمعاصرة في أعماله الفنية، واحترافه للعديد من البرامج الفنية الرقمية. فهو فنان يحاول دوما أن نرسم الجمال برغم من قسوة الظروف والأوضاع العامة لبلده.
في الحقيقة ما تم طرحه في هذين المقالين عن الفنان التشكيلي البرفسور سلام جبار جياد ما هو إلا وقفات سريعة، ونزر يسير في سيرته التشكيلية الزاخرة بعيدة كل البعد عن الجانب الأكاديمي ودوره الرائد في إثراء المحتوى التشكيلي العربي. لا يمكن أن نغلق هذا المقال الوجيز لسيرة عطرة نثرت في الروح بهجة وسعادة، وعززت في النفس فخراً واعتزازاً، وألهمت في الفكر علماً وإنجازاً، دون الوقوف بصريا على أعمال ضيفنا الكريم وفق تصنيف أجده ممتعا للغاية للكاتب والقارئ معا.

 


١- تجربة فنية مثيرة للدهشة البياض واللون الأبيض، الظل والضوء، توظيف لوني يعكس البهجة والحزن، أسرار وأحداث، مفاهيم مجردة تتجلى ببراعة في مجموعة الأعمال المختارة أدناه:

 

 

٢- نماذج من اللوحات الواقعية التي تعكس تجارب فنية ورحلات فنية لرسم الطبيعة العراقية مع الفنان فائق حسن رحمه الله:

 

 

٣- عمل مفاهيمي مبكر ردا على القصف الإميركي على العراق 1990:

 


٤- نماذج لأعمال معروضة في معرضه الشخصي بعنوان البقاء على قيد العراق 2009: 
في معرضه الشخصي بعنوان البقاء على قيد العراق يرى الناظر مجموعة لوحات تعكس تكتلات لونية متداخلة يغلب عليها اللون الأزرق والأحمر، ذات شخوص رمزية تعكس الفناء في معرضه الشخصي بعنوان البقاء على قيد العراق يرى الناظر مجموعة لوحات تعكس تكتلات لونية متداخلة يغلب عليها اللون الأزرق والأحمر، ذات شخوص رمزية تعكس الفناء- في معرضه الشخصي بعنوان البقاء على قيد العراق يرى الناظر مجموعة لوحات تعكس تكتلات لونية متداخلة يغلب عليها اللون الأزرق والأحمر، ذات شخوص رمزية تعكس الفناء والدمار، لا تخلو لوحة من العوارض الملقاة بشكل أفقي. وعند السؤال عن رمزية تلك القطع الخشبيّة التي وظّفها مبدعنا بشكل مدهش لافت للنظر، استطرد شارحا أن: العارضة عبارة عن قضيب خشبيَّ ذو لون أبيض وأحمر يستخدم بصورة عمودية في الهندسة المدنية للقياس؛ ليوصل رسالة مفادها أن جميع العوارض أهملت في المخازن بسبب الحروب التي خاضتها البلد، وموت الآف المختصين المستخدمين لها؛ فتوقف البناء والعمار. بل أن تلك العوارض تم استعمالها كأداة للمنع والضرب والتدريب الإجباري. كما أن ظهورها بالشكل الأفقي يرمز إلى خروج تلك العوارض عن وظيفتها الحضارية.

 

 

٥- نماذج مبكرة :

 

 


٦- ملامح الحياة اليومية للعراق الأصيل قديما وحديثا :

 

المصادر:
حوار شخصي الفنان سلام جبار جياد – كاتبة المقال فاطمة الشريف
مقال الدهشة الفنية – مهند الداود – منشورات صفحة كبار الفنانين التشكيليين العرب – الفيس بوك
مقال الإبداع بين الصحة والعلة – فاطمة الشريف – مجلة مكة
مقال ويكيبيديا – فائق حسين

 

4 thoughts on “محطات في مسيرة التشكيلي سلام جبار جياد (الجزء الثاني)

  1. جُزيتي خيراً حقاً تعجز كلماتي البسيطه التعبير عن روعة وعظمة ماكتبته فرشاتك انا جداً فخوره لكونكِ فتاه اولاً ثم لكونكِ ابنت بلدي ومدينتي اتمنى ان تستمري دوماً وانا اراء قلمك يسطر في الاعلى وان تكوني كما تحبين دوماً
    اعتذر لو لم استطع وصف ماكتبتي حق الوصف لانه اكثر من رائع
    و شكراً

  2. الشكر لسعادتكم أن نلت شرف الوقوف على مسيرتكم الفنية المشرقة التي تشعرني بالرغبة الملحة للمزيد في الغوص في بحر عطائكم الثري… بوركتم وبورك لونكم المعطاء …

  3. اهنيء نفسي واهنءكم مبدعتنا الكبيرة على عذا المقال الذي يشرفني واعتز به مرة لانه يتناول جزء من سيرتي المهتية والأكاديمية واهرى لانه بقلم ورؤية مبدعة متألقة ومميزة نفهر بها جميعا ونراهن على انها تحجز مقعدها في الصف المتقدم من حركة النقد التشكيلي االمعاصر فالف شكر وامتنان وعرفان وتحية للدكتور مهند الداود على كلماته الطيبة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *