قضاء الوقت منفردًا

 

قضاء الوقت منفردًا

مايكل هاريس

ترجمة / بسام الودعاني

 

قضاء الوقت منفردا (سواءً أخترت ذلك أم لا) قد يكون فرصة لتنضيد النفس.

أضحت العزلة موضع زخم في المجتمعات الغربية الحديثة لأننا نعتقد أنه فن ضائع، ونادرًا ما يتم استخدامها. وقد يبدو الأمر كما لو أنه يجب علينا الابتعاد تمامًا عن المجتمع لإيجاد لحظات هادئة لأنفسنا ولكن الأمر ليس كذلك. فهناك اقتباس أحبه من كتاب العزلة: السعي لحياة فريدة في عالم مكتظ (2017)

للصحفي الكندي مايكل هاريس (Solitude: in Pursuit of a Singular Life in a Crowded World(2017) by the Canadian journalistMichael Harri):

لا أريد الهروب من العالم أريد اكتشاف نفسي بداخله أريد أن أعرف ماذا يحدث إذا أخذنا جرعات من العزلة خلال أيامنا الشاقة، وشوارعنا المزدحمة.

يتنامى الإهتمام البحثي بالعزلة بثبات وببطء، ويجب الإشارة إلى أن العزلة شيء مختلف عن الوحدة، حيث أن الوحدة شعور شخصي بالعزلة الاجتماعية وضررها العقلي والجسدي جسيم. وعلى النقيض من ذلك، في السنوات الأخيرة، وثقت العديد من الدراسات القائمة على الملاحظة وجود علاقة متبادلة بين زيادة السعادة والدافع الصحي للعزلة بمعنى رؤية العزلة على أنها شيء ممتع وقيِّم. لكن هذا بحد ذاته لا يثبت أن السعي وراء العزلة مفيد. وعلميا، لإصدار مثل هذا البيان السببي، نحتاج إلى عزل مفهوم “العزلة” باعتبارها المتغير الوحيد، مع الحفاظ على التفسيرات البديلة الأخرى ثابتة. ويعتبر ذلك امرًا صعبًا. حيث أننا نقضي معظم الوقت بمفردنا بينما نقوم بأشياء أخرى، مثل العمل أو شراء الحاجيات أو التنقل أو التنزه أو تعلم هواية أو قراءة كتاب. ومع وجود العديد من الاختلافات في طرق قضاء الناس الوقت بمفردهم، فإنه من الصعب إصدار بيان نهائي مفاده أن العزلة بحد ذاتها هي التي تعزز سعادتنا.

ومن خلال إجراء دراسات تجريبية بقيادة عالمة النفس الإكلينيكي نيتا وينستين، في جامعة ريدنج، حيث أمضى المتطوعون وقتًا في ظروف خاضعة للرقابة في عزلة أو مع آخرين فقد تغلبنا على أوجه القصور في البحث الترابطي، وسلطنا الضوء على ما هو مفيد للعزلة.

وفي سلسلة واحدة من الدراسات، نظرنا في كيفية تغير مشاعر البشر بعد قضاء الوقت بمفردهم. فقد قمنا بقياس المشاعر الإيجابية المرتبطة بالإثارة العالية، مثل الإثارة والنشاط، والعواطف الإيجابية التي تكون منخفضة في الإثارة، مثل الهدوء والاسترخاء؛ وقمنا بقياس المشاعر السلبية شديدة الإثارة، مثل الغضب والقلق، والمشاعر السلبية منخفضة الإثارة، مثل الشعور بالوحدة والحزن. من خلال التركيز على قطبين ما يسميه علماء النفس “التكافؤ العاطفي” (إيجابي مقابل سلبي) و “الاستثارة العاطفية” (مرتفع مقابل منخفض)، فقد اتضح أن الوقت الذي يقضيه الشخص بمفرده يوفر فرصة فريدة لـ “تنظيم الاستثارة” – أي، كلاهما إيجابي وتنخفض الأشكال السلبية من الإثارة العالية عندما نقضي الوقت بمفردنا. وأطلقنا عليه “تأثير التعطيل”.

بينما كان تأثير التعطيل ثابتًا في جميع ظروف العزلة والوحدة التي ابتكرناها، فإن التغييرات في التأثيرات الإيجابية والسلبية منخفضة الاستثارة تعتمد على مدى تحفيز الشخص لقضاء الوقت بمفرده. فإذا استشعر المتطوعون العزلة واستشعروا فوائدها، فإنهم يشعرون بزيادة في المشاعر الإيجابية منخفضة الاستثارة بمعنى الشعور بمزيد من الإسترخاء والهدوء بعد ذلك، ولكن إذا لم يستشعروا فوائدها فمن المرجح أن يشعروا بزيادة في المشاعر السلبية منخفضة الاستثارة أي الشعور بالحزن والوحدة.

وهذا يعني لأجل الحصول على فوائد العزلة، عليك أن تعي تلك الفوائد. وقد تكون هذه فرصة لتجربة فوائد العزلة غير المتوقعة بالنسبة للعديد من الأشخاص الذين يعانون قيودًا على تحركاتهم وحياتهم الاجتماعية هذه الأيام. في حين أنه قد لا يحسن حياتنا ككل، إلا أنه يمكن أن يجعل نوبات المشاعر السلبية اللحظية قابلة للتحمل.

إذا استطعنا الإستفادة من تأثير التعطيل (أي خفض مستويات الإثارة لدينا) ببساطة عن طريق قضاء الوقت بمفردنا، ويرد في الذهن سؤال هل يهم ما إذا كنا نتصفح وسائل التواصل الاجتماعي خلال تلك الفترة أو نفعل شيئًا آخر؟ تشير الأدلة التي جمعناها أن تصفح هاتفك لا يلغي تأثير التعطيل. ولكن، فإنه يأخذ فائدة أخرى من العزلة وهي فرصة التأمل الذاتي. ففي تجربتين، وجدنا أن أولئك الذين كانوا في عزلة تامة، دون نشاط ثانوي، انعكس ذاتيا على أنفسهم أكثر من أولئك الذين يقرؤون بمفردهم. فأولئك الذين كانوا في عزلة ويتصفحون وسائل التواصل الاجتماعي، كانوا الأقل انعكاسًا. في الواقع، إذا كنت شخصًا يميل إلى التأمل الذاتي، فقد أظهر بحثنا أن الوقت بمفردك يكون أكثر متعة إذا سمحت لنفسك بالجلوس في عزلة بدلاً من القراءة أو استخدام هاتفك.

بالطبع، هذا ليس شيء مستحدثا. فقد تم تداوله بشكل كبير في الكتب الشعبية والنصوص الفلسفية بأن الوقت الذي يقضيه الشخص بمفرده مفيد للتأمل الذاتي. ولكن، ليس كل تأمل ذاتي خلال وقت العزلة هو نفسه من الناحية النوعية حيث يمكن أن يكون مفيدا أو اجترارًا ويعنى بالاجترار أي التفكير بشكل مفرط في الأمور السلبية. ففي تجاربنا الحالية عندما طلبنا من المشاركين وصف الوقت الذي كانوا فيه بمفردهم وشعروا بأنهم غير صادقين أو غير حقيقيين مع أنفسهم ويتسم هذا بنوع اجتراري من التأمل الذاتي مليء بالأفكار السلبية والندم لا يمكنهم الهروب منه.

فعندما يتحول التفكير الذاتي إلى حالة من الحزن ويبدأ الاجترار، فقد تكون الممارسات الواعية استراتيجية فعالة لبعض الناس لتهدئة أفكارهم السلبية المتكررة. ومع ذلك، يجب أن يؤخذ هذا الاقتراح بحذر حيث أن التركيز الكامل للذهن لا يلائم الجميع وربما الأفضل ممارستها باعتدال. لذلك، قد لا تكون فكرة سيئة كسر العزلة والتواصل مع صديق تثق به، حتى لو كان ذلك عن طريق مكالمة هاتفية أو رسالة. وإذا لم يعد الأمر مثمرًا، فلا يُنصح أبدًا بالبقاء منعزلا، خاصةً إذا كنت تشعر بأن الاجترار والقلق يسببان لك الضيق.

إن الوقت وحده هو فرصة لنا لتنضيد أنفسنا ولتهدئة مشاعرنا. وخلال الوقت الذي نقضيه بمفردنا، لدينا أيضًا خيار البحث عن العزلة الكاملة، والتخلي عن أنشطتنا اليومية وإيجاد مساحة للإهتمام بأفكارنا وعواطفنا. ومع ذلك، إذا كانت العزلة اليومية بمثابة فن ضائع، كما يقول هاريس، فكيف نجد الدافع لحصادها؟

الإجابة تعتمد على الفرد، ولكن من المدهش أنها لا تعتمد كثيرًا على ما إذا كنت انطوائيًا أو اجتماعيا. عوضا عن ذلك، يُظهر البحث أن الدافع الصحي لقضاء الوقت منفردا مرتبط بخاصية شخصية تسمى “الاستقلالية الذاتية”، والتي تصف قدرة الأشخاص على تنظيم تجاربهم اليومية حسب الرغبة. بشكل أساسي، هذا يعني أن احتضان العزلة يتعلق بالقدرة على تنظيم مشاعره ذاتيًا أكثر من كونه انطوائيًا.

فقد يشعر الأشخاص ذوو الشخصية المستقلة أنهم اختاروا القيام بما يفعلونه، بدلاً من رؤية أنفسهم على أنهم بيادق تحت رحمة البيئة الخارجية. إن إتباع هذا النهج في الحياة يعني الاهتمام بكل جزء من تجربتك، وتجربة تجارب جديدة واكتشاف شعورك.

فعندما أجرينا تجربة حيث أُجبر بعض الأشخاص على تجربة العزلة (تقليل شعورهم بالاستقلالية) ودُعي آخرون للاهتمام بها وتجربتها (تعزيز استقلاليتهم)، رأى أولئك الذين أُجبروا على العزلة قيمة أقل في تجربتها، وبالتالي استمدوا منها متعة أقل.

من المهم ملاحظة أن جميع المتطوعين ممن تم اختبارهم في هذه الدراسات كانوا طلابًا جامعيين في الولايات المتحدة. فهذه النتائج من 2017-2019 عن تجارب يومية مع العزلة للشباب في المجتمعات التي يسهل فيها الوصول إلى العديد من خيارات الترفيه وساعات العمل المرنة.

ففي حياة متسارعة الخطى والتقنيات المريحة، يتم جذبنا بسهولة من خلال أجهزتنا وهوسنا بالإنتاجية فعندما نكون بمفردنا، نجد أنفسنا نعمل، وعندما يكون لدينا وقت فراغ، نريد اللحاق بما يفعله الآخرون من خلال التقاط هواتفنا. فمن خلال اغتنام فرصة الاسترخاء والتفكير يمكننا جني الفوائد التي توفرها لحظات من العزلة في حياتنا المزدحمة. وقد يكون الوقت الذي نكون فيه بمفردنا بشكل مفاجئ صعبًا، ولكن على الأقل بالنسبة للبعض منا، يمكن أن يكون أيضًا نعمة.

 

Solitude has become a topic of fascination in modern Western societies because we believe it is a lost art – often craved, yet so seldom found. It might seem as if we ought to walk away from society completely to find peaceful moments for ourselves. Yet there is a quote I really like from the book Solitude: In Pursuit of a Singular Life in a Crowded World (2017) by the Canadian journalist Michael Harris:

I don’t want to run away from the world – I want to rediscover myself within it. I want to know what happens if we again take doses of solitude from inside our crowded days, along our crowded stre

 

………………

المقال المترجم:

https://aeon.co/ideas/time-alone-chosen-or-not-can-be-a-chance-to-hit-the-reset-button

 

One thought on “قضاء الوقت منفردًا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *