شاعر لاينام

 

د. لطيفة بنت سعود العصيمي*

     من الظواهر الطبيعية في الأوساط الأدبية ذلكم الحراك النقدي الذي يتناول النصوص بعد ولادتها ويختصم حولها، ويظل الشاعر في هذا المعترك بنومة المتنبي التي يقول فيها:

          أنام ملء جفوني عن شواردها                                      ويسهر الخلق جراها ويختصم

     ولكن ماذا لو كان هذا الشاعر هو الناقد نفسه؟ ما إن ينتهي من عملية الإبداع حتى يدخل في صراع نقدي مع ذاته أولاً

     تلك الشخصية الشاعرة الناقدة تستوقفنا كثيراً، وتثير تساؤلات أدبية ونقدية ، لماذا تضع الذات الناقدة قيوداً نقدية ثم تأتي النفس الشاعرة لتتمرد عليها؟  ولماذا لا تلتزم قريحته الشعرية برؤيته الناقدة التي يؤمن بها ويدافع عنها؟ أي صراع يشعر به عندما يتمرد عليه شاعر يعيش داخل كيانه، ويستقي من أفكاره. ما السر الذي يقف خلف هذه الشخصية المزدوجة التي تجعل من ناقد كبير كابن طباطبا العلوي مثلاً يؤسس عياراً للشعرملزماً لطلابه حاكماً له ،ثم يأتي بعده ابن طباطبا الشاعر فيخالف كل هذا ويخرج عليه؟لا يمكن أن يكون مرد ذلك اختلاف توجهات فكرية, ومنابع أدبية, فالشاعر هو الناقد نفسه, كيف نفسر عبثية هذا الاختلاف؟!

     هذا المشهد يجعلنا نعيد النظر في عملية النقد ذاتها، أحقاً هي تفسير للنص وتقويم له؟ هل يكون النص ثم النقد، أم النقد أولاً ثم يتبعه النص؟ أيهما قبل الآخر؟

     يبدو لي أن النقد ليس معياراً للنص الإبداعي وإن كان هو موضوعه، فالنقد يتبع نمط تفكير مستقل عن العاطفة الشعرية، فهو جزء من عملية التفكير الإبداعي الناقد،وذو فلسفه خاصة ينتج نوعاً جديداً من النصوص الإبداعية بشكل مختلف عن الجنس الأدبي الذي تناوله، فهو عندما يقرر مقاييساً وقواعد إنما ذلك نتيجة ما يثيره النص الإبداعي من تساؤلات ذهنية تنشط مهارات هذا النوع من التفكير، فطبيعة التفكير الإبداعي الناقد لا تقتصر على تناول النصوص فقط ؛ بل هو عام لكافة الأنساق أدبية كانت أم ثقافية، ويثيره ما تحمله هذه الأنساق المختلفة ليؤدي عملاً مختلفاً عما يؤديه النص الإبداعي ذو الفعالية الجمالية، قد يبدو التحليل النقدي منطقياً في أحايين كثيرة، ومستساغ التطبيق على نصوص عديدة، إلا أن هذا يجب ألا يكون دافعاً لفرضه على النص، أو محاكمة النص وفق رؤيته، فلكل شاعر بصمته الأسلوبية التي ينفرد بها، وليست قضيته أن يأتلف مع ناقد أو يختلف معه.

     ويمكن القول بأن النقد والنص هما عمليتان تسيران جنباً إلى جنب، لكل منهما دوافعه وخصائصه وأهدافه، ومحاولة فرض أحدهما على الآخر هو تعدٍ على طبيعة الإبداع في كل منهما، وبهذا فإن الناقد الشاعر ليس متناقضاً مع نفسه كما يبدو لأول وهلة، بل هو مبدع على نحو خاص ينطلق من نص أحادي التأليف إلى نص متعدد الاتجاهات.

*أكاديمية سعودية ـ جامعة أم القرى

One thought on “شاعر لاينام

  1. سلم اليراع.
    الأديب المتمكن هو من يتقن اللعبة، فيبني النص الإبداعي بعد صراعه النقدي؛ ليتجاوز أزمته الأدبية ويصنعها في ذات القارئ.
    النص الإبداعي من صنع العاطفة القوية، والنص النقدي صناعة العقل و الحكمة..أن يجتمعان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *