حركة الترجمة ومدى تأثيرها في الموروث العربي القديم

 

حركة الترجمة ومدى تأثيرها في الموروث العربي القديم

الكاتب: أحمد إبراهيم المسودي*

 

تحرير: خلود عبد العزيز

سنتحدث في هذة المقالة عن حركة الترجمة و تأثيرها في البيان العربي بمفهومه الشمولي –إن وجد- هذه القضية التي أحدثت جدلاُ واسعاُ في أوساط الباحثين، وانقسموا حيالها إلى فِرق عدة، منهم من يرى أن البيان العربي قد تأثر في نشأته تأثراُ مباشراُ بالثقافة الهيلينستية، وفريق آخر يرى عدم تأثر البيان العربي بالمؤثرات الخارجية في مرحلة التأسيس، ولم تحصل المثاقفة والتأثر والتأثير إلا في العصور المتأخرة، وسنقف هنا على بدايات الترجمة في التراث العربي، وسنركز اهتمامنا على كتابي أرسطو: ( فن الخطابة ) و( فن الشعر ) لسبب بسيط؛ وهو أن هذين الكتابين كانا مثار الجدل والمطارحة بين الفريقين المتصارعين القائلين بالتأثر والقائلين بعدمه، ومنهما انطلق الفريقان، ففريق يثبت هذا التأثر من خلالهما ويدلل على ذلك، وفريق يفند تلك المزاعم ويدحض.

أولًا/ كتاب فن الشعر لأرسطو

تُرجِم كتاب الشعر لأرسطو في النصف الأول من القرن الرابع الهجري على يد متّى بن يونس القاني، ولكن هذه الترجمة لم تكن عن اليونانية إلى العربية، إنما كانت نقلا عن السريانية إلى العربية، وكانت هذه النسخة السريانية من ترجمة إسحاق بن حنين، أما في العصر الحديث فقد نقله إلى العربية الدكتور عبد الرحمن بدوي، ثم الدكتور شكري عياد.

ومع هذا النقل المبكر لكتاب الشعر لأرسطو إلى العربية، هل يمكن أن نقول أن البيان العربي قد تأثر بهذا الكتاب؟

وإجابة على هذا السؤال يمكن القول بأن الترجمة العربية القديمة لهذا الكتاب لم توفر لعلماء البيان العربي بمختلف حقولهم المعرفية إلا مفاهيم غريبة، أدركها المترجم متّى بن يونس بصورة مشوهة وجاء تعبيره عنها بعبارات مهترئة وركيكة.

فنظرية المأساة هي الأساس التي تمحور حولها كتاب الشعر لأرسطو، وكانت هذه النظرية تعالج الشعر الدرامي في الثقافة الهيلينستية، ومن المؤكد أن علماء البيان العربي الذين عاشوا في القرن الرابع لم يعرفوا مفهوم التراجيديا؛ لأنهم في الحقيقة لم يطلعوا على أعمال المبدعين الإغريق، لذلك لن يفهموا هذه النظرية بشكل واضح حتى لو نقلت بشكل واضح وأمين، ولهذا فإن هذا الكتاب لا يمكن فهمه بشكل واضح وعميق إلا إذا عرفت الأصول النظرية والفلسفية له، وهذا الذي لم يتسن لعلماء القرن الرابع.

ومن الصور المشوهة مثلا” في الترجمة العربية القديمة ترجمة مفهوم التراجيديا بالمديح، وترجمة مفهوم الكوميديا بالهجاء، ولا شك أن ثمة شبه بين تلك المفاهيم ومقابلها في الثقافة العربية، لكن أوجه التباعد والتفارق واضحة جلية لكل ذي بصر، ومرد ذلك التفارق والتباعد نظرة كل من الثقافتين لهذه المفاهيم.

وتضم المكتبة العربية تلخيصين عربيين لكتاب الشعر الأرسطي اعتمادا” على ترجمة متى بن يونس، هما: تلخيص كتاب الشعر لابن سينا، والآخر لابن رشد؛ وهذان التلخيصان وإن كانا قد قدما فهما” متقدما” لكتاب أرسطو وحاولا تكييفه مع الأدب العربي إلا أنهما لم يستطيعا الإلمام بهذا الكتاب بكماله، وتقريبه والقضاء على غموضه، ومع ذلك الجهد المبذول في التلخيصين إلا أنهما لم يخلوا من العيوب التي تسربت إليهما من الأصل، كالخلط بين المفاهيم والمصطلحات، ومحاولة تعويض استشهادات أرسطو بسور قرآنية وأشعار عربية.

ونخلص مما مضى إلى أنه من الصعوبة بمكان فهم كتاب الشعر وفلسفته المعتمدة أصلا” الثقافة اليونانية وفنونها، وهذا ما يجعلنا نجزم بأن هذا الكتاب لم يؤثر في البيان العربي في مرحلة التأصيل والتأسيس، لعدم وضوح مفاهيمه ومصطلحاته و فلسفته، مما يدحض رأي أولئك الذين ذهبوا إلى القول بأن هذا الكتاب قد مارس تأثيرا” واضحا” في مرحلة ولادة وتكوّن البيان العربي.

ثانيا/ كتاب الخطابة لأسطو.

لقد أثار كتاب الخطابة الأرسطي جدلًا كبيرًا في أوساط البيانيين الأوائل حين رأوا أن هذا الكتاب يمكن أن يدخل في سائر حقول المعرفة البيانية العربية، وما يهمنا من هذه الحقول هو حقل البلاغة والنقد، فقد كانت في طور تكونها وشكلها، من أجل ذلك تصدى العلماء المناهضون لذلك وارتقوا بتفكيرهم إلى مستوى يجعلهم قادرين على التصدي لهذا الخطر الداهم -كتاب الخطابة- فتمخض من ذلك ما سُمي بالعلم البديع الذي تبلور في القرن الثالث الهجري مع ظهور الصنعة على يد شعراء هذا القرن كالعتابي ومسلم وأبي تمام، وظهر بعد ذلك الحديث بشكل جاد عن هذا الفن، إذ شرع علماء البيان العربي إلى تعريف أشكال البديع والتمييز بين أنواعه، ومن المحاولات الأولى في هذا الصدد؛ كتاب قواعد الشعر لثعلب وكتاب البديع لعبد الله بن المعتز، حاولت كل تلك المؤلفات التي تصدت للتنظير لعلم البديع أن تتصدى لهجمة كتاب الخطابة بإثبات أن الوجوه البديعية والبيانية ليست خلقًا جديدًا بل هي موجودة في الذاكرة الشعرية العربية، كما أن النص القرآني قد تضمن هذه الأشكال، ولهذا فإن البلاغة العربية في طور تشكلها وتكونها لم تقنع ببلاغة أرسطو، وإنما اتجهت إلى نتاجها الشعري القديم لاستجلاء أوجه بلاغته ومعانيه وبيانه وبديعه، وبهذا يكون تأثير بلاغة أرسطو تأثيرًا خارجيًا ؛ بمعنى أن بلاغة أرسطو كانت دافعًا لعلماء البيان العربي إلى العودة إلى قراءة التراث ومساءلته وإيجاد ما يمكن أن يشكل بذورًا أولية لعلم البديع.

وسنعرض في السطور التالية لكتابين مهمين أصّلا لعلم البديع أتهم صاحباهما بالتأثر بالثقافة الهيلينستية:

الأول/ كتاب البديع لعبد الله بن المعتز

خصص ابن المعتز كتابه هذا لعلم البديع وهو أول كتاب خاص في علم البديع في الثقافة العربية، ألف في عام 274هـ، ذكر صاحبه أن البديع بمعناه الفني موجود منذ القدم، لكن المصطلح محدث، وحصر ابن المعتز البديع في خمس صور فقط، وسمى ما عدا تلك الصور محاسن الكلام، وشكَّل هذا الكتاب المنطلق الأساس لجميع الدراسات التالية التي تصدت لعلم البديع وحددت معالمه وعددت أجناسه، ومن هنا نستطيع القول أن هذا الكتاب قد انطلق في دراسته للبديع من التراث العربي وكانت أمثلته مستلة من أي الذكر الحكيم وأحاديث المصطفى – صلى الله عليه وسلم- وشواهد الشعر الجاهلي والإسلامي، وأشعار المحدثين، مما يدحض فكرة تأثر ابن المعتز بالثقافة الهيلينستية.

الثاني/ كتاب نقد الشعر لقدامة بن جعفر

يُعدّ هذا الكتاب أول مؤلف منهجي عربي في حقل الدراسات النقدية القديمة، تسلَّح صاحبه بالجمع بين النزعتين المحافظة والمتجددة، تجلى ذلك في لغة قدامة إذ يبدو عليها الطابع العربي الأصيل واضحًا وضوحًا تامًا، وكذا الفهم العميق لتقنيات الشعر العربي ومقوماته الجمالية حين المعالجة، لكن نقد الشعر كما يذهب الدكتور أمجد الطرابلسي في كتاب “نقد الشعر عند العرب حتى القرن الخامس للهجرة” لا يخلو من مسحة يونانية، إذ يظهر هذا التأثر حين يتحدث صاحب نقد الشعر عن غرض المديح فيستغل ما ذكره أرسطو بشأن الفضائل والرذائل في حديثه عن الخطابة الاستدلالية، ويضيف الطرابلسي أن تأثير أرسطو في كتاب قدامة يظهر واضحًا في الفصول التي عقدها للحديث عن الظواهر البلاغية التي تقترب بشكل أو بآخر من “باب العبارة” في خطابة أرسطو؛ لكن يؤكد الطرابلسي بأنه لا يجب المبالغة والمغالاة في تأثر قدامة بأرسطو، إذ من الثابت أنه لم يكن يعرف اليونانية ولا السريانية، وهذا ما يفسر لنا عدم تشبع قدامة بالفكر اليوناني، لعدم وضوح أفكار أرسطو في الترجمات العربية القديمة، وربما سبب اتهام قدامة بهذا التأثر جاء مبنيا” على اتهام سابق لابن المعتز، والحقيقة أن قدامة ومن جاء بعده قد تأثروا بكتاب البديع لابن المعتز، وهذا ما يفسر أن تهمة التأثر وجهت إلى ابن المعتز بشكل غير دقيق، ثم سرت هذه التهمة إلى أولئك الذين تأثروا بابن المعتز، فكانت الأحكام بعد ذلك قائمة على أساس هش لا يمكن الجزم بناءً عليها بأن البيان العربي قد تأثر في بدايات تشكله وتكونه بالفكر الأرسطي.

وختامًا يمكن القول بأن الترجمات العربية القديمة لكتابي أرسطو والتلخيصات التي بنيت عليها لم تحمل أفكار أرسطو بشكل واضح؛ وإنما كانت ترجمات مشوهة غير منضبطة، وبالتالي كان فهم القدماء لهذه الأفكار فهما مشوهًا لا يتطابق وفلسفة أرسطو، إضافة إلى أن كتابات أرسطو قد كتبت في ثقافة أخرى وعالجت فنونًا لم تكن معروفة عند العرب، وهذا ما يجعل الفهم لتلك الأفكار أكثر اضطرابًا، وهذا ما يبرئ الدراسات البيانية التأصيلية الأولى من تهمة التأثر، ولم يظهر التأثر بالفكر اليوناني إلا في عصور متأخرة بعد أن استوت البلاغة على عودها واستقرت.

المصادر:

– نقد الشعر عند العرب حتى القرن الخامس الهجري، أمجد الطرابلسي، ترجمة: إدريس بلمليح، دار توبقال، الدار البيضاء، ط1، 1993.

*باحث من المملكة العربية السعودية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *