الجنون بين العامرية والأخيلية

 

عبدالملك الخديدي*

إذا كان قيس بن الملوح العامري  أشتهر بمجنون ليلى وتناقلت أخباره الرُّواة قديماً وحديثاً ووثقت كتب التاريخ والأدب روايته الخالدة وشكلتها بكل الصور الممكنة وفي العصر الحديث أنتجت المسرحيات، والأفلام لتقديمه كرمز لا يندثر للعشق والجنون في الغرام .
 إلا أن هناك مجنونًا آخر قلما يذكره الرواة، لا يقل عن قيس بن الملوح في هيامه، وجنونه بحال من الأحوال وهو الفارس العاشق المتيم (توبة بن حميِّر الخفاجي العامري) من بني عامر بن صعصعة من هوازن يرتبط مع قيس بن الملوح في النسب العامري الهوازني، والملفت للنظر أن التاريخ وذاكرته المنحازة  لقيس بن الملوح  تجاهلت هذا الفارس المغوار والعاشق المجنون المتيم  بحبيبته ليلى الأخيلية، وهذا التجاهل من كتب التاريخ والأدب  أو بمعنى أدق قلة ذكره كان له ما يبرره عند الرواة من رغبتهم في التركيز على شخصية معينة والعمل باستمرار في سرد حياة المجنون لجذب الانتباه لهم أولاً ثم لإسعاد العشاق ومواساتهم ثانياً وإثراء الحياة الأدبية بما رأوه نادراً في سيرة ابن الملوح.
لكن الغريب أن الرواة لم يلحظوا ذلك التشابه الكبير بين الشخصيتين العاشقتين فكلاهما من عامر بن صعصعة وكلاهما أحب ابنة عمه فهذه ليلى قيس بن الملوح وتلك ليلى توبة ابن الحميّر وكل منهما حُرِم من ليلاه وأبعد عنها.
 لذلك نجد أن مجنون ليلى الأخيلية لا يقل عن مجنون ليلى العامرية من حيث الإفتتان بمحبوبته وملاحقته لها وقول الأشعار فيها، ولو أمعنا النظر في شاعرية الاثنين لوجدنا أن ( توبة ) يتميز شعره بالقوة التي ارتبطت بالفروسية إذ ينحى باتجاه السمو والأنفة في الحب لدرجةٍ أعلى ويتجنب الهيام في الدروب إذ كان فارساً مغواراً استطاع أن يتغلب على جنونه وعشقه باتخاذ الفروسية والشجاعة ملجأ لطموحه وهواه، وقد غامر ( توبة ) لأكثر من مرة للقاء حبيبته كما حظي بتقديرها وحبها ولو كان ذلك عن بعد من خلال ذكرها لحبه ثم رثته بعد مماته كما سنرى.
ولذلك نجد أن المجنون الثاني بليلاه الأخيلية يتألق في غزله وحنينه ومحبته فهو يخاطب النجوم ويتطلع للسماء ويتتبع ضوء القمر في الصحاري والجبال والوهاد يعبر عن حبه  بسيفه تارة وبحدائه تارةً أخرى  ويجنح  للمغامرات والتمرد على المكان والزمان.
يقول توبة وغالباً ما تكون أدبيات العشق الحقيقية قصصية المنحى صادقة العاطفة  لا تجنح للإيحاء كثيراً ولا تتنفس بالصناعة بل تكون ترجمة لما يمليه القلب العاشق في ذات الحين :
نأتك بليلى دارها لا تزورها
وشطت نواها واستمر مريرها
يقول رجال لا يضيرك نأيها
بلى كل ما شف النفوس يضيرها
لكل لقاء نلتقيه بشاشة
وإن كان حولاً كل يوم نزورها
إلى أن يقول:
يقر بعيني أن أرى العيس تعتلي
بنا نحو ليلى وهي تجري ضفورها
وبرغم قوة الشعر والمفردات في قصائد توبة بن الحميِّر أو المجنون الثاني إلا أنه يصور حالات مدهشة من لقاءات الحب وصدق المشاعر وتوهج الفارس العاشق:
فناديت ليلى والحمول كأنها
مواقير نخل زعزعتها دبورها
فقالت أرى أن لا تفيدك صحبتي
لهيبة أعداءٍ تلظى صدورها
فمدت لي الأسباب حتى بلغتها
برفقي وقد كاد ارتقائي يصورها
فلما دخلت الخدر أطت نسوعه
وأطراف عيدانٍ شديدٍ أسورها
إلى أن يقول :
وإني ليشفيني من الشوق أن أرى
على الشرف النائي المخوف أزورها
وكنت إذا ما زرت ليلى تبرقعت
فقد رابني منها الغداة سفورها
أرتك حياض الموت ليلى وراقنا
عيونٌ نقيات الحواشي تديرها
تنوء بأعجازٍ ثقالٍ وأسوقٍ
خدالٍ وأقدامٍ لطافٍ خصورها
وقال توبة بن الحميِّر:
ولو أن ليلى الأخيلية سلمت
عليَّ ودوني جندلٌ وصفائحُ
لسلَّمت تسليم البشاشة أو زقا
إليها صداً من جانب القبر صائح
ولو أن ليلى في السماء لأصعدت
بطرفي إلى ليلى العيون الكواشحُ
ولو أرسلت وحياً إليَّ عرفته
مع الريح في موارها المتناوحُ
أأغبط من ليلى بما لا أناله
ألا كل ما قرت به العين صالحُ
سقتني بشرب المستضاف فصرَّدت
كما صرَّد اللوح النطاف الضحاضحُ
فهل تبكين ليلى إذا مت قبلها
وقام على قبري النساء النوائحُ
كما لو أصاب الموت ليلى بكيتها
وجاد لها جارٍ من الدمع سافحُ
وفتيان صدق قد وصلت جناحهم
على ظهر مغبَرِّ التنوفة نازحُ
ونسير مع ابن الحميّر في طريق شجنه الشعري
لنتوقف عند يائيته  التي يماثلها عند قيس بن الملوح اليائية القيسية الشهيرة التي جاء فيها:
لقد لامني في حب ليلى أقاربي
أبي وابن عمي وابن خالي وخاليا  
يقولون ليلى أهل بيت عــداوةٍ
بنفسيَ ليلى من عـدوٍّ ومالـيا
وبرغم الزيادة والنقص والتأويل من الرواة عبر العصور في شعر قيس بن الملوح إلا أن حقيقة الحب وصدق العاطفة والرواية تلقي بظلالها على أبياته وقصائده.
غير أننا نجد في يائية توبة بن الحميِّر قوة اللغة وطموح الشاعر للقاء محبوبته ولو بعد حين وعزيمته التي لا تنتهي
إذ يقول عاشق الأخيلية يائيته:
رماني بليلى الأخيلية قومها
بأشياء لم تخلق ولم أدر ما هيا
فليت الذي يلقى ويحزن نفسها
ويلقونه بيني وبين ثيابيا
فهل يبدرن الباب قومك أنني
قد اصبحت فيهم قاصي الدار نائيا
تمسك بحبل الأخيلية واطرح
عدى الناس فيها والوشاة الأدانيا
فإن تمنعوا ليلى وحسن حديثها
فلن تمنعوا مني البكا والقوافيا
ولا رمل العيس النوافخ في البرى
إذا نحن رفعنا لهن المثانيا
إلى أن يقول:
ولو أن ليلى في بلادٍ بعيدةٍ
بأقصى بلادِ الجن والناس واديا
لكانت حديث الركب أو لانتحى بها
إذا أعلن الرحب الحديث فؤاديا
تربع ليلى بالمُضيِّح فالحمى
وتقتاظ من بطن العقيق السواقيا
والقصيدة أطول من ذلك ..
كان توبة بن الحميِّر شفيف الروح جميل المشاعر صادق البوح، فالمتأمل في قصائده يجد مزجاً عجيباً بين الفروسية والعشق يذكرنا بعنترة حينما كان يجمع الرقة في الحب مع الشجاعة في مواقفها وثباته العاطفي الذي لا تغيره الحروب.
يقول:
وبي من هوى ليلى هوىً لو أبثّهُ
ولو كانَ أعدى النّاسِ لي كانَ ينصحُ
هوىً لَمْ تُغّيرهُ الحروبُ ولم يزلْ
على عهدٍ ليلى أو يزيدُ فيربحُ
ويقول:
وشى واشياً ليلى فقلت صدقتما
وأقبلت في إعراضِ ليلى أعيبُها
ليغترَّ واشٍ أو ليحسبَ كاشحٌ
مُوِدٌّ لليلى قد تولىّ نشوبُها
 وللحقيقة أجمل ما في قصة  مجنون ليلى الأخيلية إن جاز وصفه بهذا اللقب هو قصيدة معشوقته ليلى الأخيلية  حين رثته بعد مماته:
أيا عَيْنُ بَكّي تَوْبَةَ بن حُمَيِّرٍ
بسَحٍّ كَفَيْضِ الجَدْوَلِ المُتَفَجّرِ 
لِتَبْكِ عَلَيْهِ مِنْ خَفَاجَةِ نِسْوَةٌ
بماءِ شُؤُونِ العَبْرَةِ المُتَحَدِّرِ 
  
سَمِعْنَ بِهَيْجا أزهَقَتْ فَذَكَرْنَهُ
ولا يَبْعَثُ الأَحْزانَ مِثْلُ التّذَكُّرِ 
           
كأنَّ فَتى الفِتْيانِ تَوْبَةَ لَمْ يَسِرْ
بِنَجْدٍ ولَمْ يَطْلُعْ مَعَ المُتَغَوِّرِ 
   
ولَمْ يَرِدِ الماءَ السِّدامَ إذا بَدا
سَنا الصُّبْح في بادِي الجَواشي مُوَّرِ 
     
ولَمْ يَغْلِبِ الخَصْمَ الضِّجاجَ ويَمْلأ
الجِفانَ سَدِيفاً يَوْمَ نَكْباءَ صَرْصَرِ    
       
ولَمْ يَعْلُ بالجُرْدِ الجِيادِ يَقُودُها
بسُرَّةَ بَيْنَ الأَشْمَساتِ فأَيْصُرِ   
وصَحْراءَ مَوْماةٍ يَحارُ بها القَطا
قَطَعْتَ عَلى هَوْلِ الجِنانِ بِمِنْسَرِ      
     
يَقُودُونَ قُبّاً كالسَّراحِينِ لاحَها
سُراهُمْ وسَيْرُ الرّاكِبِ المُتَهَجِّرِ 
         
لَمَّا بَدَتْ أَرْضُ العَدُوِّ سَقَيْتَها
مُجاجَ بَقِيّاتِ المَزادِ المُقَيَّرِ
    
ولَمّا أَهابُوا بالنِّهابِ حَوَيْتَها
بخاظِي البَضِيعِ كَرُّهُ غَيْرُ أَعْسَرِ 
         
مُمَرٍّ كَكَرِّ الأنْدَرِيّ مُثابِرٍ
إذا ما وَنَيْنَ مُهَلِبِ الشَدِّ مُحْضِرِ 
           
فألْوَتْ بأعْناقٍ طِوالٍ وَراعَها
صَلاصِلُ بِيضٍ سابغٍ وسَنَوَّرِ 
أَلَمْ تَرَ أنَّ العَبْدَ يَقْتُلُ رَبَّهُ
فَيَظْهَرُ جَدُّ العبدِ مِنْ غَيْرِ مَظْهَرِ 
         
قَتَلْتُمْ فَتىً لا يُسْقِطُ الرَّوْعُ رُمْحَهُ
إذا الخَيْلُ جالَتْ في قناً مُتَكَسِّرِ
وقالت ليلى الأخيلية أيضاً في رثاء توبة بن الحميِّر في قصيدة بلغ عدد أبياتها خمس وأربعون بيتاً اخترنا منها هذه الأبيات:
فتىً لا تخطاه الرفاق  ولا يرى
لقدرٍ عيالاً دون جارٍ مجاور
ولا تأخذ الإبل الزهارى رماحها
لتوبة عن صرف السرى في الصنابر
إذا ما رأته قائماً بسلاحه
تقته الخفاف بالثقال البهازر
إذا لم تجر منها برسلٍ فقصره
ذرى المرهفات والقلاص التواجر
قرى سيفه منها مشاشاً وضيفه
سنام المهاريس السباط المشافر
وتوبة أحيى من فتاةٍ حييةٍ
وأجرأ من ليثٍ بخفان خادر
ونعم الفتى إن كان توبة فاجراً
وفوق الفتى إن كان ليس بفاجر
فتى ينهل الحاجات ثم يعلها
فتطلعه عنها ثنايا المصادر
كأن فتى الفتيان توبةُ لم يُنخ
قلائص يفحصن الحصا بالكراكر
ولم يتخل الضيف عنه وبطنه
خميصٌ كطيَّ السبت ليس بحادر
فتى كان للمولى سناءً ورفعةً
وللطارق الساري قرىً غير قاتر
ولم يدع يوماً للحفاظ وللندى
وللحرب يذكي نارها بالشراشر
وللبازل الكوماء يرغو حوارها
وللخيل تعدو بالكماة المساعر
كأنك لم تقطع فلاةً ولم تنخ
قلاصا لدى وادٍ من الأرض غائر
جنوحاً بموماةٍ كأن صريفها
صريف خطاطيف الصَّرا في المحاور
طوت نفعها عنا كلابٌ وآسدت
بنا أجهليها بين غاوٍ وساعر
وقد كان حقا أن تقول سراتهم
لعاً لآخينا عالياً غير عاثر
وداويَّةٍ قفرٍ تحار بها القطا
تخطيتها بالناعجات الضوامر
فتالله تبني بينها أم عامرٍ
على مثله أخرى الليالي الغوابر
فليس شهاب الحرب يا توب بعدها
بغازٍ ولا غادٍ بركبٍ مسافر
وقد كان طلاع النجاد وبين اللـ
ـسان ومجذام السرى غير فاتر
إضاءة:
الحب الخالد لا يموت ويتنقل بين أفئدة المحبين ويُحفظ في شجون القصائد  ومتون الروايات.
*كاتب وشاعر سعودي
حساب تويتر: abalwied

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *