مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

فاطمة الجباري* لم تكن حياتي وردية كما يراها الآخرون، بل كانت كمًّا هائلًا من الم …

الحياة الوردية

منذ سنتين

2330

0

فاطمة الجباري*

لم تكن حياتي وردية كما يراها الآخرون، بل كانت كمًّا هائلًا من المنغصات، والخوف، والقلق..
بعد أن كنت طفلةً صغيرةً، لا تعرف من الدنيا غير لعبة، وحلوى وبعض الهدايا، والألعاب من والديها الكرام، وخالها الحنون؛ مكافأةً على نجاحها وتفوقها..
أصبحت أمًّا ومسؤولة عن بيتٍ وزوج وطفلةٍ، وحلم إكمال الدراسة..
وشريك الحياة رجلٌ عصاميّ، لديه مسؤولياته تجاه والديه، وأسرته الكبيرة، ويقع على عاتقه مسؤولية أسرته الصغيرة/ زوجته وابنته.
كانا مشغولين دائمًا بحياتهم، هو يعمل، وهي تدرس..
وطفلتهم الصغيرة في أحضان جدتها لأمّها؛ ترعاها وتغدق عليها من حنانها وعطفها.
لم تكن تهتم بما تسمعه وما تراهُ؛ فقلبها ما زال قلبَ طفلة ملائكيّ، لا يعرف الحسدَ ولا سوءَ الظنّ، سليمة الفطرة نقية السريرة.
تحاول جاهدةً أن تكون ربةَ منزلٍ ناجحة وأمًّا صالحة وطالبة مجتهدة.
مشت الهوينا في دروب الحياة المختلفة، وانتقلت من المدينة إلى القرية حيث الحياة مختلفة.
كل شيء تربت عليه في المدينة وتعلمت فنونه وأصوله تغير في القرية.
أصبحت تشعر بغربة المكان والزمان غربة الشعور الذي لم تعد تفهم منه غير أنها غير مرتاحة.
لكن لمن تتحدث؟ ومن سيفهم حديثها؟ ومن سيشعر بالصراعات القائمة بينها وبين  نفسها؟
هنا لا توجد خصوصية في حياتك الشخصية، أنتِ ملك عام لأصحاب البيت، تنامين معهم وتستيقظين معهم، وتأكلين مما يأكلون وفي الوقت الذي يحددون، والزوج غارق في مسؤولياته لا يدخل المنزل إلا للنوم. وباقي وقته يقضيه في عمله أو وسط أسرته.
كان قدري أن أتزوج بالابن الكبير في العائلة كما كان قدره أيضًا أن يرتبط ببكر والديها..
رغم تقارب العمر إلا أن الإنسان يبقى ابن بيئته؛ فالمألوف لديَّ غير محبب لديه، والعكس صحيح..
كان خيارًا صعبًا، وحياة أصعب من بدايتها.
أصبت بالمرض من شدة التفكير والتوتر، يحملونني فاقدة الوعي، ولا أعرف ما الأسباب! أعيش صراعًا داخليًا بين ما أحبه والواقع الذي أعيشه.
عجز الأطباء عن معرفة مشكلتي؛ نوبات صداع لا تسكنها المسكنات، ألم في المعدة دائم، خفقان في القلب وشعور بالخوف مفاجئ.
تشخيصُ أهل القرية للحالة أنه قد “تلبسني جنيّ والعياذ بالله”.
أما أنا فقد كنت أعرف في قرارة نفسي أن الأمر لا يعدو كونه إحساسًا بعدم الارتياح لطبيعة الحياة والناس هنا.
هذا الشعور لا يعرفه إلا من عرف معنى غربة الروح؛ الجسد هنا، والروح هناك…
فقد تركت عمري هناك، للماضي الذي عشته، والذكريات.. الأهل، الصديقات والزميلات والجيران.
تركت تاريخًا من حياتي وطفولتي وعفويتي وسذاجتي
وطباعي وطبيعتي؛ لأنتقل إلى حياة جديدة لا أعرفها
لا تشبهني، وأناس لا أستطيع التعايش معهم، ولا مجاراتهم.
اختلاف في الفكر، والثقافة والعادات والتقاليد وأسلوب الحياة.
لديهم عادات مختلفة تمامًا عما أعرفه وتربيت عليه،
لديهم فضول مبالغ فيه لمعرفة كل شيء في حياة الآخرين.
كانت حياة انتقاليّة صعبة في فترة من فترات حياتي
لم تكن باختياري، لكنها قدري.
قدري أن أتزوج في عمر مبكر، وأن أنتقل من المدينة إلى القرية، وأن أعيش وسط مجتمع لا أعرفه!
ومعاشرة أناس يختلفون في كل شيء ابتداءً بطبيعة الحياة القروية الصعبة وانتهاءً بطبيعة الناس واختلاف ثقافتهم وعاداتهم وطباعهم.

وحتى أكون منصفة هم أناس بسيطون جدًا وهذه حياتهم التي اختارها الله لهم، ولو عرض عليهم الذهاب والإقامة في المدينة لن يتركوا قريتهم، ولو أعطوا كنوز الأرض.
وأنا أحترم ذلك وأقدره؛ فالإنسان ابن بيئته، يشبه (السمكة إذا خرجت من الماء تموت)
هذا شيء تتحكم فيه طبيعة الإنسان وانتماؤه للمكان والزمان الذي عاش فيه منذ طفولته حتى هرمه.
مع انتمائي للقرية والقبيلة والفخذ وهي مسقط رأس الأجداد والآباء والأمهات..
كنت أكتم ما أشعر به حتى لا أفهم بطريقة خاطئة، ومع كل ذلك أطلق البعض حكمهم علي دون رحمة، ووصفت بالمتكبرة، المنكرة لأهل قريتها، والأنانية..
لم أكترث بما قالوه عني، وسألت الله أن أعود إلى المدينة وأكمل حياتي بين أهلي وأحبابي وصديقاتي..
ولله الحمد والشكر تحقق ذلك وعدت إلى المدينة
ألملم شتات أمري، وأستعيد ما بقي مني من روح وجسد غادراني منذ وصولي للقرية.
ربما لو كنت واعية ومدركة لحقيقة الأمر لما قبلت بالزواج من البداية.
هناك أمور في حياتنا الفصل فيها راحة، أو تعاسة ترافقك طول العمر..
لذلك التوافق بين الزوجين مطلب لبناء حياة أسرية هادئة هانئة سعيدة؛ لأن هذا الزواج تترتب عليه أمور كثيرة لا خيار لك فيها فيما بعد، حيث تعيش صراعًا طويلَ المدى بين ما تحب وما تكره، بين ما يريحك، وما ينغّص عليك سعادتك.
وفي النهاية العمر والشباب الذي يرحل لا يعود، وستخرج بتجربة قاسية مهما حاولت تجاهلها تبقى عالقة بذاكرتك..
في الختام:
ليس من الحب أن تضحي براحتك من أجل أحد مهما كان، فالقليل من يقدر ذلك لك.
وكما قال أبو تمام:

نقِلّ فؤادكَ حيث شئتَ من الهوى
ما الحبُّ إلا للحبيبِ الأوّلِ
كم منزلٍ في الأرض يألفهُ الفتى
وحنينهُ أبدًا لأوّلِ منزلِ

*كاتبة سعودية

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود