المُنتفض الزيتوني

سـيـد جـمـعـه سـيـد*

المُنتفض الزيتوني
 

” الزيتونة ” .. من القري التي ترقدُ على ضفاف النهرِ الذي يجري من بدء الخليقة آمنةٍ، مِن زيتِها تكادُ تضيئ، حين تخبو مع حِلكةِ الأيام الأضواء وحين تخرجُ مع عتمات الإظلام، كلاب العسس، والعُسس انفسهم ذوي الكأبة المرسومة بعناية على ملامح وجوههم، وفي ثنايا الصوتٍ والسلوكيات الغبية، وفي مساء ليلةٍ غبراء، انتفض ..، ” المُنتفض الزيتوني ” من أحد الدروبِ الكالحةِ، وكأنه ” زوربا الزيتوني ” يُبعث من الجديد.
إلتفت إلى اليمين لفتةً سريعةً ثم خطى إلى الأمام خُطوة، ثم إرتد إلى مكانه مرة أخرى، وفي هذه المرة إلتفت يساراً ثم خطى إلي الأمام خُطوة، ولكن سريعا عاد إلى مكانه مرةً أخرى، خًيل إليه في المحاولتين كأن شخصا يَتْبعهُ، حاول أن يتيقن، فكانت خطوته هذه المرة إلى اليمين خلفا، وأعاد الكرة ثم عاد إلى مكانه قبل الخُطوة، حاول أن يعرفُ ولو بلمحة من يَتبعُ .. خُطوهُ، لم يلحظ شيئا، فخطا هذه المرة إلى اليسار خلفا، خُطوة اخرى، أتْبعها بنفس السرعة العودة إلى مكانه مرةً أخرى.
فكر للحظة أن تكون حركته هندسية بعض الشئ كأن تكون بهيئة مثلثٍ مثلا أو دائرةٍ فربما يكون هذا أوقع وافضل، ليرى من يرصد خطوه، وفاته أن رصد تفكيره لا خطواته فقط أمرُ بات مُحكم.
جال في خاطره أن يستند إلي جدارٍ مائل قريبا منه، هم ّ إليه، وجد الجدار يتراجع بعيداً عنه بنفس سرعة إتجاهه إليه، تعجب.
أ الجدار يسخرُ منه أم من وراء الجدار لا زالوا يرصدونه، ويدركون ما يجول بفكره وخلده ؟!
إبتسم إبتسامة هو نفسه لا يدركُ كيف أفلتتْ منه،
تنازعته افكاراً وخيالاتٍ بعضُها قابل للتنفيذ، وأخرى تقترب من وصف المخاطرة غير المحسوبة بدأ يستدعي بعضاً من التجارب والحيل والأفلام السينمائية او أحداثا مما قرأ في بدايات صباه من الروايات والقصص البوليسية من تلال الكتب التي كانت متاحة، إستقر رأيه أن يسلمُ نفسهِ لغفوةٍ قصيرة، ليتجدد عزمهُ ويذهب عنه أرق وحيرة قد تُضعفُ من قوة تفكيره. تغاض عن الجدار المتحرك، وأثر أن يتمدد حيث هو الأن، فافترش الأرض بسترته الأنيقة ولم يبال بما قد يحدث لها او لهُ بعد ذلك، أخرج محفظتِهِ، وتأكد من وجود هويتهِ ولم يعبأ ببقية ما في محفظته من عملةٍ او بطاقات أو أوراق اخرى، مُكتفيا بوجود هويته فقط.
غفا لفترة قصيرة او طويلة لا يدري، كل ما شعر بهِ أنه نهض من رقدته فوجد جاكت البدلة قد تعفّر وتغير شكلهُ، وبدا كأنه جاكت متسول وليس ” جاكت إنسان يعشق الأناقة وبها يزهو، إبتسم وهمّ بالتحرك، فلا وقت لديه، إنه في محنةٍ وأنهُ مرصودٌ بعيون لا يراها .. ولكنها ترى ما قد يُخفي، وترقُبُ حركته وخطوه، لكنه في لحظة او أقل، خطرت الفكرة وشرع في تنفيذها، فكّ أزرار بنطاله وانسلخ منه ، امسكه بيديه ، ومال إلي الجاكت الذي لا زال مطروحا عي الأرض ، وبسرعة غريبة صنع بهما هيئة إنسان طريح الأرض في وضع القرفصاء من شدة خوفٍ، في ليلة شتاء، تأكد أن هيئة الجاكت والبنطال توحيان تماماً بهيئةِ إنسانٍ إفترش الأرض. وقرفص، وتأكد قبلها أن هويته بيديه.
حالما تأكد، التفت مرةً واحدة اماماً وخلفاً، وشرع في الركض والعَدوِ كلصٍ لا يُبقْ علي شئ،
لكن هذه المرة إستبدل البسمة .. بضحكة، واستدار عائداً من حيث أتى بعد أن تبدد حِذرهُ، وخوفِهُ، وشاع في نفسه زهواً، يمكن أن يُحطم من يراهُ أو يرصدُ خُطوه.
حتى الأن، وللعجب لم ينزل ساحة ” الزيتوني المنتفض ” أحد.

 

*قاص من مصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *