الصعود إلى السماء.. الهبوط إلى الأرض “قراءة تأويلية.. و مقاربة نقدية”

 

الصعود إلى السماء.. الهبوط إلى الأرض

“قراءة تأويلية.. و مقاربة نقدية”

د. يوسف حسن العارف*

 

تحرير: خلود عبد العزيز

(1) (على أكتاف السماء)، مجموعة قصصية قصيربة، دوزنتها أنامل الأديبة/ القاصة/ الجازانية: حضية عبده خافي. وهي – بالمناسبة – فازت مؤخراً بجائزة رواق السرد بنادي جدة الأدبي عام 1441هـ، حيث حلَّت في المركز الثاني بعد أن حجب المركز الأول، فهنيئاً لها ومبارك هذا الفوز المستحق. 

تفجؤك هذه المبدعة/ القاصة، بما لم يتوقعه قلم الناقد، فهي تعلن عتبتها الرئيسة عبر الغلاف الأخير للمجموعة حيث نجد قصة قصيرة جداً، أو ما نسميها بـ القصة الومضة، الـ (ق.ق.ج). تقول فيها:

“على أكتاف السماء

“لم تصعد إلى السماء، فتقذفها مطراً”

ولم تهبط إلى الأرض، فتنبتها زرعاً”

هنا يجد القارئ/ الناقد نفسه أمام حالة منفية، فلم تبين القاصة كنه التي لم تصعد للسماء، والتي لم تهبط للأرض؟! فتركتنا أمام فضاءات شاسعة مفتوحة للتأويل والتحليل، ولم تعطنا مفاتيح هذه العتبة الفجائية/ القرائية التي أكدتها بـ (لم) النافية في مطلع القصة.

إن ورود (لم) النافية، ألغت كل الإمكانات المنتظرة والمتوقعة من تلك الأفعال المضارعة التي جاءت بعد أداة النفي: [تصعد، تهبط، تقذف، تنبت] وتلك (الهاء) المرتبطة بفعلي [تقذف وتنبت]!! وهنا تأتي لعبة الناقد التأويلية، والرؤية التحليلية/ التفتيقية، للتعرف على ماهية وكينونة ذلك المنفي/ الغائب!!

ولعلنا نعود إلى ما نعرفه ثقافياً وجغرافياً وعلمياً فيما يتعلق بالسماء والمطر، والأرض والزرع.. فالرابط بينهم هو (الماء) أو ما يسمى بـ (دورة المياه في الطبيعة). فمياه المحيطات والبحار والأنهار والبحيرات، تتعرض لأشعة الشمس، فتتحول إلى جزيئات مائية وتتصاعد إلى السماء وبفعل الرياح والانخفاضات الحرارية تتكون الغيوم والسحب وتتكثف وينزل المطر، وتستقبله الأرض سيولاً وآباراً ومياه جوفية فتبدأ الإنبات والاستزراع!!

إذاً، هي (قطرة الماء) التي إن صعدت للسماء هطلت مطراً، وإن هبطت للأرض أنبتت زرعاً. وبالتأكيد فهي المتواجدة دائماً (على أكتاف السماء)!!

وهنا تتجلى ثنائيات: السماء/ الأرض، المطر/ الجدب، الصعود/ الهبوط، النبات/الزرع. وكل هذه الثنائيات تشي بأننا أمام عالمين: علوي وسفلي، سماوي وأرضي، فأما السماوي/ العلوي فهو يمثل التطلعات العلوية النورانية، المطرية، المنتجة، وأما الأرضي/ السفلي فهو يمثل الدونية والسوداوية والجدب والتصحر.

وبالتأكيد فإن هذه العتبة العنوانية غير المألوفة تقودنا إلى التواصل النقدي معها على اعتبار أنها نصٌّ أولي حمل عنوان المجموعة كلها، وأُخْرِجَ بقصدية فنية رائعة إلى الغلاف الأخير ليكون فاتحة النصوص والدال عليها. وبالتالي يفرض على الناقد مقاربة هذه المجموعة وفق هذه الدلالات ومدى تشظيها داخل المتن القصصي.

 

(2) ومادمنا في سياق الـ (ق.ق.ج)، فقد أوردت القاصة المبدعة (10 قصص قصيرة جداً) مما مجموعه 23 قصة في هذه المجموعة. وكل هذه الـ (ق.ق.ج) يغلب عليها ما أسميته ذات قراءة نقدية النَّص البخيل [انظر كتابنا: احتمالات المطر وانثيالات السراب، ص 92] وأعني به النص المكثف والموحي والدال البعيد عن التفاصيل الحكائية. ومن مميزات هذا النوع من القص: التكثيف اللغوي، والإيحاء والرمزية، والعجائبية أو الدهشة. وكل هذه السمات والخصائص تتوفر في النصوص الـ (10). فمثلاً في قصة (تقوى ص 9) تقول المبدعة: “تبكي وهي تقرأ القرآن، بعد مشاهدة الأفلام” هذا النَّص الذي لا تتجاوز كلماته (سبع كلمات) يحمل في خلفيته حكاية طويلة من الأخطاء البشرية عبر مشاهدات الأفلام وما فيها من آثام و… وفيها من الإيمانيات والروحانيات التعبدية عندما تعود الطبيعة البشرية إلى دينها وقراءة القرآن من بكاء وخشوع وتوبة واستغفار!! كل هذه الحمولات والدلالات كثفتها القاصة في ذلك النَّص الإبداعي المنتمي لعالم الـ (ق.ق.ج) وسماته الأسلوبية!!

كما تتجلى هذه الجمالية الأسلوبية في نص بعنوان (غواية ص 15) تقول فيه: “همست – لنذب كقطعة سكر، فارقها مصطحباً شبقه” هنا نلمس (الإيروتيكية) المؤدبة، نجد الأنوثة والرجولة، نجد العواطف الوجدانية. كل هذه تشكلت في هذا النص الذي لم يتجاوز السطر تكثيفاً، وإيماءً ودهشة وعجائبية مما يجعلنا نقول إن القاصة تمتلك حساً كتابياً واضحاً تعرف من خلاله متى تكتب النَّص القصير جداً بجمالياته وسماته التي حددها النقاد والدارسون، ومتى تكتب النص القصير المطول وما يحتاجه من أحداث وأبطال وشخوص وزمكانية وهذا ما سنعرفه في التفريعة التالية.

* * *

(3) وتمضي بنا هذه المقاربة النقدية نحو إحدى الأيقونات الجمالية في هذه المجموعة القصصية وهي ما نسميه “أنسنة الكائنات” وتجسيدها وتحويلها إلى كائن حي يتحاور معه ويستنطقه ويتعاطيان الأحاديث والمثاقفة!! نجد ذلك مثلاً في قصة (جثة ص ص 28-33) – وهي القصة التي فازت بجائزة رواق السرد بنادي جدة الأدبي عام 1441هـ – وفيها تتخيل المبدعة/ القاصة جثة امرأة/ طالبة جامعية عروسة!! وقع لها حادث مأساوي لسيارتهم، ووجدت مرمية في طريق غير مأهول، وبعد خمسة أيام من وقوع الحادث، تم حملها إلى مشرحة الموتى بجوار المشفى وجاء الطبيب ليعاينها ويكتب عنها تقريراً. فتبدأ الجثة في الحديث عن معاناتها مع الطبيب، وأدواته، وبرودة الغرفة وكتابة التقرير، والإصابات التي حصلت لها من حادث السيارة.

هنا تبرز القيمة الجمالية التي اختارتها المبدعة/ القاصة لتحويل تلك (الجثة) إلى كائن حي يشعر، يتكلم، يحس، يعبر عن حالته!!

ونجد هذه التقنية الجمالية/ الأسلوبية في قصة (اللعنة ص ص 37-43)، والتي تحول فيها القاصة حالة ثقافية يمر بها كثير من المثقفين عندما يحرقون ما تقادم من مذكراتهم وكتبهم وأوراقهم الخاصة – إلى موضوع قصصي تجسد فيه هذه الحالة وتشكلها كائناً حياً يتحدث ويعبر عن نفسه ويتحاور مع الآخرين من حوله. فهاهي (المذكرة) تتحدث عن نفسها وحالتها قبل وصولها للمدفأة وإحراقها، وتتحاور مع جاراتها من الأوراق والكتب والأرفف، ومع النار التي ستحرق الجميع إنها “اللعنة التي ستحل بي، كما قالت الرسالة” ص 42.

وفي هذا السياق نجد قصة (شاهد ص 22-27) وقصة (وسادة ص ص 34-36) وقصة (هوية ص ص 45-48)، وكلها تؤكد على براعة القاصة/ المبدعة في تحريك سكون الأشياء الجامدة وتحويلها إلى شخصية متحدثة عن نفسها، شاعرة بما حولها، تتجاذب الحوار مع غيرها، وهو ما أسميته (أنسنة الأشياء وتجسيدها) وهذه تقنية جمالية في رسم الشخصيات القصصية وتكوينها خروجاً على المألوف والمعروف.

* * *

(4) ولعلنا نقف أخيراً، مع إحدى الجماليات الممتعة في هذا السِّفر القصصي وهي البيئة الصحيَّة، والفضاءات الطبيَّة التي يمثلها (المكان) وهو أحد مكونات النَّص القصصي، فكثيراً ما نجد في هذه المجموعة إيحاءات ودلالات وإشارات إلى المستشفيات والفعاليات الطبيَّة، والأدوات الصحيَّة التي تعكس بيئة القاصة المبدعة العملية وهي التي تؤكد – في (سيرتها الذاتية) – أنها خريجة معهد التمريض الصحي بجازان عام 1423هـ، وأنها إحدى منسوبات مستشفى ضمد العام وهذه البيئة الصحية والطبية تفرض ذاتها على صورها الإبداعية وموضوعاتها القصصية.

وعبر إحصائية لافتة نجد ما يلي:

في مجموعتها القصصية (على أكتاف السماء) 8 قصص بيئتها المكانية هي المشافي والفضاءات الطبية، وفي مجموعتها القصصية (مسرحية الموت) 7 قصص أيضاً تشكلت بيئتها المكانية عبر المستشفيات وفضاءاتها الصحيَّة، وقد أشرت في دراستي السابقة عن مجموعتها القصصية (أسطورة بلاد النور) أنها تحتوي على نفس البيئة المكانية الطبية [انظر كتابنا: النَّص القروي ص ص 169-174].

وهذه الإلماحات والدلالات الطبية جديرة بإفرادها بدراسة خاصة نتتبع بها جماليات البيئة العملية للمبدع وأثرها في منتجه الإبداعي. ولعلها تكون دراستنا القادمة إن شاء الله.

المهم – في هذا السياق – أن نشير إلى شيء من تلك الجماليات في هذه المجموعة، ففي نص (ورد ص 12) وهو من نوع الـ (ق.ق.ج) نجد (الأثير الأبيض) دلالة الملاءات البيضاء المستخدمة في المشافي، ونجد (باقة الورد) التي وجدتها (المريضة) بعد فتح عيونها وفي قصة (هوية ص 45) نجد (غرفة التشريح) و(قطعة الشاش) و(ثلاجة حفظ الموتى)!!

وفي قصة (رهاب ص 49) نجد (مرتادي المستشفيات) و(المرضى) و(مصعد المستشفى) و(الجثة) و(ثلاجة الموتى) و(الممرض) و(الطبيب النفسي).

أما قصة (بذاءة ص 21) وقصة (جثة ص 28) وقصة (تمرد ص 54) فكلها تمثل هذا التواصل النفسي والمعرفي بين بيئة العمل الحقيقي، والمكان المختار للنص القصصي/ الإبداعي!!

كل هذه الإيحاءات والرموز والدلالات فيها تعالق ثقافي واضح بين بيئة العمل الحقيقية للمبدع، والفضاءات النصيَّة والقصصية التي يبدعها وينتجها مما يعني مدى التعالق بـ المنتج/ المبدع، وبيئته العملية الحقيقية والتماهي الشديد بينهما فهي المحضن الرئيس، والمكان الأثير لاستلهام الإبداع القصصي.

وفي هذا السياق تأتي مفردة (البرودة) التي هي من لوازم المشافي وبيئة العمل الصحيَّة، فنراها تتكرر في هذه المجموعة (أربع عشرة مرة) وهذا يؤكد السمة (المكانية) في هذه المجموعة القصصية وأنها بيئة تتسم بـ (البرودة) ومدى شعور شخوص القصص بتلك الحالة الباردة مما يعطي الناقد تصوراً دلالياً لحالة المؤلف/ القاص/ المبدعة التي تتعايش واقعياً وحقيقياً مع هذه البيئات الباردة!!

* *

(5) وختاماً، فقد كنا في جولة تفتيقية مع هذه المجموعة القصصية التي أهدتها لنا المبدعة/ الممرضة/ حضية خافي وسعدنا بقراءتها والتثاقف معها وبالتأكيد فهي تمثل نقلة نوعية متطورة في كتابتها القصصية متجاوزة مرحلة البدايات التي وقفنا عليها وعرفنا بها في كتابتنا عن مجموعتها الأولى (أسطورة بلاد النور 1430هـ)، كما تجاوزت (إبداعياً واحترافياً) مجموعتها الثانية (مسرحية الموت 1437هـ) التي تصفحتها فوجدتها حافلة بكثير من المعطيات الجمالية وأولها تأرخة النصوص القصصية وهذا يعني إثبات تاريخ مولدها وكانت ما بين الأعوام 1429هـ، 1430هـ، 1432هـ، 2015م = 1435/1436هـ؟! والغريب هنا أن كلمات الإهداء مؤرخة في العام 1433هـ!! وهذا يعني جاهزيتها منذ هذا التاريخ ولم يتم طباعتها إلا في العام 1437.

ورغم أن هذه المجموعة تضم (13 ثلاثة عشر نصاً قصصياً) من نوع القصة القصيرة فإنها تحمل أيقونة جمالية بارعة وهي الحوارية بين شخوص القصص. فلا تخل قصة من هذه الأيقونة الجمالية وهذا يدل على الفضاء التواصلي بين شخصيات القصص وأبطالها، كما نجد البيئة المكانية/ المشافي وأدوات الطب والفضاءات الصحية هي المسيطرة مكانياً وهذا ما وجدناه في المجموعات القصصية السابقة للكاتبة المبدعة حضية خافي وهذا بسبب تأثرها بعملها الحقيقي ببيئتها الطبية – كما أكدنا فيما سبق.

ومن الجماليات – أيضاً – تلك الروح الإنسانية في معالجة القضايا الاجتماعية وهو ما تمثله قصة (مسرحية الموت ص ص 47-49) التي حملت عنوان المجموعة كلها لما تحمله من أبعاد إنسانية واجتماعية لفئة (اللقطاء) في المجتمعات المحلية ومايعانونه إنسانياً ومجتمعياً!!

هذه مفاتيح أولية حول المجموعة القصصية (مسرحية الموت) الصادرة عام 1437هـ عن نادي جازان الأدبي والدار العربية للعلوم/ ناشرون، ولعلنا نعود إليها تحليلاً ومقاربة مطولة وموسعة إن شاء الله.والحمد لله رب العالمين.

 

*أديب و شاعر و مثقف سعودي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *