الترحال.. صدى الأحبة و مدى الذاكرة

 

إعداد – صالح الحسيني

لا يخلو أي سفر من مواقف و طرائف بسبب اختلاف العادات، و تبيان اللغات، و تعدد المسمّيات، و ما يسعى إليه الناس من البحث والتنقيب عن المختلف والمغاير؛ شوقاً إلى التجديد، و ظمأً إلى المعرفة، و إرضاءً لفضول أصيل في النفس الإنسانية، للاطلاع على ما لدى الغير وتوقيفه في الذاكرة، فمع الترحال تأتي الحكايا كذلك عند العودة إلى الدار و استقبال الزوار..، و للسفر دموع قبله.. و دموع معه.. و دموع بعده، و سهر و ذكرى و شوق و لهفة..، له بهجة و فرح و رقص، و جمال و ابتهال حين تلتقي الأشواق و يتبدى مرأى الأحبة و الخلان.

ارتبطت قرائح الشعراء بالعديد من القصائد عبر التاريخ التي خرجت من رحم الترحال، و أسهمت الرحلات في إنتاج العديد من المؤلفات التي ستظل شاهدةً على الأماكن، و حاضرةً في ظلال الأزمنة ..

يقول أبو الطيب المتنبي :

نحن أدرى و قد سألنا بنجدٍ

أطويل طريقنا أم يطولُ

و كثيرُ من السؤال اشتياقُ

و كثير من ردهِ تعليلُ

لا شك أن السفر مقترنٌ بالوداع الذي يُشعل تحت الضلوع ناراً تلهب الأحشاء، و ُتجري الماء فوق الخدود، دموعاً تحرق الوجنات، لوعةٌ تزرع الحزن و الأسى، الدموع الماطرة من مقلتي المودع يتراءى للبعض أنها ماءً منهمرًا، لكنها خلاصة دم جاءت به بصرة العين و هي فوق تنور يحترق داخل الأحشاء:

فوالله لا أنسى مدى الدهر قولها

و نحن على حد الوداع وقوفُ

و للنار من تحت الضلوع تلهب

و للماء من فوق الخدود وكيفُ

فهل أنصفت تلك الدموع الدامية، و هل وفى القلب المحترق؟ و ما قيمة هذه الدموع المنهمرة من العين التواقة إلى محبها! تتجلى قيمتها

بقول الشاعر:

و لما وقفنا للوداع و قلبها

و قلبي يغيضان الصبابة و الوجدا

بكت لؤلؤاً رطبًا و فاضت مدامعي

عقيقًا فصار الكل في نحرها عقدا

لكن الدموع تفضح أسرار المحب كما فضحت العباس بن الأحنف:

هبوني أغض إذا ما بدت

و أملك طرفي فلا أنظرُ

فكيف استتاري إذا ما الدموع

نطقن فبحن بما أضمرُ

خاصةً إذا أتتك تمشي كأنها تخطو على البيض أو خضرٌ القوارير مقبلة غير مدبرة، وكغصن بان يداعبه نسيم هادئ الطبع فهل يستطيع (المحب) أن يستر ما يضمر من حب ولوعة واشتياق؟، أم يكون من يهرب من التوديع الذي يجلب الهم و الحزن !، و لا يعرف ما في البينِ إلا عند حدوثه تلك الساعة يتمنى الإنسان أن معرفته للمودع لم تكن و ممن يهرب عن التوديع البحتري:

لا تعذليني في مسيري

يوم سرت ولم ألاقكْ

إني لأخشى مواقفاً

للبين تسفح غرب ماقكْ

وعلمت ما يلقى المودعٌ

عند ضمك واعتناقكْ

فتركت ذاكَ تعمداً

وخرجت أهرب من فراقكْ

و لكن هل الدموع تفنى و تنقضي ؟ يقول قيس بن ذريح:

وإني لمفن دمع عيني بالبكا

حذار الذي لما تكن وهو كائن

و قالوا غدا أو بعد ذاك بليلةٍ

فراق حبيب لم يبن وهو بائن

و لا تكن كما قال جرير لما عرف الخبر :

لو كنت أعلم أن آخر عهدكم

يوم الرحيل فعلت مالم أفعلِ

و للناس في التوديع مذاهب شتى لعل أهمها التوديع بالطرف، والإيماء بالعين – غالباً عند العشاق – و لكل محبوب طريقته في التوديع..

ضعفت عن التسليم يوم فراقنا

فودعتها بالطرف والعين تدمعٌ

وأمسكت عن رد السلام فمن رأى

محبا بطرف العين قبلي يودعٌ ؟

رأيت سيوف البينِ عند فراقنا

بأيدي جنود الشوق بالموت تلمعٌ

عليك سلام الله من مضاعفاً

إلى أن تغيب الشمس من حيث تطلعٌ

 

شاعر آخر يودع:

تبدت لنا مذعورةُ من خبائها

و ناظرها باللؤلؤ الرطب لامعُ

أشارت بأطراف البنان و ودعتْ

و أومت بعينيها متى أنت راجعُ؟

فهل هذا النوع من السرقات الجائزة؟، لعلها في عالم العشاق مباحة، فعالمهم غريب، و أركان عشقهم معروفة.

التوديع بالعناق و التقبيل، و هذا أعمق أنواع التوديع:

مالت علي تفديني وترشفني

كما يميل نسيم الريح بالغصن

و أعرضت ثم قالت وهي باكية

ياليت معرفتي إياك لم تكن

و للعشق أبوابه و طرائقه و أبعاده؛ يقول جميل بن معمر صاحب بثينة – فيما رواه سهل بن سعد الساعدي – بأنه قال على فراش الموت إني لفي آخر يوم من أيام الدنيا و أول يوم من أيام الآخرة:

أقلب طرفي في السماء لعله

يوافق طرفي طرفها حين تنظر

فأين هم من عشاق اليوم ؟؟

 

من ذاكرة الترحال 27 عاماً كانت بين عامي ( 1325-1352 م)، و هي الرحلة الطويلة الشهيرة التي عرفت برحلة ابن بطوطة، و قد سٌميَ بهذا الاسم نسبًة إلى والدته وبعض المؤرخين يقولون أنه سٌميَ بهذا الاسم نسبة إلى أجداده.ولد عام 1304م في مدينة طنجة بالمغرب، وكان معظم أهله من العلماء والفقهاء كان يجيد الجغرافيا و شغف بالاستكشاف، يضرب به المثل في التنقل والمغامرات، وتوفي عام 1369م في طنجه.

فعندما بلغ ابن بطوطة عامه الحادي والعشرين قرر السفر إلى مكة من أجل أداء فريضة الحج، وكما نعلم أن تلك تعتبر مسافة كبيرة جدًا مقارنة بوسائل النقل القديمة التي تختلف عن وسائل النقل السريعة الآن مثل الطائرات.

في طريق ابن بطوطة إلى مكة المكرمة مر بسوريا، وفي دمشق تزوج من فتاة و هو في عمر 22 سنة و مكث معها فترة ثم انتقل لاستكمال رحلته.

وصل إلى مكة و أدا مناسك الحج، و شاهد ما بها من معالم و آثار، ثم اتجه إلى المدينة المنورة لزيارة المسجد النبوي الشريف و المعالم الإسلامية بالمدينة، بعد ذلك انطلق لاستكمال رحتله من جديد.

سار إلى العراق ففارس، ثم عاد إلى مكة مرة أخرى، ومنها انطلق إلى شمال أفريقيا، ثم تانزانيا، ثم جنوب اليمن وعمَان، ومن هناك انطلق إلى الهند، وتوطدت علاقته بسلطان الهند الذي أعجب بثقافته وحيويته وحبه لاستكشاف، واستضافه لفترة من الوقت.

وبعد وقت قصير من مكوثه في الهند انطلق ابن بطوطة إلى افغانستان وتركيا والبحر الأسود، وبعدها الذهاب إلى أندونسيا وماليزيا وجنوب آسيا..، وأخيرًا وصل إلى نهاية رحلته في الصين، وكان في أوائل الثلاثينات وقرر بعدها أن يعود إلى موطنه في طنجة بالمغرب، فوجد أمه قد توفت بالطاعون أوما يعرف بالموت الأسود الذي كان متفشيا “بشكل كبير جدًا في بلاد المسلمين في ذلك الوقت.

انطلق ابن بطوطة بعد وفاة أمه مرة أخرى إلى الأندلس و مالي و غرناطة، وكانت هذه آخر رحلاته فعاد بعدها إلى المغرب ليجمع و يكتب عن رحلاته العظيمة بالتفصيل، و يحكي عن عادات و تقاليد الشعوب المختلفة التي زارها و مظاهر التقدم في كل الشعب، و أيضًا مظاهر الاختلاف و التشابه بين الشعوب و القبائل خصوصًا في العالم الإسلامي، و كانت كتابته لهذا الكتاب القيم بناءً على توصية من سلطان المغرب آنذاك عندما سمع عن رحلاته الطويلة الشيقة التي استغرقت 27 عامًا.

ومن ضمن المدن التي وصف جمالها في كتابه الرحلة مدينة الإسكندرية: وقال عنها (العجيبة الشأن) و(الأصيلة البناء) فقد انبهر بشوارعها و تقاسيمها الجغرافية، و وصفها بأنها كانت لها أربع بوابات واحدة منهم لا تٌفتح إلا يوم الجمعة لأسباب اجتماعية و سياسية، و أيضَا أعجب جدًا بالمنار ووصفه بأنه من عجائب الدنيا.

و تحدث بإعجاب شديد عن دمشق و تقدمها و انتشار العدل و الحق فيها، و كانت هناك الكثير من الأوقاف في دمشق منها: أوقاف لعابري السبيل الذين لا يمتلكون من الطعام أو الشراب ما يؤهلهم لتكملة السفر، و هناك أوقاف لتعديل الطرق و للأواني المكسورة يمكنك استبدالها بواحدة جديدة وإعطاء القديمة للأوقاف.

تحدث أيضَا ابن بطوطة بإعجاب بالباميرستان في تونس – كانوا قديمًا يطلقون اسم الباميرستان على المستشفى- وكانت الباميرستانات تحتوى على عدد كبير من الأطباء الممتازين في جميع التخصصات، وكان الشخص الضرير يٌعالج مجانًا.

من الشعر العربي في السفر أيضًا:

قصيدة: وغدًا تسافر

الشاعر فاروق جويدة

وغدًا تسافر

والأماني حولنا حيرى تذوبْ

والشوق في أعماقنا

يدمي جوانحنا

ويعصف بالقلوبْ

لم يبق شيء من ظلالك

غير أطياف ابتسامة

ظلّت على وجهي تواسيه

وتدعو بالسلامة

و غدًا سنمضي

فوق أمواج الحياة

لا نعرف المرسى

و تاهت كل أطواق النجاةِ

 

و حين الحديث عن عناء الترحال، و مشاق الأسفار؛ نأتي إلى عرض الحال القديمة التي مرت بها الأجيال في رحلاتهم عبر الطرق و بين الرمال و خلال السهوب و الوهاد و الوديان؛ فقد تغيرت الوسيلة المستخدمة عبر الزمن، حيث كان تطوّر وسائل النقل خلال مراحل التاريخ بطيئاً جداً وصعباً، حين كان الناس يحملون بضائعهم على رؤوسهم أو على ظهورهم أو يجرونها على الأرض، وفي حوالي سنة 5000 ق.م بدأ الناس باستخدام الحيوانات في نقل الأحمال والبضائع كالبغال والحمير، وبعد عام 3000 قبل الميلاد اختُرعت العربات، حيث إنّها كانت تتكون من أربع عجلات من دون محرك، كذلك اختُرعت القوارب الشراعية فبدأ الإنسان باستخدام الحيوانات والعربات والمراكب لنقل الأحمال إلى أماكن أبعد بسرعة وسهولة مقارنة مع ذي قبل.في أواخر القرن الثامن عشر أنتج المخترعون أول مركبات، ثم توالت الابتكارات والاختراعات في وسائل النقل حتى القرن الخامس عشر الميلادي، حيث تم إجراء التحسينات اللازمة في بناء السفن الضخمة؛ لجعل الرحلات الطويلة ممكنة عبر البحار والمحيطات المختلفة. وفي القرن الثامن عشر تم اختراع المحرك البخاريّ، الأمر الذي أدى إلى ظهور مركبات وقطارات تعمل بالبخار، وفي أواخر القرن التاسع عشر اكتُشف النفط والغاز الطبيعيّ، وتم تسخيره لخدمة وسائل النقل المختلفة وتطويرها، وذلك من خلال بناء سفن ومركبات تعمل بواسطة محركات الغاز والنفط. 

السفر خلال هذه الفترة من الزمن أصبح أمرًا ميسورا، ليس فيه شبه من سابق عناء، ولا جهد كثير من أثر شقاء، و لا غياب طويل عن الأحبة، اختصرت الوسائل ساعات الزمن و طوت المسافات ؛ نتعرف على ذلك حين نرى كيف نفذت إحدى شركات الطيران، أطول رحلة طيران في التاريخ بدون توقف بين مدينتي سيدني الأسترالية والعاصمة البريطانية لندن، واستمرت الرحلة لمدة 19 ساعة و19 دقيقة، قطعت خلالها مسافة بلغت 17.8 ألف كيلومتر، وبالتالي نجحت في تحطيم رقمين عالميين، تم الاعتراف من قبل منظمات الطيران العالمية بأن هذه الرحلة هي أطول رحلة ركاب تجارية سواءً من حيث المسافة المقطوعة أو في وقت السفر في تاريخ الطيران.

وفي ذاكرة الشعور ومفكرة المشاعر يبقى الترحال صدىً للأحبةِ و مدىً للذاكرةِ، التي تسجل و ترصد خلجات الأنفس، و ومضات الفكر، و إمضاءات الثقافة، و إضاءات المعرفة في رحلاتٍ و ذكرياتٍ تبقى في الجزء المشرقِ من تاريخ الرحلات وجغرافيا الأماكن وأزمنة التوثيق.

شارك المقال عبر

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on telegram

يسعدني رأيك

%d مدونون معجبون بهذه: