جرائم الحاسب 3: نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية بالمملكة

جهاد العمري*

“وإنكم تعلمون إن أساس أحكامنا ونظمنا هو الشرع الإسلامي وانتم في تلك الدائرة أحرار في سن كل نظام وإقرار العمل الذي ترونه موافقا لصالح البلاد على شرط ألا يكون مخالفا للشريعة الإسلامية”. – الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود رحمه الله بالجلسة الافتتاحية لمجلس الشورى في السابع من ربيع الأول من عام 1349هـ

تحدثنا في المقالات السابقة عن أنواع الجرائم الإلكترونية وعن دور الضمير والقانون في مكافحة ارتكاب الجرائم بشكل عام وتتبعنا دور المنطق والتفكير المنطقي في تشكيل الموقف (القرار) الأخلاقي تجاه الجرائم الإلكترونية وبالتالي تجنب ارتكاب تلك الجرائم. في هذه المقالة سنلقي نظرة على نظام مكافحة جرائم المعلوماتية بالمملكة العربية السعودية.

 صدر نظام مكافحة جرائم المعلوماتية بقرار مجلس الوزراء رقم 79 وتاريخ 7/3/1428هـ، وتمت المصادقة عليه بموجب المرسوم الملكي الكريم رقم م/17 وتاريخ 8/3/1428هـ . بحسب المادة الثانية من نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية: “يهدف هذا النظام إلى الحد من وقوع الجرائم المعلوماتية”، بتحديد العقوبات المقررة للجرائم المعلوماتية والتي يمكن ان تحدث بأنظمة الحاسب. حيث أن الحد من الجرائم المعلوماتية يحفظ حقوق مستخدمو أنظمة الحاسب والمعلومات، ويحمي المصلحة العامة، والأخلاق، والأقتصاد الوطني. كما حدد النظام، في مادته الخامسة عشر، هيئة التحقيق والادعاء العام لتتولى التحقيق والادعاء في الجرائم الواردة فيه. سنحاول تلخيص نظام مكافحة جرائم المعلوماتية بالنظر إلى ثلاثة نقاط رئيسية: الأولى التفاصيل التقنية والمصطلحات القانونية بالنظام والثانية الجرائم التي حددها النظام كموجب للعقوبة والثالثة العقوبات التي فرضها النظام لتلك الجرائم .

لقراءة التفاصيل التقنية والمصطلحات القانونية في نظام مكافحة جرائم المعلوماتية يمكننا الرجوع إلى المادة الأولى بالنظام والتي تهدف إلى تحديد الأطراف المعنية في الجرائم المعلوماتية، والتي يمكن أن تكون ضحية الجريمة المعلوماتية أو مرتكبوها أو أدوات ارتكابها، وهم الاشخاص من جهة والأجهزة والانظمة والبرامج والمواقع والشبكات والبيانات الإلكترونية من جهة اخرى، كما أن المادة الأولى بالنظام تقدم التعريف المعتمد للجريمة المعلوماتية على انها “أي فعل يرتكب متضمنا استخدام الحاسب الآلي أوالشبكة المعلوماتية بالمخالفة لأحكام (نظام مكافحة جرائم المعلوماتية)” كما أنها توضح المصطلحات الأساسية للأفعال المخالفة، تحديداً الدخول غير المشروع وهو “دخول شخص بطريقة متعمدة إلى حاسب آلي، أو موقع إلكتروني أو نظام معلوماتي، أو شبكة حاسبات آلية غير مصرح لذلك الشخص بالدخول إليها” و الالتقاط وهو “مشاهدة البيانات، أو الحصول عليها دون مسوغ نظامي صحيح”.

لخصت خمسة مواد من نظام مكافحة جرائم المعلوماتية، من المادة الثالثة إلى السابعة، الجرائم المتعلقة بأنظمة المعلومات وعقوباتها. حيث حددت المادة الثالثة خمسة جرائم، اولاً التصنت دون مسوغ قانوني على ما هو مرسل عن طريق الشبكة المعلوماتية أو أحد أجهزة الحاسب الآلي، ثانياً الدخول غير المشروع على أنظمة المعلومات لتهديد شخص أو ابتزازه، ثالثاً الدخول غير المشروع إلى المواقع الإلكتروني لإتلافها أو تعديله أو سرقة عنوانها، رابعاً المساس بالحياة الخاصة باستخدام أجهزة وبرامج  تقنية المعلومات، خامساً التشهير بالآخرين وإلحاق الضرر بهم عبر تلك الأجهزة والبرامج التقنية. ويعاقب النظام عبر هذه المادة (الثالثة) كل من قام بأحد تلك الجرائم  الخمسة بأحد او كلا العقوبتين التالية، السجن مدة لا تزيد على سنة وبغرامة لا تزيد على خمسمائة ألف ريال.

كما حددت المادة الرابعة جريمتين، الأولى الاحتيال والاستيلاء على الأموال المنقولة أوالسندات المالية والثانية الوصول إلى أي بيانات بنكية أو ائتمانية أو معلومات، أو أموال، أو خدمات دون مسوغ قانوني. وتتضاعف العقوبة هنا لتصبح أما بالسجن مدة لا تزيد عن ثلاث سنوات أو غرامة لا تزيد على مليوني ريال، أو كلاهما. بينما حددت المادة الخامسة ثلاث جرائم، وهي أولاً الدخول غير المشروع على الأنظمة المعلوماتية والتلاعب بالبيانات الخاصة الموجودة بها إما بحذفها أو تسريبها أو تغييرها.

ثانياً: إيقاف شبكات المعلومات عن العمل، أو مسح البرامج، أو البيانات الموجودة بها أو إعاقة الوصول إلى خدماتها. حدد النظام عقوبات عالية لهذه الجرائم تصل إلى السجن مدة لا تزيد على أربع سنوات و غرامة لا تزيد على ثلاثة ملايين ريال أو بإحداهما.

أوردت المادة السادسة من نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية، أربعة أنواع من الجرائم التي تتعلق بإستخدام الشبكة المعلوماتية أو أجهزة الحاسب الآلي في إنتاج أو إعداد أو إرسال أو تخزين مواد مخالفة للقانون مثل المواد التي  تمس النظام العام أو القيم الدينية أو الآداب العامة أو حرمة الحياة الخاصة، والمواد المتعلقة بالإتجار في الجنس البشري أو تسهيل التعامل بها، والمواد الإباحية أو المخلة بالآداب العامة أو نشرها أو ترويجها، والمواد المرتبطة بالإتجار بالمخدرات أو المؤثرات العقلية أو ترويجها أو طرق تعاطيها أو تسهيل التعامل بها. وحددت هذه المادة من النظام عقوبات بالسجن والغرامة أو إحداهما تصل إلى مدة سجن لا تزيد على خمس سنوات وغرامة لا تزيد على ثلاثة ملايين ريال.

أما المادة السابعة من نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية فقد تعاملت مع جرائم الإرهاب الإلكترونية والأنشطة التي تمس أمن واقتصاد الدولة داخلياً وخارجياً، حيث أدرجت ضمن جرائم الإرهاب الإلكترونية إنشاء المواقع الإلكترونية للمنظمات الإرهابية لتسهيل الاتصال بين قياداتها وأعضائها أو ترويج أفكارها أو تمويلها أو نشر طرق تصنيع الأدوات التي تستخدم في الأعمال الإرهابية مثل المتفجرات والمواد الحارقة، الدخول غير المشروع إلى الأجهزة أو الأنظمة أوالمواقع الإلكترونية للحصول على بيانات تمس أمن واقتصاد الدولة. تصل عقوبات هذه الجرائم إلى السجن مدة لا تزيد على عشر سنوات وغرامة لا تزيد على خمسة ملايين ريال أو بإحدى هاتين العقوبتين.

أخيرًا تعاملت المواد الأخرى من نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية، من المادة الثامنة إلى الثانية عشرة، بالقضايا القانونية الأخرى والمتعلقة بالجرائم المذكورة في المواد من الثالثة إلى السابعة. من تلك القضايا، أن ارتكاب الجاني الجرائم المعلوماتية عبر عصابات منظمة أو استغلال وظيفته العامة وسلطاته أو نفوذه لارتكاب الجريمة أو التغرير بالقصر أو وجود سابقة له يستوجب أن لا تقل عقوبة السجن أو الغرامة عن نصف حدها الأعلى. ومنها ان هناك عقوبة على من قام بالتحريض أو المساعدة أوالاتفاق على ارتكاب أي من تلك الجرائم بما لا يتجاوز الحد الأعلى للعقوبة المقررة لها إذا وقعت الجريمة وبما لا يتجاوز نصف الحد الأعلى للعقوبة المقررة لها إذا لم تقع الجريمة الأصلية، كما أنه يعاقب كل من شرع (ولم ينجح) في القيام بأي من الجرائم المنصوص عليها في هذا النظام بما لا يتجاوز نصف الحد الأعلى للعقوبة المقررة.  كما نصت المادة الحادية عشرة بأن “للمحكمة المختصة أن تعفي من هذه العقوبات كل من يبادر من الجناة بإبلاغ السلطة المختصة بالجريمة قبل العلم بها (من قبل السلطات) وقبل وقوع الضرر، وإن كان الإبلاغ بعد العلم بالجريمة تعين للإعفاء أن يكون من شأن الإبلاغ ضبط باقي الجناة في حال تعددهم، أو الأدوات المستخدمة في الجريمة”. كما وضحت المادة الثاني عشرة أن تنفيذ هذا النظام يتوافق مع الأنظمة ذات العلاقة و الاتفاقيات الدولية والملكية الفكرية.

للاطلاع على نص نظام مكافحة الجرائم الإلكترونية يمكن زيارة موقع هيئة  الاتصالات وتنقية المعلومات على هذا الرابط: 

https://www.citc.gov.sa/ar/RulesandSystems/CITCSystem/Pages/CybercrimesAct.aspx.

  في ختام هذه السلسة من المقالات حول الجرائم الإلكترونية (المعلوماتية) أود التأكيد على دورنا نحن كمستخدمين للأنظمة الإلكترونية والمعلوماتية في الحفاظ على تلك البيئة والتي تضم تعاملاتنا اليومية الرسمية منها والمالية والاجتماعية والتعليمية، وذلك بالالتزام بقواعد الاخلاق والقانون، وأن نُحكم ضميرنا ونتبع التحليل المنطقي لشرعية أعمالنا عبر الانظمة المعلوماتية.

 

كاتب سعودي*

حساب تويتر: 1_GH574

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *